شرح منظومة الألبيري  13

شرح منظومة الألبيري 13

الدرس في شرح منظومة الألبيري 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

ستر الله للعيوب وأدب النصيحة بين أبي إسحاق وأبي بكر

يوضح المقطع أن أبا إسحاق رد على نقد الشاب أبي بكر بقوله إنه كشف أقل عيوبه بينما ستر الله معظمها، مستدلاً بفضل ستر الله على العباد. ويؤكد أن الشرع حث على ستر المسلم لأن الستر سبب لرجوعه وصلاحه، إلا إذا كان الكتمان يزيد في الفساد فيباح إفشاء سره.

هضم النفس والاهتمام بإصلاح الذات بدل تتبع عيوب الآخرين

يشرح المقطع معنى قول الناظم «قل ما شئت فيَّ من المخازي وضعفها فقد صدقت» على أنه هضم للنفس وإقرار بكثرة العيوب الباطنة. ويخلص إلى وجوب انشغال المسلم بإصلاح نفسه وتقويم تقصيره بدلاً من التفرغ لانتقاد الآخرين.

بدء الإصلاح بالنفس وخوف السلف من النفاق

يؤكد المقطع على وجوب إصلاح النفس قبل نقد الآخرين، مستشهداً بهدي السلف الصالح الذين كانوا يخشون على أنفسهم من النفاق رغم مكانتهم العالية. كما يحذر من الاغترار بالطاعات الظاهرة ويذكر سؤال عمر بن الخطاب لحذيفة عن المنافقين.

اعتراف الناظم بذنوبه وتواضعه كتربية للناس

يعترف الناظم بأنه لا يخلو من الذنوب والمعاصي، ويرى أن نقد الآخرين له يعد مدحاً لعلمه بباطن نفسه وتقصيره. ويؤكد أن هذا التواضع وهضم النفس هو تربية للمسلمين، محذراً من الرضا بالمعائب لأنها عار عظيم يورث المحبوب المذلة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإلبيري رحمه الله تعالى في منظومته التائية: قال رحمه الله: «أبا بكر كشفت أقل عيبي وأكثره ومعظمه سترت». كما تقدم أن أبا بكر هو هذا الشاب الذي أنشأ الإلبيري من أجله هذه المنظومة، هذه المنظومة وهذه القصيدة العظيمة الجليلة نصحاً له وتحذيراً وتوجيهاً له إلى الاستقامة والسداد ولزوم الطاعة. ومن السياق ها هنا يُعلم أن أبا بكر تكلم في بعض معائب أبي إسحاق، وهذا يدل عليه هذا البيت. صح أن هذا أبا بكر تكلم في بعض معائب وبعض كذلك عيوب أبي إسحاق رحمه الله، وانتقده في أشياء وتجرأ هذا الشاب في بعض الأمور، فيقول له أبو إسحاق: «أبا بكر كشفت أقل عيبي»، يعني الكلام الذي ذكرته والذي قلته فيّ هو في الحقيقة كشف لأقل عيبي، فما ستره الله عز وجل أكثر وأكثر، فأنت ما ذكرت إلا القليل من العيوب، ولذلك قال له: «وأكثره ومعظمه سترت» لم تذكره، وذلك لعدم علمك به. وكما قال بعض السلف: «لولا ستر الله علينا لفتضحنا». تصور لو أنك كل ذنب وكل عيب عملته ظهر للعباد، ظهر للعباد، كيف سيكون حالك وكيف سيكون نظر الناس إليك؟ فلا شك أن الناس لم يطلعوا إلا على القليل من عيوبنا، وإلا فعيوبنا كثير، ولولا ستر الله عز وجل لنا لفتضحنا. وكما قال الآخر: «لو كانت للذنوب رائحة لم يستطع أن يجالسنا أحد». لو أن كل ما ذنبت ذنباً وأخطأت خطأً شاحت منك رائحة كرهة، تصور هذا، من سيجالسك؟ ما أحد سيجالسك. ما أكثر تقصير العباد وما أكثر تفريط العباد، فستر الله عز وجل عظيم، ولذلك حث الشرع على الستر: «من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة»، لأن ستر المؤمن سبب لرجوعه وصلاحه، إلا إذا كان بالكتمان عليه سيزداد، فهنا ذكر العلماء أنه يفشى سره، يفشى سره. فكما ذكر رحمه الله أن هذا الشاب ما ذكر إلا أقل عيبه، وإلا فكثير من عيوبه وأخطائه لم يذكرها. ثم قال: «قُلْ مَا شِئْتَ مَا شِئْتَ فِيَّ مِنَ الْمَخَازِي وَضَاعِفْهَا وَضَاعِفْهَا فَإِنَّكَ قَدْ صَدَقْتَ». «قُلْ مَا شِئْتَ فِيَّ مِنَ الْمَخَازِي» يعني من العيوب والأخطاء ما تريد أن تقوله، «وَضَاعِفْهَا» يعني زد عليه، وزد، وزد، ضاعف ما ذكرت من أخطاء وعيوب، «فَإِنَّكَ قَدْ صَدَقْتَ»، «فَإِنَّكَ قَدْ صَدَقْتَ». ولا شك أن الناظم يقول ذلك هضماً لنفسه، شأنه شأن الصالحين، فإنه كما تقدم أهل الصلاح والخير يعملون الصالحات ويحسنون العمل، ومع هذا يخافون على أنفسهم من التفريط والتقصير، فلا شك أن المؤلف قال ذلك ليس على سبيل الحقيقة وإنما على سبيل الهضم للنفس، أي أن عيوبنا كثيرة ومهما قلت من عيوب فهي لا تعد شيئاً، وكل واحد أعلم بنفسه، وكل واحد أعلم بنفسه. «فَقُلْ مَا شِئْتَ فِيَّ مِنَ الْمَخَازِي» يعني من المعائب والأخطاء، «وَضَاعِفْهَا فَإِنَّكَ قَدْ صَدَقْتَ»، وهذا كما تقدم من باب هضم النفس. ثم قال له: «وَمَهْمَا عِبْتَنِي فَلْفَرْطِ عِلْمِي بِبَاطِنَتِي كَأَنَّكَ قَدْ مَدَحْتِ». ببعض النسخ «بباطنته»، عندكم «بباطنه»، صح؟ كأن صوابه والله أعلم «بباطنتي» بهذا يستقيم المعنى: «بباطنتي كأنك قد مدحت». فيقول له: مهما عبتني فلفرط علمي، ومعنى فرط علمي يعني شدة علمي، لفرط علمي يعني لشدة علمي، فهو أعلم بنفسه من غيره، كل إنسان أعلم بنفسه من غيره، أعلم بنفسه من غيره. ويقول له: «وَمَهْمَا عِبْتَنِي فَلْشِدَّةِ عِلْمِي بِبَاطِنَتِي»، أنا أعلم بما في باطني، «كَأَنَّكَ قَدْ مَدَحْتِ». والمعنى: أنا أعلم بما في نفسي من تفريط وتقصير، والأمور التي أعلمها من سر وباطني، ويريد بهذا أن ما قاله هذا المنتقد وهذا العائب في الحقيقة كأنه يمدحني لا يعيبني، وإنما كأنه يمدحني، لماذا؟ لأن ما ذكره ما هو إلا كما يقال فيض من غيره، فيض من غيره، وإلا فأخطائي وما أعلمه من نفسي من تقصير وتفريط كثير وكثير، فكأنك ما قلت شيئاً أو كأنك قلت شيئاً قليلاً. وهذا فيه درس لنا جميعاً أنه ينبغي علينا أن ننظر في تقصيرنا وتفريطنا، فكم فرطنا في جنب الله، وكم ضيعنا، وكم عصينا، وكم أذنبنا. فينظر الإنسان في نفسه، ينظر الإنسان في نفسه، ويصلح من نفسه، ولا يكون همه فقط أخطاء غيره. بعض الناس ربما شغله الشاغل وهمه الأكبر أن يتتبع أخطاء غيره ويغض الطرف عن أخطائه وعن ذنوبه وتقصيره، فينسى نفسه، ينسى نفسه. تجد بعض الناس ربما أضاع الصلاة ويأتي وينتقد فلان: فيه وفيه، فلان فعل وفعل، لماذا لا تصلح نفسك وأصلحت نفسك؟ وليس معنى هذا عدم الجرح إذا كان الجارح أهلاً لذلك، أو إذا كان الجارح أراد قصداً عظيماً من نصرة الدين وبيان كذب الكاذبين وتدليس المدلسين ونحو ذلك، ولكن المعنى أنك إذا أردت أن تنتقد غيرك فانظر في نفسك، أصلح نفسك أولاً، ابدأ بها: «يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم، تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى كيف يصح به وأنت سقيم، ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم». ابدأ أولاً بنفسك قبل أن تبدأ بالآخرين، وعالج أخطائك قبل أن تعالج أخطاء الآخرين، فيهتم الإنسان بنفسه قبل غيره، يهتم الإنسان بنفسه قبل غيره. ثم قال: وهذا عليه السلف الصالح، كانوا يخافون على أنفسهم ويرجعون إلى أنفسهم بالتقصير والتفريط. جاء عن عبد الله بن أبي مليكة ذلكم التابعي الجليل أنه قال: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخشون على أنفسهم من النفاق». أنظر، يعالجون أنفسهم، يخافون على أنفسهم من النفاق، ما يأمنون ولا يهَنَأون بما عملوا من أعمال، وهم صحابة، وهم صحابة، ربما من أهل بدر أو من أهل بيعة الرضوان أو نحو ذلك، ومع هذا يخافون على أنفسهم النفاق. وانظر إلى عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله الذي فرق الله به بين الحق والباطل وسُمي الفاروق أو لُقب الفاروق، والذي شهد المشاهد وجاهد مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، يأتي إلى حذيفة حافظ سر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويقول: «يا حذيفة، أسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين؟» سبحان الله، هذا عمر، فهل أحد منا شعر بهذا وسأل نفسه: أهو من الصادقين أو من الكاذبين؟ أهو من المؤمنين أو من المنافقين؟ ربما يغتر أحدنا بحفظه لشيء من القرآن أو السنة، أو باستقامته، أو بطلبه للعلم، أو بمحافظته على الصلاة، أو نحو ذلك، ويرى لا أحد مثله، هذا من الأخطاء التي ينبغي أن يعالجها كل مسلم، وعلى وجه الخصوص طالب العلم، يربي نفسه ويهذب نفسه. فهذا صراحة ما ذكره الناظم فيه تربية لنا جميعاً، انظر ماذا يقول وهو يعترف ويقر بأنه لا يخلو من الذنوب، من الذنوب والمعاصي، فيقول لهذا المنتقد: «وَمَهْمَا عِبْتَنِي فَلْفَرْطِ عِلْمِي لِشِدَّةِ عِلْمِي بِبَاطِنَتِي كَأَنَّكَ قَدْ مَدَحْتِ»، هذا الذي ذكرت من العيوب في الحقيقة هو مدح لأنني أعلم من نفسي ما لا تعلمه، فأنا المقصر وأنا المفرط، وهذا غاية التواضع وفي هضم النفس ونحو ذلك، وهو تربية لنا جميعاً. ثم قال: «فَلَا تَرْضَى الْمَعَائِبَ فَهُوَ عَارٌ عَظِيمٌ يُورِثُ الْمَحْبُوبَ م