الدرس في شرح منظومة الألبيري 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوجه الناظم نصيحة بالإعراض عن الجاهلين وقول «سلام» دون مجاراتهم في السباب اقتداءً بصفات عباد الرحمن، ويحذر من الإقامة في بيئات يسودها الظلم والعدوان لأنها تميت القلب وتجر إلى التشبه بأهلها، مؤكداً وجوب الهجرة والسفر إلى حيث توجد الصحبة الصالحة والبيئة المعينة على الطاعة، فالأرض إنما تُقدس بصلاح أهلها، والزهد الحق ليس خموداً بل سعياً للخير.
يشرح المقطع أن الزهد ليس ترك الأسباب والكسل (الخمول)، بل هو ترك ما لا حاجة للإنسان إليه من الدنيا مع الأخذ بالأسباب، مبيناً أن الزاهد قد يملك المال والبيت والسيارة لكن قلبه معلق بالله. ويؤكد أن الإمارة الحقيقية والمحبة في قلوب الناس تنال بالزهد والورع لا بطلب الجاه والمال، مستشهداً بقصة عبد الله بن المبارك وأم هارون الرشيد.
يختم الشارح المنظومة بتحذير من إعطاء الدنيا أكبر من قدرها لأن من أكرمها أهان نفسه، ويبين أن عدد أبياتها مئة وخمسة عشر بيتاً، ثم يدعو بالنفع والمغفرة للناظم والمنصوح وجميع المسلمين.
يحث المتحدث طالب العلم على مراجعة النصائح والتوجيهات بين الفترة والأخرى لأنها تشحذ همته وتذكره بالقيم العظيمة. ويختتم بالتأكيد على انتهاء النظم المذكور.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، قال الألبيري رحمه الله تعالى في منظومته التائية، وهو يقدم النصائح ويقدم الدرر وكذلك التوجيه لهذا الشاب: قال: «وإن جهلوا عليك فقل سلام، لعلك سوف تسلم إن فعلت». بعدما حذره من مجالسة ومخالطة ألف الساق والأشرار، وبين له أنه إذا اضطر إلى ذلك فليخالطهم بحذر، وربما في مجالسته هذه التي اضطر إليها يتعرض لشيء من الجهل أو السب أو الجهالة أو نحو ذلك، فقال له: «وإن جهلوا عليك فقل سلام». يعني: إذا خاطبك الجهال بسب وشتم وجهالة، فلا ترد بالمثل، لا ترد بالمثل، فلا تجعل السب بالسب والشتم بالشتم، وإنما أعرض عن الجاهلين. وهذه من صفات عباد الله الذين يمشون على الأرض هونًا، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. قالوا: «سلامًا»، يعني: يحلمون، وكذلك يسكتون، ولا يردون السيئة بالسيئة. فلا تسلم في مجالس هؤلاء من الجهالة والسب والشتم، فقل: سلام، أي: أعرض عنهم، قل: سلام، يعني: فارق المجلس، وقل: السلام عليكم. هذا معنى «قل سلام». لا تجلس في المجلس وتتشاتم معهم وتتخاصم معهم. فإن فعلت ذلك، قال: «لعلك سوف تسلم». وإن فعلت، يعني: بإعراضك عن الجاهلين وقولك: سلام، ولا تحرص على المصادمة معهم، إن فعلت ذلك لعلك تسلم. ولا ربما تقول: سلام، وهم لا يزالون يتابعونك ولا يزالون يلاحقونك، ربما ما تسلم حتى لو قلت لهم: سلام، لكن الغالب أنك بإذن الله تسلم. ولذلك قال: «لعلك سوف تسلم إن فعلت ذلك»، ولم ترد السيئة بالسيئة والمثل بالمثل. ثم قال له: «ومن لك بالسلامة في زمان تنال العصم إلا إن عصمت». يعني: كيف تنال العصم؟ يعني: السلامة. العصم هنا بمعنى السلامة والعافية من الشر والأشرار. كيف تنال العصم إلا إن عصمت؟ أي: إن عصمك الله ووفقك الله ووقاك، ونجاك الله من ذلك. هذا يقوله الناظم في زمانه، زمن العلم وزمن كذلك العلماء وطلاب العلم، فكيف بزماننا اليوم؟ نسأل الله السلامة والعافية. فإذا أخذ بهذه النصائح وسأل من ربه السلامة والعافية، فلعلك بذلك تنال العصم من الله سبحانه وتعالى. ثم قال له: «ولا تلبث بحي فيه ضيم يميت القلب إلا إن كبلت». يميت عندكم... يميت... نعم، ما شيء بعد المين... فيها ما فيها. «ولا تلبث بحي فيه ضيم يميت القلب إلا إن كبلت». يعني يقول له: ومعنى «كبلت» يعني: اضطررت وعجزت. فيقول له في ذلك، فيقول له: إذا كان الحي الذي أنت فيه تعيش فيه، أو القرية أو البلد أو الحارة التي أنت تعيش فيها فيها ضيم، والضيم هو الظلم والعدوان، الظلم والعدوان، فإن ذلك يميت القلب، فلا تلبث فيه. ومعنى «يميت» والله أعلم هو بمعنى «يميت» لكن راعَ هنا الوزن، وزن البيت، فيريد أن جلوسك في حي أو في بلد أو في قرية أو في حارة فيها ظلم وعدوان، هذا سبب لموت القلب، فلا تأمن أن تكون مثلهم فتظلم كظلمهم وتتعدى كعدوانهم. فلذلك لا تلبث، يعني: لا تجلس في حي في بلد في قرية في حارة فيها ظلم وعدوان، إلا إذا كُبلت، يعني: إذا اضطررت، ما تستطيع أن تذهب مكانًا آخر، فالضرورات تبيح المحظورات. فلا تبقى في المنطقة هذه، استطعت المغادرة والانتقال إلى منطقة أخرى أو بلد آخر أو مكان آخر أو حي آخر أو حارة أخرى. وهذا فيه كما تقدم أن المؤمن يسعى للعيش في مجتمع صالح، في مجتمع صالح فيه أهل الخير وأهل التقى، فإن ذلك يعينه على الخير. حديث الرجل الذي قتل مئة نفس، لما جاء عند العالم وقال: هل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم قال له: إن بأرض كذا أناسًا أو أناسًا صالحين، فاعبد الله معهم. انظر: دله على بيئة صالحة، دله على بيئة صالحة. فالبيئة لها دور في نشاط المسلم. لما تعيش بين طلاب العلم تجد المجتهد، تجد العابد، تجد الزاهد، تجد الخاشع، تجد الحافظ، تتأثر بهذا. ومن طبيعة النفس أنها تتأثر بمن حولها، تتأثر بمن حولها. فإن كنت تعيش بين الأغنياء فإنك تود أن تكون مثلهم وتتأثر بأعمالهم وأفعالهم حتى تبلغ مبلغهم. وإن كنت تعيش بين الفقراء فأنت تقنع بما أنت فيه. وإن كنت تعيش بين كذلك طلاب العلم فإنك تسعى أن تكون مثلهم. وهكذا. إن كنت تعيش في بلد أهل فساد وشر وتخزين قات وغناء، فإنهم يؤثرون عليك ولا محالة. فإذن البيئة لها دور. «فاعبد الله معهم». إن في بلد كذا أناسًا أناسًا صالحين، فاعبد الله معهم. استدل العلماء بهذا الحديث على أن البيئة لها دور في صلاح العبد وفي نشاط العبد. ولذلك حث الشرع على مصاحبة الأخيار، وكما قال القائل: «عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه، فكل قرين بالمقارن يقتدي». كل قرين بالمقارن، يعني: بالصديق والصاحب يقتدي، فيأخذ من أخلاقه ويأخذ من طباعه ويأخذ من أفعاله وأعماله. فإذن صدق المؤلف رحمه الله والناظم رحمه الله إذ يحث على العيش في مكان ليس فيه ظلم ولا فيه شر ولا فيه فساد، فإن المؤمن ربما يتأثر بذلك. ثم قال له: «وغرب فالتغرب فيه خير، وشرق إن بريقك قد شرقت». يعني: لا تتمسك بالبلد الذي أنت فيها ولو كان فيها ظلم، بل ينبغي عليك أن تسافر وتهاجر. فهذا معنى قوله: «وغرب»، يعني: تخير من الجهة ما شئت في سفرك، سواء جهة الغرب أو جهة الشرق. فالأمكنة التي تجد فيها الأخيار وأهل الفضل والنبل ومن يعينونك على الخير ويوازرونك عليه، فاقصد هذا المكان، سواء كان في الشرق أو في الغرب أو في أي جهة كانت. المكان الذي تجد راحة فيه وطمأنينة وعبادة وكذلك إقبالًا على الله عز وجل، فاختر هذا المكان مهما بعد، ومهما كذلك كان بعيدا من بلدك أو من موطنك أو نحو ذلك. فإن الأرض لا تقدس بذاتها، وإنما بما فيها من الخير والصلاح. ثم قال له: «فليس الزهد في الدنيا خمولا». لأنتبه الأمير إذا زهد... حثوا هنا على الزهد في الدنيا ورغب في الزهد، وبين له معنى الزهد، فإن الناس قد ضلوا في فهم معنى الزهد، فظن بعض الناس أن الزهد هو الخمول، ومعنى الخمول يعني: ترك الأسباب والسعي والعمل. فبعض الناس يظن أن هذا هو حقيقة الزهد. فهنا المؤلف يقول: «فليس الزهد في الدنيا خمولا». ليس هذا هو مفهوم الزهد الحقيقي، أنك تكون خاملًا في هذه الدنيا وتكون تاركًا للأسباب، سوى كان أسباب الرزق أو أسباب الدنيا أو أسباب كذلك العلم أو الهداية أو العبادة أو نحو ذلك. ليس الزهد في الدنيا خمولا. إذن ما هو الزهد؟ الزهد قيل في تعريفه: هو ترك ما لا يحتاج إليه من الدنيا. ترك ما لا يحتاج إليه من الدنيا، هذا هو الزهد. فإذا رزقت بمال وعرض عليك عمل يزداد فيه مالك وأنت لست بحاجة إلى هذا المال، فالزهد أن تترك هذا العمل. الزهد أن تترك هذا العمل. ترك ما لا يحتاج إليه من الدنيا. معك سيارة، فالزهد ألا تشتري سيارة أخرى. فهمتم؟ عندك ثياب ما شاء الله نظيفة وطيبة، الزهد ألا تسرف في شراء ثياب كل شهر أو كل شهرين، وقس على هذا. ليس معنى الزهد ألا يكون معك بيت طيب أو سيارة جميلة واسعة فارهة. ليس معنى الزهد ألا يكون لباسك حسنا وثوبك حسن. فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله جميل يحب الجمال». لذاك الرجل الذي قال له لما قال: «نصر الله سلم الكبر... بطر الحق». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». فقال الرجل: يا رسول الله، إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا وأن يكون نعله حسنا. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس». هذا هو الكبر. فليس من الكبر، وليس من الزهد، أن يكون ثوبك مرقعًا وأنت تستطيع تلبس الثوب الحسن. وليس من الزهد أن يكون نعلك كذلك ممزقًا ورديئًا وخفيفًا وأنت تستطيع أن تشتري النعل الحسن. هذا ليس من الزهد. فلا يمنع أن يكون الزاهد عنده سيارة، عنده بيت، عنده كذلك مال. لا، لا ينافي هذا. وإنما الذي ينافي الزهد أن يكون العبد متعلقًا بهذه الدنيا وطالبًا للمزيد منها وهو في غنى عن ذلك وليس بحاجة إليه. هذا هو عدم الزهد. أما الزهد فهو أن يكون قلبك معلقًا بالله وما عند الله، وتكون الدنيا في يدك لا مشغولا بها، وإنما تسخرها فيما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى. «فليس الزهد في الدنيا خمولا»، يعني: الكسل والبطالة والانقطاع عن المصالح واتخاذ الأسباب. لا، ليس هذا الزهد. ثم قال: «لو لأنت بها الأمير إذا زهدت». يعني: الإمارة الحقيقية في الزهد، الإمارة الحقيقية إنما هي في الزهد، لا في طلب الوجاهة في الدنيا. ليست هذه الإمارة الحقيقية. إذا كنت زاهدا فأنت بها الأمير. هذه هي الإمارة الحقيقية حقا وصدقا. وذلك لأن الله سبحانه وتعالى يجعل لك المكانة والمنزلة والمحبة في قلوب الناس إذا علم الناس زهدك وورعك وعدم تطلعك لما في أيدي الناس، فإن الناس يحبونك. قيل للحسن البصري: لماذا يحبك الناس؟ كل الناس كانوا يحبون الحسن البصري، وما عنده مال، من العلماء المحدثين، ما عنده مال. فماذا أجاب عليهم؟ قال: لأنهم يحتاجون إلى علمي ولا أحتاج إلى دنياهم. ما يطلب الناس... الناس ينفرون إذا وجدوا الشخص يطلب منهم الدنيا ويحرجهم في طلب أموالهم، ينفرون منه، يعلمون أنه ليس صاحب دين، إنما صاحب دنيا، وليس زاهدا، فينفرون منه. فالحسن البصري يقول: لماذا يحبك الناس؟ قال: لأنهم يحتاجون إلى علمي ولا أحتاج إلى دنياهم. نعم، هم يحتاجون إليه وهو لا يحتاج إليهم، وهو لا يحتاج إليهم. هذا الذي يحبه الناس. كما قال الله عز وجل في مؤمن بني إسرائيل... ماذا؟ مؤمن ياسين، ماذا قال لقومه؟ ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾. أهل الحق لا يسألون الناس أجرا، لا يطلبون من الناس مالا ولا انتخابا ولا حطاما من حطام هذه الدنيا. فلذلك أحبهم الناس. انظر الآن إلى الدعوات تتهافت وتتساقط الدعوات الحزبية، لماذا؟ لأنها قائمة على مصالح الدنيا. ذاك يريد انتخاب، وذاك يريد مالا يجمعه لجمعيته ولحزبه. وأما أهل السنة فدعوتهم محبوبة، لماذا؟ لأنهم ما يطلبون من الناس شيئا، وإنما الناس يحتاجون إليهم، يحتاجون إلى الخطيب منهم، ويحتاجون إلى الإيمان منهم، ويحتاجون إلى الداعية منهم. فلذلك أحب الناس دعوة أهل السنة لأنها دعوة طاهرة نقية زاهدة، تعلق أتباعها بالله عز وجل لا بحطام هذه الدنيا. فهذا هي حقيقة الزهد. هذه هي حقيقة الزهد. وإن أنت قرأت في سير السلف لرأيت بعض العلماء الأتقياء الزهاد من أهل الأموال ومن أهل الإمارة، ومع هذا وصفوا بالزهد، كعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وغيره من الأمراء. ثم قال له: «فإن فارقتها وخرجت منها إلى دار السلام فقد سلمت». هذا ما قرأنا. نعم، أحسنت. قال: «ولو فوق الأمير تكون فيها سموا وارتفاعا كنت أنت». يعني: الإمارة الحقيقية إنما هي في الزهد. قال له: «ولو فوق الأمير تكون فيها سموا وارتفاعا كنت أنت». يعني: لو أحد يكون فوق الأمراء، أمراء الدنيا، وأعلى منهم منزلة، لكان ذلك من الزهد، لكان ذلك الزهد. وهذا كلام يدل عليه الواقع، يدل عليه الواقع. فأهل الزهد هم المحبوبون، وهم ربما يجتمع لهم الناس أكثر من اجتماع الناس للأمراء. ودائما نذكر أثر أم لهارون الرشيد، لما جاء عبد الله بن المبارك إلى أرض الخلافة، انجفل الناس خلفه، ذهب الناس خلف بن المبارك بشكل ملفت، كل الناس جروا خلفه. فأطلت أم لهارون الرشيد، فقالت: ما هذا؟ قالوا: هذا عالم من علماء خراسان، وفد إلينا. قالت: والله هذا هو الملك، لا ملك هارون الذي يجمع الناس بالقوة والشرط. يعني: الناس اجتمعون للأمراء بقوة السلطان، أتيت وإلا نفعل بك ونفعل. لكن هذا العالم، ما الذي جعل الناس يجرون خلفه؟ هل معه شي جنود؟ معه شي سلطان وقوة أجبر الناس على متابعته والجرى خلفه؟ ما معه شي. إذن ما الذي أهوى بقلوب الناس إلى هذا العالم؟ علمه وزهده في هذه الدنيا. فإذن هو في الحقيقة فوق الأمير. فصدق النظم إذ يقول: «ولو فوق الأمير تكون فيها سموا وارتفاعا كنت أنت»، أيها الزاهد، فأنت أرفع سموا وارتفاعا من الأمير. ثم قال له: «فإن فارقتها وخرجت منها إلى دار السلام فقد سلمت». يعني: يحثه على أن يجعل همته الخروج من هذه الدنيا بالسلام والعافية، أن يخرج من هذه الدنيا وهو سالم. فقوله: «فارقتها» يعني: هذه الدنيا، «وخرجت منها» يعني: هذه الدنيا، «إلى دار السلام» يعني: إلى الجنة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾. سميت دار السلام لأنها سالمة من الآفات والنقائص والعيوب، فيسلم أهلها من كل ما ينغصهم. هذه الدنيا ليست بدار سلام، دار منغصات ومكدرات وابتلاءات. أما الجنة فليس فيها شيء من التنغيص، فهي دار سالمة من جميع العيوب. فمن فارقها وخرج من هذه الدنيا إلى دار السلام فقد سلم، وهذا هو الفوز العظيم. ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. ثم قال له: «وإن أكرمتها ونظرت فيها لإكرام فنفسك قد أهنت». يقول له: إن شغلت بهذه الدنيا وسيطرت عليك، فإنك في هذه الحالة قد أهنت نفسك. ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾. فمن يعطي الدنيا أكثر من حجمها، فتجده مشغولا بها ليل نهار، ولا يفكر إلا في الدنيا، ولا يلقي بالا لآخرته، مضيعا للصلوات... من... من... من... في الشهوات، مت... للملذات. فهذا في الحقيقة قد أعطى الدنيا أكبر من حجمها، وأكرم الدنيا، وأهان نفسه. وتجد أهل الدنيا في ذل وهوان. تجد واحدا ربما يذل نفسه لبشر لأنه يريد حطاما من حطام هذه الدنيا، أو يجلس من الصباح إلى آخر الليل حرصا على جمع هذه الدنيا، منشغل بهذه الدنيا. هذا أكرم الدنيا ونظر فيها نظرة إكرام، وهي لا تستحق ذلك. هي ما تسوى عند الله جناح بعوضة. ما تسوى جناح بعوضة، يعني: جناح البعوضة أحسن منها، ما تساويه. هذا معنى: ما تسوى عند الله جناح بعوضة. إيش هذا؟ جناح البعوضة شيء حقير، شيء يعني ربما لا يرى. فالدنيا لا تساوي هذا الجناح، هي أهبط وأنزل من هذا الجناح. فكيف أنت تكرمها وتعظمها وتحملها هما وشغلا وما يحتاج هذا كله؟ لا تكرمها، أعطها حجمها وقدرها، واجعلها في يديك لا في قلبك، ولا تسيطر عليك. وهذا كما تقدم شيء التنبيه على معنى الزهد، أن معنى الزهد ترك ما لا يحتاج إليه من أمور الدنيا، من أمور الدنيا، لا كما يظن. ثم ختم النظم هذا النظم بقوله: «جمعت لك النصائح فامتثلها حياتك فهي أفضل وامتثلت». يقول له: هذه المنظومة جمعت لك وصايا ثمينة ونصائح مهمة وعظيمة، فامتثلها حياتك، يعني: اعمل بها مدة حياتك، مدة حياتك، مدة بقائك في هذه الدنيا، امتثل واعمل بهذه النصائح، فهي أفضل ما امتثلت، أفضل من أن تمتثل أمرا آخر غير ما ورد في هذه المنظومة. وهو بهذا الكلام لا يثني على نفسه أو على نظمه أو على جمعه، ليس هذا هو المراد، وإنما يريد أن يؤكد للمنصوح أن يهتم بهذه المنظومة وبهذا الكلام، لأنه اجتهد الناظم في جمعها وفي إسدائها. وهذا مثل ما تقول لشخص بعدما تكلمه وتنصحه، فتقول له: اسمع الكلام، هذه نصائح طيبة وقدمها لك. ليس معنى أنه يمدح نفسه، وإنما يحث المنصوح على ماذا؟ على الاهتمام، الاهتمام بهذه النصائح، الاهتمام بهذه النصائح. ثم قال له: «وطولت العتاب وزدت فيه لأنك في البطالة قد أطلت». البطالة هي التقصير والتفريط، هذا معنى البطالة. فالبطالة بمعنى التقصير وعدم أخذ النفس مأخذ الحزم والجد والعزم. فلأجل ذلك أطال الناظم في الكلام، وهذا من حسن التودد وجميل الخطاب. إنسان رأيت منه انحرافا شديدا وكذلك بعدا عن الحق وأهله، فلا شك أنك تنصحه نصائح مطولة ومكررة حتى يستفيد ويترك ما هو عليه. فهذا كما تقدم من جميل الخطاب، من جميل الخطاب. فهذا مما يزيد في انشراح صدر المنصوح وإقباله على النصح الذي يقدم إليه. ثم قال له: «فلا يغررك تقصيري وسهوي وخذ بوصيتي لك إن رشدت». يعود الناظم في هذا البيت على نفسه برؤية التقصير والتفريط، وهذا تقدم معنا أن هذا شأن أهل الصلاح وأهل الصدق والإخلاص، أنهم ما يغترون باستقامتهم وطاعتهم وعبادتهم، بل يرون أنفسهم، يرون أنفسهم مقصرين مفرطين. يرحمك الله، فهو يقول له: لا يغررك تقصيري وسهوي، لا تقول: أنت تنصحني وعندك من التقصير وعندك من التفريط. وهذا ليس على حقيقته، وإنما يدل على تواضع الناظم، وكذلك يدل على هضم الناظم لنفسه، هضم الناظم لنفسه. «فلا يغررك تقصيري وسهوي وخذ بوصية لك إن رشدت»، يعني: خذ بهذه الوصية التي قلتها لك وجمعتها لك، ولا تلتفت إلى شيء آخر، إن رأيت مني تقصيرا أو تفريطا أو نحو ذلك. ثم قال: «وقد أردفتها تسعا حسانا وكانت قبل ذا وكانت قبل ذا مئة وستا». ذكر في هذا البيت عدد أبيات هذه المنظومة، وأن عددها مئة وخمسة عشر بيتا. مئة وخمسة عشر بيتا. فقوله: «وقد أردفتها تسعا حسانا» يعني: أتبعتها بتسع حسان، يعني: تسعة أبيات. «وكانت قبل ذا» يعني: قبل التسعة، مئة وستا. فمئة وستة زائدا تسعة كم يساوي؟ مئة وخمسة عشر. تسعة زائد ستة يساوي خمسة عشر. فيريد بهذا ذكر عدد أبيات هذه المنظومة، وأنها مئة وخمسة عشر بيتا. مئة وخمسة عشر بيتا. ثم ختم رحمه الله بالصلاة والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام والصحب والآل. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر للناظم وللمنصوح ذلكم الشاب، إذ كان سببا في نظم هذه المنظومة، فاستفدنا منها جميعا. فندعو للجميع بالمغفرة، أن يغفر للناظم والمنصوح، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ومعلمينا ولجميع المسلمين. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذا النظم، وأن يجعلنا كما قال الناظم رحمه الله تعالى في البيت المتقدم: «وخذ بوصية لك إن رشدت». فهذه وصايا عظيمة، أحث نفسي وإخواني بالأخذ منها. أي نعم. وصلي على تمام الرسل ربي وعترته وعترته وعترته الكريمة. ما ذكرت يعني العطرة، يعني: يريد بها الآل. نعم، يراد بها الآل. فهذا البيت فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والسلام، وعلى الصحب والآل. نعم. فإن شاء الله هذه المنظومة منظومة عظيمة، وجمعت وصايا نافعة وتوجيهات سديدة رشيدة. فيا حبذا لو طالب العلم يراجعها بين الفترة والأخرى، فإنها تشحذ همته وتذكره في هذا النصح وهذه التوجيهات العظيمة. طيب. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا النظم.