شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد 11

الدرس في شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد 11، ألقاها

أقسام الناس في تأويل الأحاديث التي تنفي الإيمان

ذكر أبو عبيد أربعة أنواع من التأويل للأحاديث التي تنفي الإيمان وانتقدها لما فيها من الخلل. يرفض أبو عبيد التأويلات التي تؤول الأحاديث على أنها كفر نعمة أو تغليظ وترهيب أو كفر الردة.

الرد على الخوارج وتفاوت الإيمان

يناقش المقطع مذهب الخوارج في تكفير مرتكبي الكبائر والمعاصي ويرد عليه بالدليل من القرآن والسنة. يشرح أبو عبيد كيف أن الإيمان يزيد وينقص وأن العاصي لا يخرج عن الإيمان بالكلية.

تفاوت المؤمنين في الإيمان ونفيه عن العاصي

المؤمنون متفاوتون في إيمانهم، فمنهم من يعتبر مؤمنا باعتبار أصل الإيمان، ومنهم من يعتبر مؤمنا باعتبار كمال الإيمان. يدل هذا التفاوت على أن الإيمان ليس على درجة واحدة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى: فهذه أربعة أنواع من الحديث قد كان الناس فيها على أربعة أصناف من التأويل، فطائفة تذهب إلى كفر النعمة، وثانية تحملها على التغليظ والترهيب، وثالثة تجعلها كفر أهل الردة، ورابعة تذهبها كلها وتردها. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: «فهذه أربعة أنواع من الحديث» أي تقدم ذكرها، تارة ينفى الإيمان، وتارة يتبرأ من فاعل ذلك الفعل، وتارة يوصف بالكفر، وتارة بالشرك، فالناس في تلك الأحاديث على أربعة أصناف أي في تأويلها. فطائفة تذهب إلى كفر النعمة، أي كل ما جاء في الباب يقولون: هذا الباب كفر النعمة، والثاني يقول: تحملها على التغليظ والترهيب، أي أنها على سبيل التغليظ والترهيب، أي لا حقيقة لها، وإنما هو زجر مثل الوالد الذي يقول لولده: إن لم تفعل كذا سأفعل بك كذا وكذا، وما سيفعل، ولكن باب الزجر والتخويف والردع. ويقول: وثالثة تجعلها كفر أهل الردة، أي أن تلك الأحاديث وتلك الأدلة من وقع في تلك الأفعال فهو كافر مرتد، لا يزني الزاني حين يزني -قالوا- أي كافر، وواضحة جماعة، وبقية الأدلة كذلك. والرابعة ذهبت إلى أنها كلها ليست بمقبولة، لماذا؟ لأنها منافية في عقولهم لما اعتقدوه وجزموا به من أن المعاصي لا تكون سببًا لكفر صاحبها، فماذا إذن؟ قالوا: الأحاديث كلها مردودة، وواضحة جماعة، فهم أربع طوائف. وسأتي معنا في كلام أبي عبيد رحمه الله تعالى أن هذه أقوى كلها، أي ليست بصحيحة ولا مقبولة. قال رحمه الله: فكل هذه الوجوه عندنا مردودة غير مقبولة لما يدخلها من الخلل والفساد، والذي يرد المذهب الأول ما نعرفه من كلام العرب ولغاتها، وذلك أنهم لا يعرفون كفران النعم إلا بالجحد لإنعام الله وآلائه، وهو كالمخبر على نفسه بالعدم، وقد وهب الله له الثروة، أو بالسقم، وقد من الله عليه بالسلامة، وكذلك ما يكون من كتمان المحاسن ونشر المصائب، فهذا الذي تسميه العرب كفرانًا، إن كان ذلك فيما بينهم وبين الله، أو كان من بعضهم لبعض إذا تناكروا اصطناع المعروف عندهم وتجاحدوه. يعني الآن الطائفة الأولى يقول: مثلًا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»، يقولوا: هذا باب كفر نعمة، هل له باب مدخل في هذا الباب؟ الجواب: لا. قالوا: سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، يقولوا: كفر النعمة، هل له مدخل في هذا الباب؟ يقول: ليس له مدخل في هذا الباب، لأن معنى كفر النعمة جاحد نعمة من أنعم عليك، جاحد نعمة من أنعم عليك، هي يسمى كفر النعمة، أما في الحديث المذكور من أي باب؟ الجاحد ليس فيها جاحد، ولكن فيها الذنوب وقعت من أصحابها، فاستحقوا تلك الأحكام وتلك الأوصاف، وهذا حاجة ما عمله. فالقول الأول ليس بصواب لما تقدم. قال رحمه الله: ينبئك عن ذلك مقالة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء: «إن كنا تكثرنا اللعن وتكفرنا العشير»، يعني الزوج، وذلك أن تغضب إحدىكن فتقول: ما رأيت منك خيرًا قط، فهذا ما في كفر النعمة، أي أن هذا الحديث «وتكفرنا العشير»، ومن كفر النعمة، لكن وقتاله كفر، من كفر النعمة؟ الجواب: لا، واضح. إذن التأويل الأول ليس بصحيح لما تقدم ذكره. قال رحمه الله: أما القول الثاني المحمول على التغليظ فمن أفضع ما تأول على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن جعلوا الخبر عن الله وعن دينه وعيدًا لا حقيقة له، وهذا يقول إلى إبطال العقاب، لأنه إن أمكن ذلك في واحد منها كان ممكنًا في العقوبات كلها. وهذا كما تقدم، هذا كقول الرجل لولده: إذا فعلت كذا سأحرقك بالنار، سأحرقك بالنار، هو ما يريد يحرقه، لا يريد إيش؟ يخوفه، واضح. إن فعلت كذا سأعمل بك كذا وكذا على سبيل التهديد والزجر، يقول: إذا كان كلام الله أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك، فهو في الحقيقة معناه إيش؟ أنه لا حقيقة له. قال رحمه الله: أما الثالث الذي بلغ كفر الردة نفسها، يعني ويقول إلى إبطال العقاب، معنى أن من وقع في هذه الأمور لا يعاقب، من زنى لا يعاقب، من سرق لا يعاقب، من شرب الخمر لا يعاقب، من قتل المسلم بغير حق لا يعاقب، لأن ذاك إنما هو على سبيل الزجر والتغليظ لا حقيقة له، واضح جماعة، منه ولازمه إيش؟ باطل، ولازم الباطل إيش؟ باطل. قال رحمه الله: وأما الثالث الذي بلغ كفر الردة نفسها فهو شر من الذي قبله، لأنه مذهب الخوارج الذين مرقوا من الدين بالتأويل، فكفروا الناس بصغار الذنوب وكبارها، وقد علمت ما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المروق، وما أذن فيهم من سفك دمائهم. يعني أولًا القول الثالث نعلم أنه ماذا؟ أنه شر من الذي قبله، لأنه معتقد من؟ معتقد الفرقة المارقة عن دين الإسلام الخوارج. ثم نبه رحمه الله تعالى أو ذكر فائدة قل ما تذكر في مذهب الخوارج، وهي أن الخوارج المشهور عنهم أنهم يكفرون بكبائر الذنوب، ذكر هاهنا رحمه الله تعالى وكذلك بصغار الذنوب. وقد ذكر بعض الأئمة رحمهم الله تعالى أن هذا مذهب طائفة من الخوارج أنهم يكفرون بمطلق الذنوب، سواء كانت صغيرة أو كانت كبيرة، والمشهور من مذهبهم التكفير بالكبائر. قال رحمه الله: ثم قد وجدنا الله تبارك وتعالى يكذب مقالتهم، وذلك أنه حكم في السارق بقطع اليد، وفي الزاني والقاتل بالجلد، ولو كان الذنب يكفر صاحبه ما كان الحكم على هؤلاء إلا القتل، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه». وهذا رد واضح على الخوارج، إذ لو كان أرباب الذنوب يكفرون بارتكابهم لها، للزم أن تسقط عنهم الحدود الشرعية، فلا يجلد شارب الخمر والزاني البكر، ولا تقطع يد السارق، وهكذا قل في بقية الحدود، إذ يكون لازم من فعل شيئًا من ذلك أن يقتل، لماذا؟ لأنه يكون مرتدًا على قول الخوارج، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من بدل دينه فاقتلوه»، كما في صحيح مسلم، الحديث بن عباس، أو في صحيح البخاري. قال رحمه الله: أفلا ترى أنهم لو كانوا كفارًا لما كانت حقوباتهم القطع والجلد، وكذلك قول الله في من قتل مظلومًا: «فقد جعلنا لوليه سلطانًا»، فلو كان القتل كفرًا ما كان للولي عفو ولا أخذ دية، ولزمه القتل. قال رحمه الله: وأما القول الرابع الذي فيه تضعيف هذه الآثار فليس مذهب من يعتد بقوله، فلا يلتفت إليه، إنما هو احتجاج أهل الأهواء والبدع الذين قصر علمهم عن الاتساع، وعيت أذهانهم عن وجوهها، فلم يجدوا شيئًا نهوان عليهم من أن يقولوا: متناقضة، فأبطلها كلها. أي متناقضة أن أدلة ثبوت الإيمان لأصحاب المعاصي تنافي هذه الأدلة، فتدل على نفيها، إذا الأدلة متناقضة، فماذا يسقطون؟ الأدلة الأخرى، هؤلاء كما قال: أهل أهواء، أهل ضلال، أهل زيغ، والعياذ بالله، إذ أنهم يردون أحاديث متواترة متكاثرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وجاء في كتاب الله جل وعلا ما يدل عليه، بحجة أنها تناقض ما ثبت عندهم. قال رحمه الله: وإن الذي عندنا في هذا الباب كله أن الله... أي التأويل الصحيح، والذي عندنا أي التأويل الصحيح لما تقدم ذكره من الأدلة في هذا الباب. قال رحمه الله: وإن الذي عندنا في هذا الباب كله أن المعاصي والذنوب لا تزيل إيمانًا ولا توجب كفرًا، ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعت الله به أهله واشترطه عليهم في مواضع من كتابه. فقال: «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم لأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله... إلى قوله: التائبون العابدون الحامدون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين». وقال: «قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون... إلى قوله: والذين, على صلواتهم يحافظون، أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس، هم فيها خالدون». وقال: «إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقًا، لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم». قوله رحمه الله تعالى: وإن الذي عندنا في هذا الباب كله أن المعاصي والذنوب لا تزيل إيمانًا ولا توجب كفرًا، كما زعمت الخوارج، ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعت الله به أهله، واشترطه عليهم في مواضع من كتابه، خلافًا للمرجئة. فقول أهل السنة والجماعة قول بين قولين، بين قول الخوارج، بل بين قول الوعيدية وبين قول المرجئة. فهل السنة والجماعة يقولون بأن تلك الأحاديث فيها نفي الإيمان الذي يستحق صاحبه الثناء، أي نفي الإيمان المطلق، نفي كمال الإيمان، نفي الإيمان الذي أثنى الله جل وعلا على أصحابه، وأوجب لهم الجنة به، فنفى عنهم إيمانًا، وثبت لهم إيمانًا، نفى عنهم الإيمان الكامل، وثبت لهم أصل الإيمان. ما هو الثابت لهم من أصل الإيمان؟ كما في قول الله عز وجل: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا»، أثبت لهم الإيمان، هل مراد الإيمان الكامل الذي يستحق صاحبه الجنة؟ الجواب: لا. ومع هذا قال في الآية التي تليها: «إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم»، إنما المؤمنون، المؤمنون هاهنا ماذا؟ المراد بهم المقتتلين، أو المؤمنين، واضح. فأثبت لهم الإيمان في مواضع أخرى، نفي عنهم الإيمان بسبب ماذا؟ بسبب ما وقعوا منه، فنفي الإيمان، الإيمان الكامل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يشرب الخمر حين يشربه وهو مؤمن»، لكن قال في ذلك الرجل الذي كان يلقب حمار، اسمه عبد الله، كان يلقب حمارًا، وكان يشرب الخمر، فأتي به، فلما ضرب، فقال بعض الناس: لعنك الله، ما أكثر ما يؤذيك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا هكذا، لا تعينوا الشيطان على أخيكم، إنما هو يحب الله ورسوله»، أثبت له الإيمان. وفي الحديث: سبغ ماذا؟ نفى عن هذا الصنف إيمانًا، ما هو الإيمان الذي نفى عنهم؟ الكامل، الإيمان الذي يستحق صاحبه الثناء والمدح، وثبت له إيمان آخر، وهو ماذا؟ لا نقول: إيمان آخر، ولكن نقول: ثبت لهم الإيمان الذي هو بمعنى أصل الإيمان، الذي لا ينزع إلا بكفر وردة، والعياذ بالله. قال أبو عبيد: فهذه الآيات التي شرحت وأبانت شرائعه المفروضة على أهله، ونفت عنه المعاصي كلها، ثم فسرته السنة بالأحاديث التي فيها خلل الإيمان في الباب الذي فيه خلل الإيمان، التي فيها خلل الإيمان، يعني صفات الإيمان. قال: ثم فسرته السنة بالأحاديث التي فيها خلل الإيمان في الباب الذي في صدر هذا الكتاب، فلما خالطت هذه المعاصي هذا الإيمان الملتبس بغيرها، قيل: ليس هذا من الشرائط التي أخذها الله على المؤمنين، وللأمانات التي يعرف بها أنه الإيمان، نفت عنهم حينئذ حقيقته، ولم يزل عنهم اسمه. فينق: فإن قال قائل: كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمن، واسم الإيمان غير زائل عنه؟ فكيف؟ يعني الآن إشكال، إشكال قد يقول قائل: يقول: كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمن، أي كما صحت الأحاديث: «لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»، كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمن، ثم تقولون بأن اسم الإيمان غير زائل عنه؟ هذا القول لا يصدر إلا من ماذا؟ إلا من قد أشرب قلبه شيئًا من آراء أهل الأهواء، سواء كانوا المرجئة أو كانوا الوعيدية. لأن الإيمان عندهم لا يتجزأ ولا يتبعض، أما أهل السنة والجماعة لا يستشكلون هذا الأمر، لا يستشكلون هذا الأمر، يقول: هذا ممكن، لأن الإيمان عندهم يزيد وينقص. قال رحمه الله: قيل: هذا كلام العرب المستفيد عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله، يعني أن هذا الذي ذكرنا في أمر الإيمان هو المعلوم في لغة العرب، والقرآن إنما نزل بلسان العرب، ونبينا صلى الله عليه وسلم إنما تكلم بلسان العرب، وكان أفصحها صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: قيل: هذا كلام العرب المستفيد عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله، إذا كان عمله على غير حقيقته، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمحكم لعمله: ما صنعت شيئًا، ولا عملت عملًا، وإنما وقع معناها هاهنا على نفي التجويد، لا على الصنعة نفسها، فهو عندهم عامل بالإسم، وغير عامل في الإتقان. حتى تكلموا به فيما هو أكثر من هذا، واضح، هذا جماعة، هذا موجود أم لا؟ وهذا موجود إلى يومنا هذا، إذا بإنسان يصنع له شيئًا بأوصاف مخصوصة معينة، يأتي ويجد الشيء على غير ما أراد، غير متقن، أين الشيء؟ يقول: هذا ما عمل شيئًا، هل نفى العمل وهو يراه؟ الجواب: لا، لكن نفى ماذا؟ الإتقان والشيء المراد الذي يستحق عليه ماذا؟ الثناء والمدح. فهذا موجود فيما ذكره لغة العرب الذي نزل بها القرآن، وتكلم بها أفصح الخلق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله: حتى تكلموا به فيما هو أكثر من هذا، وذلك كرجل يعق أباه، ويبلغ منه الأذى، فيقال: ما هو بولد، وهم يعلمون أنه ابن صلبه، ثم يقال مثله في الأخ والزوجة والمملوك، وهذا أشد، لماذا؟ لأن قوله: ليس بولد، فيه معنى من معاني ماذا؟ الانتفاء. لكن العرب يتعاملون بهذا، وله معنى صحيح، هذا ليس بولدك، يراه يعق أباه، يقول: هذا ليس بولدك، ليس معنى أنك تنفي نسبه، ولكن تنفي ماذا؟ بره وطاعته لمن؟ لوالده. وكذلك يقول في ماذا؟ في الأخوة، وكذلك في الصحبة، يقول: هذا ما هو صاحب لك، هذا ما هو صديق لك، معنى يكون ماذا؟ يدخلون معًا ويخرجون معًا، لماذا؟ لأنه غير مخلص، غير صادق معك، غاش لك، واضح. فهذا من هذا الباب. قال رحمه الله: وإنما مذهبهم في هذا المزايلة الواجبة عليهم من الطاعة والبر، أنه زالت بزوال الطاعة والبر استحق هذا الاسم، لا أنه نفى أصل النسب عنه. قال رحمه الله: وأما النكاح والرق والأنساب فعلى ما كانت عليه أماكنها وأسماؤها، أي كذلك في أمر النكاح والرق والأنساب، وهي أشد. كأن يقول رجل لامرأته: ما أنت امرأتي، أو يقول لعبده: ما أنت عبدي، أو يقول كذلك في الأنساب، يقول الوالد لولده: ما أنت ولدي، ما أنت أخي، يريد به ماذا؟ ما أنت زوجتي المطيعة، ما أنت عبدي الوفي المطيع، ما أنت بولدي البار، ما أنت بأخي المعين الصادق الناصر، إلى غير ذلك. فنفى شيئًا وهو في الوقت نفسه ماذا؟ هناك شيء آخر ثابت باعتبار ماذا؟ باعتبار الأصل، واضحة. فالنكاح قائم، فهو يقول ماذا؟ «فأما النكاح والرق والأنساب فعلى ما كانت عليه أماكنها وأسماؤها»، لا يقال: بأنه قال: ما أنت زوجتي، أنت طالق، ما أنت عبدي، أي أنه صار ماذا؟ حرا، ما أنت وردي، أن يصير ماذا؟ يكون قد قذفها، تبرأ منها، لا، ولكن المراد ماذا؟ نفي ما يستحق الثناء والمدح والكمال، لا نفي الأصل، واضح، لا نفي الأصل. فهذا هو مراده. قال رحمه الله: فكذلك هذه الذنوب التي ينفى بها الإيمان، إنما أحبطت الحقائق منه، الشرائع التي هي من صفاته، فأما الأسماء فأما الأسماء فعلى ما كانت قبل ذلك، ولا يقال لهم إلا مؤمنون، وبه الحكم عليهم. أي يقال بأنهم مؤمنون باعتبار ماذا؟ باعتبار أصل الإيمان، وبه الحكم عليهم بأنهم إذا ماتوا ماتوا على الإيمان، وإذا بقوا بقوا على ماذا؟ على الإيمان، ولكن زال عنهم ماذا؟ الإيمان الذي يستحق صاحبه الثناء، مطلق الإيمان، أو قول الإيمان المطلق، زال عنهم ماذا؟ الإيمان مطلقًا، وإن بقي لهم مطلق الإيمان. أي زال عنهم مسمى الإيمان، وإن بقي لهم يعني ماذا؟ أصل الإيمان، فهم باعتبار مؤمنون، أي باعتبار أصل الإيمان، وليسوا بمؤمنين باعتبار آخر، أي باعتبار كمال الإيمان. نكتفي بهذا. إلهنا سبحانك الله وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على