الدرس في شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد 13، ألقاها
يناقش تفسير الإمام أبي عبيد للأحاديث التي قد توهم تكفير أو تشبيه بغير المسلمين، موضحًا أنها لا تعني نفي الأصل بل نفي الكمال أو التشبيه. يشرح أمثلة على ذلك مثل خضاب الكفار واستعمال العطر للمرأة والخصام بين الناس.
يشرح شروط الحكم بالكفر على المسلم، حيث يشترط يقين الحكم بالكفر، ولا يكفي مجرد الذكر أو الفعل. كما يوضح شروط تكفير المعين، بثبوت كفر الفعل أو القول أو الاعتقاد، وإقامة الحجة وانتفاء الموانع.
يتطلب تطبيق الحكم الشرعي ثبوت الحكم بكتاب الله أو السنة، وانطباقه على الفرد مع استيفاء الشروط وانتفاء الموانع. يوضح الأساس في تطبيق الأحكام الشرعية ووصف الأفراد بما يستحقون شرعاً.
بسم الله الرحمن الرحيم على الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى. ولقد رُوي في بعض الحديث أن السواد خضاب الكفار. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: «ولقد رُوي في بعض الحديث أن السواد خضاب الكفار»، الحديث كما ذكر العلامة الألباني رحمه الله تعالى أنه ضعيف، نقل عن الذهبي أنه منكر. وإرادة الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى لهذا الحديث هو ما تقدم معنا في الدرس الماضي من أن إطلاق اللفظ قد لا يراد به نفي الأصل والحقيقة، ولكن يراد به نفي الكمال، أو يراد به التشبيه، مثل أن يقول: من فعل كذا كفر، من فعل كذا فقد أشرك، أن المراد به أنه مشابه للكفار في ذلك الفعل، والمشركين في ذلك الفعل، لا أنه منهم حقيقة. فهل معناه أنه كافر؟ الجواب: لا، لكن من فعله فإنه تشبه بهم في هذه الخصلة، وفي هذا الفعل، فيكون فيه دلالة على تأثيم من فعل مثل هذا الفعل، لا أنه كافر بالله العظيم. واضح؟ قال رحمه الله: «فهل يكون لأحد أن يقول إنه يكفر من أجل الخضاب؟» وكذلك حديثه في المرأة إذا استعطرت ثم مرت بقوم يوجد ريحها أنها زانية، فهل يكون هذا على الزنا الذي تجب فيه الحدود؟ الجواب: لا، ولكن فعلها فعل الزواني، لا أنها زانية حقيقة، فتأثم لهذا الفعل الذي فيه مشابهة بالفاسقات، وليست هي تحمل هذا الوصف أو هذا الاسم حقيقة. قال رحمه الله: «ومثله قوله: المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان». وهذا كما ذكر الشيخ الألباني رواه البخاري في الأدب المفرد عن عياض بن حمار، وإسناده صحيح. قال: أفا يتهم عليه أنه أراد الشيطانين الذين هم أولاد إبليس؟ إنما هذا كله على ما أعلمتك من الأفعال والأخلاق والسنن. ومعنى هذا أن هذه الأفعال هي من أفعال الشيطان، لأن الشيطان من أخلاقه الطيش والغضب والشطط والظلم والجور. واضح؟ فمن حصل منه ذلك ففي مشابهة بالشيطان، لا أنه شيطان حقيقة. واضح؟ قال رحمه الله: «وكذلك كل ما كان فيه ذكر كفر أو شرك لأهل القبلة فهو عندنا على هذا، ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبه بالردة إلا كلمة الكفر خاصة دون غيرها، وبذلك جاءت الآثار مفسره». وقوله رحمه الله: «وكذلك كل ما كان فيه ذكر كفر أو شرك لأهل القبلة»، من هم أهل القبلة؟ المسلمون، إذا أطلق العلماء أهل القبلة فمرادهم أهل الإسلام لأن قبلتهم واحدة. قال: «فهو عندنا على هذا، ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبه بالردة إلا كلمة الكفر خاصة دون غيرها». ومعنى هذا أن من ثبت إيمانه وإسلامه بيقين فإنه لا يخرج إلا بيقين، لا يجال عنه الكفر إلا بيقين. وقوله رحمه الله تعالى: «إلا بكلمة الكفر»، أي إلا أن يقول كلمة الكفر. وهل مقصوده رحمه الله تعالى الحصر والقصر؟ بمعنى أن الإنسان لا يكفر إلا بأن يقول كلمة الكفر؟ فيكون الكفر قوليا فقط؟ الجواب: ليس كذلك. فالكفر كما مر معي في الكتاب نفسه أن الإيمان يكون بالقلب واللسان والجوارح، كذلك أضداده من الكفر ونواقضه يكون كذلك، بمعنى أنه قد يكفر الإنسان بكلمة يقولها بلسانه، كما قال الله جل وعلا عن أولئك الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا كلمة الكفر، قال الله جل وعلا: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. قال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية عن جعفر بن برقان عن ابن أبي نشبة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من أصل الإسلام: الكف عن من قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض من يوم بعثنا الله إلى أن يقاتل آخر أمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار كلها». إلى آخر ما ذكره رحمه الله. والحديث كما ذكر علام الألباني من طريق يزيد بن أبي نشبة وهو مجهول، فالحديث لا يصح. قال أبو عبيد: حدثنا ابن عباد عن الصلت بن دينار عن أبي عثمان النهدي قال: دخلت على ابن مسعود وهو في بيت مال الكوفة فسمعته يقول: «لا يبلغ بعبد كفرا ولا شركا حتى يذبح لغير الله أو يصلي لغيره». وهذا يبين لنا مقصد أبي عبيد، الذبح لغير الله أو الصلاة لغير الله باللسان أو بالفعال بالجوارح، ومع هذا كفرا أو حكم عليه بأنه يكفر بذلك الفعل. أشهد من هذا أنه لا يحكم لأحد من أهل القبلة بكفر إلا بأمر مستيقن، القاعدة أن ما ثبت بيقين فلا يزال إلا بيقين، إيمانه ثبت بيقين عندنا، إذا لا نزيل عنه هذا الإيمان إلا بيقين. قال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان قال: جاورت مع جابر بن عبد الله بمكة ستة أشهر، فسأله رجل: هل كنتم تسمون أحدا من أهل القبلة كافرا؟ قال: معاذ الله. قال: فهل تسمونه مشركا؟ قال: لا. ففي دلالة على أن الأصل أن من ثبت إيمانه بيقين فإنه لا يزال ذلك الإيمان إلا بيقين. والقاعدة كذلك أن الإنسان الذي وقع في الكفر لا يكفر إلا بعد النظر في أمرين عامين: الأول أن ينظر في ذلك القول وفي ذلك الفعل وفي ذلك الاعتقاد الذي صدر من ذلك الشخص، هل هو كفر دل عليه الكتاب والسنة؟ فإن دل الكتاب والسنة على أنه كفر مخرج من الملة حكم عليه حكما عاما أنه وقع في الكفر. فلا بد من ثبوت ذلك الحكم أنه كفر أو أنه شرك أكبر دل عليه الكتاب والسنة، لأن الأحكام الشرعية مردها إلى الكتاب والسنة. إن ثبت الحكم العام يقال: من فعل كذا كفر، من قال كذا كفر، من اعتقد كذا كفر. بقي الحكم على المعين، وهو الأمر الثاني، فإنه لا يحكم على المعين بحكم خاص حتى تقام عليه الحجة، وتتوفر في حقه الشروط، وأن تنتفي في حقه الموانع. فإذا كان الأمر كذلك، أي وجد شخص وقع في كفر، أقيمت عليه الحجة، واستبرأته المحجة، لم ينقص شرط من الشروط، أن يكون عاقلا، أن يكون مدركا لما قال، أن يكون مختارا، يعني ذاكرا، إلى غير ذلك من الشروط، ليس بمكره، ليس بجاهل، ولا ناس، ولا مخطئ، ولا مضطر، كما يقولون إلى غير ذلك، فمثل هذا إذا وقع في مثل هذه الأفعال ولا متأول، فإنه يحكم عليه بتكفير عينا، يقال: زيد من الناس كافر بالله العظيم. متى يقال ذلك؟ بعد الأمرين السابقين: أولا انطباق الحكم، أو أولا أن يكون الحكم الشرعي ثابت بكتابه السنة، الثاني أن ينطبق الحكم على ذلك المعين مستوفي الشروط ومنتفية الموانع فيه حق، حينها يحكم عليه بما يستحقه من الوصف. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.