الدرس في شرح منظومة الألبيري 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ بيتين من منظومة الإمام اللبيري التائية حيث يعاتب الناظم نفسه على لسان منتقد، مبيناً أن الأكبر سناً أحق بالتخويف بالموت وأن الانغماس في المعاصي كمن غرق في بحر الخطايا. يستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدي الأسك لبيان حقارة الدنيا وسرعة زوالها.
يستعرض المقطع لوم الشاعر لنفسه على لسان منتقد لعدم استغلال عصره الذي كان فيه علماء ونهضة علمية، وسكنه مجتمعاً فيه ظلم دون اجتناب، وصحبته أعلاماً كباراً دون اقتداء. يؤكد أن هذه المحاسبة الذاتية علامة على يقظة القلب، مستشهداً بمحاسبة الشيخ مقبل الوادعي لنفسه عند رؤية أول شعرة في لحيته.
يؤكد المقطع أن محاسبة النفس بوابة الندم والإنابة، وأن المؤمن يجمع بين إحسان العمل وخوف عدم القبول مستدلاً بقول عمر رضي الله عنه وآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. يفسر قول الشاعر: «وناداك الكتاب فلم تجبه، ونبهك المشيب» بأن القرآن والشيب مواعظ إلهية توقظ الغافل، ضارباً مثلاً برجل اهتدى بمشاهدة حادث مميت فاستقام.
يذكر المتحدث أن المواعظ كثيرة ومنها القرآن الكريم، والشيب وتقدم السن، وفقد الأحبة والأصدقاء والجيران، وهي كلها تذكيرات تدعو الإنسان للإنابة إلى الله. يشير إلى أذان المؤذن كدليل عملي على دعوة العبادة المستمرة للعبد الغافل.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام اللبيري رحمه الله تعالى في منظومته التائية في الحث على طلب العلم والتحلي بالآداب والأخلاق الفاضلة والزهد في الدنيا: قال: "تقطعني على التفريط لوماً، وبالتفريط دهرك قد قطعت". هذا البيت صح، وقفنا هنا، انتهينا منه. هذا، ومن لك بالسرور وأنت رهنم؟ قال: "تقطعني على التفريط لوماً، وبالتفريط دهرك قد قطعت". هذا البيت صحيح. هنا النظم يعود على نفسه كما تقدم باللوم والتفريط والتقصير، فهو يقول له: لك أن تقول أيها المنتقد، وأيها العائب: كيف تلومني على التفريط فيما تقدم من قصيدتك يا ألْبِيري؟ "وبالتفريط دهرك قد قطعت"، يعني: أنت عندك تفريط وتقصير، فلا تلومني بل لوم نفسك، ولا تعاتبني بل عاتب نفسك. وكما تقدم، هذا من خصائص الصادق والناصح، يشعر دائماً بالتقصير والتفريط. ثم يقول له: "وفي صغري تخوفني المنايا، وما تدري بحالك حيث شخت". يعني: لك أن تقول أيها المنتقد، وأيها العائب: في صغري تخوفني المنايا، لأنه قال له فيما تقدم: الألبيري يقول لذلكم المنتقد فيما تقدم: "وفكر كم صغير قد فانت، وقل يا ناصحي وفكر كم صغير قد فانت". قبل ذلك يقول له: "ماذا ولا تقل، ولا تقل الصبى فيه امتهال". هذا الناظم يقوله لمن؟ للمنتقد والعائب. طيب، فالآن عاد الناظم باللوم والعتب على نفسه، فيقول: لك أيها المنتقد العائب أن تقول: "وفي صغري تخوفني المنايا". وهذا استدل به بعض العلماء من الشراح على أن المنتقد كان صغيراً وشاباً، وأن الألبيري كان كبيراً شيخاً، فلذلك يقول: "وفي صغري تخوفني المنايا". أيها المنتقد، أيها العائب: لك أن تقول: أنا صغير، وأنت تخوفني المنايا، وأنت أحق بهذا التخويف. ولذلك قال له: "وما تدري بحالك حيث شخت"، يعني: أنت شيخ كبير، فهذا التخويف أنت أحق به، لأنه كلما طعن الإنسان في السن فهو أقرب إلى المنايا. بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وقليل من يجاوز ذلك، وقليل من يجاوز ذلك». فيقول عن نفسه: "وما تدري بحالك حيث شخت"، يعني: أنت أولى بهذا التخويف، فأنت أكبر مني سناً، فأنت أولى أن تذكر بالمنايا مني. وهذا كله من محاسبة، ومن كذلك معاتبة الناظم لنفسه. ثم قال: "وكنت مع الصفاء أهدى سبيلا، فما لك بعد شيبك قد نكثت". كأنه يتحدث على لسان المنتقد والعائب له، فكأن العائب له يقول له: كنت أيها الألبيري مع الصفاء أهدى سبيلا. ومعنى "مع الصفاء": يعني في حال شبابك ونشوئك، كنت أهدى سبيلا، يعني: كنت ذا استقامة وذا إقبال على الآخرة. "فما لك بعد شيبك قد نكثت"، أي: بعدما كنت شيخاً نكثت، فلم تكن على تلك الاستقامة التي كنت عليها في صباك، يعني: في وقت شبابك. وهذا كله من اللوم والعتب، يعاتب الناظم نفسه، يعاتب الناظم نفسه. فكل هذا من إظهار النفس مظهر التقصير والتفريط واللوم والمعاتبة لها. ثم قال: "وَلا يَزَالُ يُعَاتِبُ نَفْسَهُ، وَلا يَتَّهِمُهَا، وَلا يَتَّهِمُهَا بالتقصير والتفريط. هَا أَنَذَا لَمْ أَخُضْ بَحْرَ الْخَطَايَا كَمَا قَدْ خُضْتَهُ، حَتَّى غَرِقْتَ". ولا يزال يتحدث على لسان المنتقد، فيقول للمنتقد له: لك حق أن تقول: "وَهَا أَنَذَا لَمْ أَخُضْ بَحْرَ الْخَطَايَا"، يعني: لم أدخل في الخطايا، لم أخذ، لم أدخل في الخطايا، يعني: في المعاصي. وهذا فيه دليل على أن الإنسان كلما دخل في المعاصي، كلما دخل في المعاصي كان أقرب إلى الهلاك والغوص، والعياذ بالله، يغوص في الهلاك. فيقول له: "وَهَا أَنَذَا لَمْ أَخُضْ بَحْرَ الْخَطَايَا"، يعني: هذا المنتقد لم يأخذ بحر الخطايا، "كَمَا قَدْ خُضْتَهُ حَتَّى غَرِقْتَ"، يعني: غرقت في بحر الخطايا لكثرة ذنوبك وخطاياك. فكأن الناظم يقول: أنا عندي خطايا كثيرة، عندي ذنوب وخطايا كثيرة. وهذا كله من حضم النفس، وكذلك اتهامها بالتفريط والتقصير. ثم قال: "وَلَمْ أَشْرَبْ حُمَيَّا أُمِّ دَفْرٍ، وَأَنْتَ شَرِبْتَهَا حَتَّى سَكِرْتَا". ومعنى "لم أشرب حُمَيَّا": حُمَيَّا قِيلَ هي الكأس الذي لها ذوق عند صاحبها، والمراد بها هنا الخمر. الخمر. فيقول له: أنت سكران بماذا؟ سكران بكأس أم دفر. والدفر هو: أنتا. الدفر هو ماذا؟ أنتا. ومنه قيل للدنيا: أم دفر، لأنها حياة نتنة. ويدل على ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أو عنهما هو وأبوه، صحابيان، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مر بالسوق والناس كنفيه، يعني: عن جانبيه. انظر إلى هذا الموقف: النبي صلى الله عليه وسلم يمشي بالسوق والناس عن يمينه وعن شماله، الصحابة رضي الله عنهم، فمر بجدي أسك. ومعنى "جدي": يعني غنم أو تيس. و"أسك": يعني قصير الأذنين. فيه عيب، فيه عيب أن أذنيه قصيرتان، وهو كذلك ميت، مات، حتى فأمثه، لا بذبيحة شرعية. فتناوله، فأخذه بأذنه، هذه الأذن الصغيرة. هذا درس عملي يلقنه النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة. أخذه بأذنه، ثم قال: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟» يعني: يشتريه بدرهم. فقال الصحابة: ما نحب أنه لنا بشيء. ما منا من يحب أن له بلاش، بدون مقابل، بدون ثمن. كيف أنت تقول؟ يعني: من يريده بدرهم؟ هو ميت، هو معاب. فقال عليه الصلاة والسلام: «أتحبون أنه لكم؟» يعني: تأخذونه بدون مقابل. تحبون ذلك؟ هل أحد يأخذه هكذا بدون مقابل؟ فماذا قالوا؟ قالوا: والله لو كان حيا... قالوا: والله لو كان حيا ما أخذه منا أحداً لعيبه، إنه أسك، يعني: معاب. فلو كان حيا ربما ما يأخذه منا أحد. والمعنى أن لا أحد يرغب فيه. فقال عليه الصلاة والسلام: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم». هذا هو حال الدنيا. الدنيا كجيفة يتقاتل عليها الغربان والطيور والوحوش. فهذا كأنه مأخوذ من هذا الحديث. ويقول له: "وَلَمْ أَشْرَبْ حُمَيَّا أُمِّ دَفْرٍ"، يعني: لم أشرب، بمعنى: لم أخذ أو أتعلق أو أشتغل وأثني وقتي وعمري في جمع هذه الدنيا أو التعلق بها. لم أشرب. وهذا هو حال كثير من الناس، تجده سكران، لكن بماذا؟ هل بالخمر الحسي الحقيقي؟ لا. السكر قد يكون حسياً وقد يكون معنوياً. فمن السكر المعنوي: سكر بعض الناس بالدنيا. تجد همه الأكبر وشغله الشاغل هذه الدنيا، فتجده منشغلاً بها، ربما ما ينتبه لأولاده، وتكلمه وهو يحسب وهو لا يبالي، يضيع الحقوق، يضيع الصلوات، يضيع العلم، يضيع الدعوة. سكران بالدنيا. هذا هو السكر. هذا هو السكر. منشغل بهذه الدنيا، وكأنه خلق من أجلها. فهذا معنى قوله: "وَلَمْ أَشْرَبْ حُمَيَّا أُمِّ دَفْرٍ"، يعني: يقول على لسان ذلك المنتقد، أن هذا المنتقد يقول له: لم أشرب حمية أم دفر، يعني: لم أنشغل بالدنيا، وأنت شربتها حتى سكرتها، يعني: شغلتك هذه الدنيا وفتنتك أكثر مما شغلتني، أكثر مما شغلتني. فانظر إلى حالي، وانظر إلى حالك. وهذا كله من تواضعه، ومن هضمه لنفسه، ومن بيان تقصيره وتفريطه، رحمه الله تعالى. يعني: على لسان المنتقد، كأن المنتقد يقول للألبيري: أنا لم تشغلني هذه الدنيا، لم أشرب حمية أم دفر، لم أتعلق بها، ولم أنشغل بها، لكن أنت أيها الألبيري شربت من هذه الدنيا حتى سكرت، بمعنى: أنت منشغل بها. واضح. وهذا كما ذكرنا قاله على سبيل خضم النفس، وكذلك اتهامها بالتقصير والتفريط. ثم قال: "وَلَمْ أُنْشَأْ بِعَصْرٍ فِيهِ نَفْعٍ، وَأَنْتَ نَشَأْتَ فِيهِ، وَمِنْ تَفَعْتَ". ما يزال يتحدث على لسان المنتقد، كأن المنتقد العائب له يقول: أنا لصغر سني لم أدرك المشايخ والنهضة العلمية التي كانت في المجتمعات، فأنا لم أنشأ بعصر فيه نفع، فيه نهضة علمية، وفيه محدثون وعلماء يعلمون الناس. ولكن أنت نشأت في عصر فيه نفع، أي: فيه علماء، وفيه محدثون، لأنه كلما تأخر الزمان كلما نقص العلم وقل العلم، كما في حديث النبي عليه السلام: «يتقارب الزمان»، وفي رواية: «لا تقوم الساعة حتى يقل العلم»، وفي حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه». فاغتنموا العلماء بوجود العلم، والعلماء بوجود العلم والعلماء. فكأن هذا المنتقد العائب يقول للألبيري: أنا صغير، ووجدت في مجتمع ما فيه تلك النهضة، ما فيه أولئك المحدثون والعلماء، وأما أنت فقد نشأت في عصر فيه علم، وفيه نفع، وفيه علماء، لكنك "من تفعت"، يعني: ما استغللت وجود العلماء، ووجود المحدثين، ووجود تلك النهضة العلمية. فمن تفعت بما كنت فيه من مجتمع مثالي فيه من العلم والتعليم ونحو ذلك. هذا هو المعنى. ثم قال له: "وَلَمْ أُحِلَّ بِوَادٍ فِيهِ ظُلْمٌ، وَأَنْتَ حَلَلْتَ فِيهِ وَانْتَهَكْتَ". يعني: يقول له: أنا ما سكنت في مجتمع فيه ظلم، وفيه كذلك معاصي واعتداء ونحو ذلك، وأنت سكنت في واد فيه هذا الظلم، ومع هذا فأنت لم تجتنب الظلم، ولم تبتعد عنه، بل "انتهكت"، يعني: وقعت في الظلم، وقعت في الظلم. وكما تقدم، كل هذا يذكره موضع الهضم للنفس، وإظهارها مظهر التقصير والتفريط. ثم قال له: "لَقَدْ صَاحَبْتَ أَعْلَاماً كِبَاراً، وَلَمْ أَرَكَ اقْتَدَيْتَ بِمَنْ صَحِبْتَ". لا يزال الناظم يتحدث على لسان المنتقد والعائب، فكأن العائب والمنتقد يقول له: يا ألبيري، لقد صاحبت أعلاماً كباراً، يعني: عاصرت وعاشرت علماء، علماء كبار، أهل قدوة وأهل سمت وعلم وخلق، ولم أرك اقتديت بمن صحبت، ما أخذت من هديهم، ولا من علمهم، ولا من سمتهم، "من تفعت" بصحبتهم، "من تفعت" بصحبتهم. وهذه الأبيات كلها تبعاً لما قبلها في رجوع الناظم إلى نفسه بالعتب واللوم. فبدأ بالعتب واللوم من قوله فيما تقدم: "وقل يا ناصحي، بل أنت أولى بنصحك، لو فعلت، لو لفعلك قد نظرت". بدأ من هنا يعاتب نفسه ويلومها على التقصير، وهكذا ينبهها ويذكرها. فقال: "تقطعني على التفريط لوماً، وبالتفريط دهرك قد قطعت". كل هذا فيه محاسبة للنفس، ولومها على تقصيرها وتفريطها. والمحاسبة، محاسبة النفس، هي من يقظة القلب. تجد علماء، وهم من هم في العلم والنفع والدعوة، والشيخ مقبل رحمه الله يحكي عن نفسه، قال: أول ما رأيت أول شعرة في لحيتي، مسكتها وقلت: ماذا قدمت للإسلام يا مقبل؟ ماذا قدمت للإسلام؟ هذا من المحاسبة، وهو قدم للإسلام أمراً عظيماً، كم خرج على يديه من العلماء ومن طلاب العلم، فهو مجدد بحق في بلاد اليمن، دعا إلى التوحيد وإلى الحديث، ودعا إلى السنة، ومع هذا لم يغتر بما يراه من هذا الأثر الواضح الظاهر البين، فلا يزال يعاتب نفسه: ماذا قدمت؟ فماذا عسانا أن نقول؟ كل واحد يسأل نفسه: كم هو مقصر، وكم هو مفرط، وكم هو منشغل بنفسه وبدنياه؟ فماذا قدم للإسلام؟ وماذا قدم لدين الله سبحانه وتعالى؟ وما هي طاعاته، وما هي كذلك أعماله؟ كل ذلك من المحاسبة. فالمحاسبة من يقظة القلب. فمن ثمار المحاسبة أن القلب ينتبه. فالمحاسبة، كما يقول العلماء، هي بوابة الندم والإنابة. كلما حاسب الإنسان نفسه، كلما عاتب الإنسان نفسه، كان ذلك أدعى لسرعة التوبة والإنابة، وإصلاح الحال، والاستقامة على الطاعة. وكلما كان العبد أشد محاسبة لنفسه، وأوزن لأعماله، كان ذلك أتم في الاستقامة. لذلك يقول عمر رضي الله تعالى عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا». حاسب نفسك: ما هي أعمالك؟ وما هي أقوالك؟ وما هي الأوقات التي تقضيها في يومك في طاعة الله، أو فيما يعود على نفسك ودنياك بالنفع؟ اسأل نفسك. فالمؤمنون الكمل هم الذين جمعوا بين إحسان في العمل، وشفقة في التفريط، فلا يغترون بأعمالهم، بل دائماً، بل دائماً يرمون أنفسهم بالتفريط والتقصير، ويخافون أن لا تقبل منهم أعمالهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. الحديث الذي يحسن الاستدلال به، من حديث عائشة، أنها قالت: يا رسول الله، هم الذين يشربون الخمر ويزنون، وذكرت من المعاصي والكبائر. قال: «لا يا بنت الصديق، هم الذين يعملون الأعمال، ثم يخافون ألا تقبل منهم». ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا﴾ أي: من الأعمال الصالحة، ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ خائفة ألا تقبل منهم هذه الأعمال. فالمؤمن لا يغتر بعمله، مهما عمل، ومهما قدم. فهذه طريقة العلماء. والمؤمن الصادق هو الذي يتواضع، ومن تواضعه يعود على نفسه باللوم والعتب، وهضم النفس، وعدم الاغترار. يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: إن المؤمن جمع بين إحسان ومخافة. المؤمن يحسن العمل، ويسعى إلى إصلاح العمل، ومع هذا يخاف. وهو جمع بين إحسان ومخافة. قال: والمنافق جمع بين إساءة وأمن، يسيء العمل، وهو يغتر بهذا العمل، فيركن على الأمن من عذاب الله. فالمهم: المؤلف في هذه الأبيات دخل هذا المدخل الجميل، إذ يلوم نفسه ويعاتبها، وينبهها على أهمية المحاسبة، ويذكرها بما قد يكون منها من تفريط أو تقصير. ثم قال: "وَنَادَاكَ الْكِتَابُ فَلَمْ تُجِبْهُ، فَلَمْ تُجِبْهُ، وَنَادَاكَ الْكِتَابُ فَلَمْ تُجِبْهُ، وَنَبَّهَكَ الْمَشِيبُ فَمَنْ تَبَهَّتَ". ومعنى "وناداك الكتاب": يعني: أتاك موقظتان. الموقظة الأولى: الكتاب. وهذا معنى قوله: "وناداك الكتاب"، ويريد بالكتاب: كتاب الله، وما فيه من آيات النذر والتخويف والتهديد والتذكير والترغيب والترهيب ونحو ذلك. فكتاب الله موقظة وموعظة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾. فهذا كتاب الله بين أيديك، فلم تجبه، يعني: لم تتعظ به، ولم تتذكر بمواعظه، فلم تجبه. فلا يزال يعود على نفسه بماذا؟ بالعتب. "ونبهك المشيب"، وهذه الموعظة الثانية، أو الموقظة الثانية: أنت الآن كبير في السن، وقد شاب شعرك وبيض، فهذا أيضاً نذير وموقظ. وقد قيل في بعض أقوال المفسرين في قول الله عز وجل: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾، فسر "النذير" بتفاسير عدة، ومنها: ومنها الشيب. ذكر ذلك بعض العلماء، وإن كان كثير منهم ذهب إلى أن النذير هو الرسول الذي بعث إليهم، الذي بعث إليهم، ولكن يستأنس بهذا القول في هذا المعنى. فالشيب نذير لقرب الأجل. وقد جاء في الحديث قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أعذر الله إلى امرئ أخره حتى بلغ الستين»، يعني: لم يترك له عذراً إذا تجاوز الستين، لم يترك له عذراً، إذ جاءه المشيب. فماذا ينتظر بعد ذلك؟ فالمشيب يعد من المواعظ التي ينبغي أن يتعظ بها ذلك المسن. فعندك مواعظ في هذه الدنيا ينبغي أن تتعظ بها، والمواعظ كثيرة: القرآن والسنة، تدخل في القرآن، والمشيب، والمواقف. قد تنظر إلى حادث سلمت منه، فهذا نذير، نذير لك. أحد الإخوة نعرفه من إخواننا أصحاب الديس، كان منحرفاً وبعيداً عن الاستقامة، وكان منتظر سيارة في وقت متأخر من الليل، يريد أن يذهب من الشحر إلى الديس، فمرت سيارة، فأشر لها، فلم تقف، فسبها، وسب الذات الإلهية غضباً. فمشت هذه السيارة، فانتظر قليلاً، جاءت سيارة أخرى، فركب فيها، فبينما هو في هذه السيارة، إذ تنقلب السيارة الأولى التي مرت عليه ولم تقف، ومات كل من فيها، وهو يشاهد هذا الموقف. فكان هذا الموقف سبباً في استقامته ورجوعه إلى الله. كيف لو ركب مع هذه السيارة، وقفت له، وركب معها، فانقلبت وهو فيها، ومات مع من مات، وهو على سب الدين، وترك الصلاة، ونحو ذلك من المعاصي؟ فانظروا: هذا موعظ. والآن من خيرة الشباب السلفيين، نحسبه كذلك، والله حسيب، لا نزكي على الله أحداً. يعني: انظر، موقف، موعظة، صارت له، فكان هذا الموقف خيراً له، سبب الاستقامة. فالمواعظ كثيرة التي تجعل الشخص ينتبه ويرجع إلى الله ويتوب. ومن ذلك: القرآن، وكفى بالقرآن واعظة. ومن ذلك: الشيب، كبر السن. ومن ذلك: فقد الحبيب، والصديق، والجار، والأخ، ونحو ذلك، مما نشاهده في يومنا وليلتنا. فهذه مواعظ. طيب، يؤذن مؤذن.