إتحاف البشر بفضيلة العشر وعرفة ويوم النحر

إتحاف البشر بفضيلة العشر وعرفة ويوم النحر

الخطبة بعنوان إتحاف البشر بفضيلة العشر وعرفة ويوم النحر، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 5 ذو الحجة 1447هـ الموافق 22 مايو 2026م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل الأيام العشر من ذي الحجة ومقدمة الخطيب

يُبين الخطيب فضل الأيام العشر من ذي الحجة ويحث على اغتنامها بالأعمال الصالحة، حيث تُضاعف الأجور وتزداد الحسنات فيها. يُشير إلى أن العمل في هذه الأيام أفضل من الجهاد في سبيل الله.

الأعمال الصالحة في العشر من ذي الحجة

يوصي المقطع باغتنام العشر من ذي الحجة في الأعمال الصالحة مثل الصيام والقيام وذكر الله، ويبرز فضل يوم عرفة وصومه، ويشرح أهمية يوم النحر وأعماله مثل صلاة العيد وذبح الأضاحي.

فضل الأضحية وتتابع المواسم المباركة وخاتمة الدروس

النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على الأضحية، وتتابع المواسم المباركة يدل على فضل أمة الإسلام وأهمية العمل الصالح، ويختم بالدعاء للمسلمين والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، فها هي الليالي الفاضلة والأيام المعلومات، والتي خصها الله جل وعلا من بين سائر الليالي والأيام بالإجلال والفضائل والإعظام، نتقلب فيها وأياكم معاشر أهل الإسلام من دون سائر الأنام، فلله الحمد حمدا من بعد حمد على هذا الفضل والجزاء والإنعام. عباد الله، فلنزمنا نستظل تحت ظل هذه الأيام، أيام بلغ من قدسيتها وقداستها أن التعبد فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله، قال عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله». فأي فضل بعد هذا الفضل؟ قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: «بلغني أن العمل في أيام العشر يقدر بغزوة في سبيل الله، يصام نهارها ويحرس ليلها». هذه الأيام التي اعتبرها الشرع أفضل أيام الدنيا على الإطلاق، قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل أيام الدنيا أيام العشر»، وفي لفظة: «أفضل الأيام عند الله أيام العشر». هذه الأيام ما هنالك أيام تدانيها ولا توازيها ولا تساويها، هذه الأيام الأجر فيها مضاعف مضاعفة لا يعلم بها إلا الله جل في علاه، قال عليه الصلاة والسلام: «ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجر من خير يعمله أحدكم في العشر الأضحى»، ولا أعظم أجر في خير يعمله أحدكم في العشر الأضحى. فالعمل في هذه الأيام الأجور تتضاعف، والحسنات تزداد، عباد الله، فنحن إزاء موسم عظيم شريف كريم، ها قد مضى شطره، فكيف كنا معه؟ فلينظر كل منا إلى عمله وإلى كسبه، فمن استغلها فالسعيد كل السعادة، ومن اغتنمها والمحروم من ضيعها. «فواء سفاه»، قال الله جل وعلا في الحديث القدسي: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». عباد الله، لا زالت في هذا الموسم بقية باقية، فاحرص يا عبد الله على استغلالها حق الاستغلال، وعلى أن تغتنمها بكل ما أوتيت من قدرة وطاقة. على أن تغتنمها في صالح الأعمال والأقوال، كالحرص على الصيام والقيام، وعلى ذكر الله والتكبير، وعلى قراءة القرآن، وعلى البذل والسخاء والعطاء، وعلى أنواع البر والإحسان، وعلى طاعة الوالدين، وعلى صلة الأرحام، وعن الكف عن المعاصي والحرام، والاشتناب لسائر الذنوب والآثام. لقد كان سلفنا الكرام يتنافسون في هذه الأيام تنافسا شديدا في هذا الميدان، فبذلوا كل ما أوتوا من قدرة وإمكان في طاعة الرحمن، وهكذا فلنكن نحن عباد الله. وعلموا أيضا رعاكم الله أن فضيلة هذه الأيام تستمر إلى الختام، ففي اليوم التاسع من هذا الشهر الجاري، يوم المعظم يوم المبجل المقدس، ألا وهو يوم عرفة، وما أدراك ما يوم عرفة؟ يوم أكمل الله لنا فيه الدين، وأتم به علينا النعمة. «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا»، هو يوم عرفة، يوم خصه الله جل وعلا بهذا التشريف، يوم عرفة الدعاء فيه يستجاب، فالله عز وجل يستجيب فيه لمن دعاه ولمن أقبل عليه وناداه، قال عليه الصلاة والسلام: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة». قال العلماء: فالدعاء فيه مستجاب في الأغلب، فاحرص عبد الله في هذا اليوم على الإلحاح على الله بالدعاء، وبكثرة السؤال والطلب والثناء، فإن الله لن يرد من دعاه وناداه ورجاه. وهكذا احرص في يوم عرفة يا عبد الله على أن تصوم، فإن صومه لا مثيل له ولا نظير له، قال عليه الصلاة والسلام: «صوموا يوم عرفة، احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده». نعم، فضل من الله ونعمه، فلا تعجز يا عبد الله في أن تصوم هذا اليوم الأوحد. وبعد أن ينتهي اليوم التاسع، يوم عرفة، يأتي اليوم العاشر، ألا وهو يوم النحر، هو اليوم الأغر، يوم الحج الأكبر، الذي جعله الله جل وعلا عيدا للمسلمين، قال عليه الصلاة والسلام: «يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب»، وفي رواية: «وذكر لله جل في علاه». بل إن هذا العيد هو أفضل الأعياد وأكبرها، كما صرح بذلك العلماء وأهل النهى، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر»، أعظم الأيام عند الله يوم النحر. وإن هذا اليوم لجلالته وعظيم قدره قد ميز بأعمال، ميز بأعمال، ومن أعظم أعماله أداء صلاة العيد، هذه الصلاة التي شرعت للصغار والكبار، والذكور والإناث، يحضر الجميع لحضور دعوة الخير وشهود جماعة المسلمين. بل إن من العلماء من أوجب الصلاة على جنس الرجال، وذلك لأمره عليه الصلاة والسلام بضرورة الخروج إلى المصلى خارج البنيان، فاحرص يا عبد الله على أن تحضر هذه الصلاة في جماعة المسلمين حيث تقام، ولتستمع إلى ما يلقى فيها من وعض وإرشاد. وأيضا من الأعمال الجليلة التي خص بها هذا اليوم ما يكون من نسيكة، نسيكة الأضاحي، وهي من أعظم معالم الإسلام وشعائر الدين، دلت عليها أدلة السنة والقرآن المتين، وعليها اتفاق علماء المسلمين. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك نسيكة الأضحية منذ أن دخل المدينة حتى فارقها، وهو يواضب عليها صلوات ربي وسلامه عليه، قال الإمام مالك رحمه الله: «وأستحب لمن قدر على ثمنها أن لا يدعها». فما أجمل بك يا عبد الله أن تتقرب إلى الله بقربان ألا وهي الأضاحي، وكما قال الله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمد عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. فمما مضى عباد الله علمنا شيئا من فضائل هذه الأيام، والتي بعضها لا نزال نستظل بظلها، وبعضها سيأتي علينا بإذن الله لاحقا، عباد الله، إن تتابع هذه الأزمنة المباركة، والأوقات الفاضلة، لتستوجب منا أن نقف عندها، إذ أنها لم تشرع لأمتنا إلا لغايات عظيمة. وإن من أعظم ما نستفيده من تتابع هذه المواسم ما فيه بيان لفضيلة أمة الإسلام، إذ حباها الله بهذه المواسم من دون الملل والأديان والعوالم، ما شرعت لنا هذه المواسم لحسبنا ولا لنسبنا، وإنما هو فضل محض من ربنا جل في علاه. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: «أعطيت ما لم يعط نبي قبلي»، ومنها: «وجعلت أمتي خير الأمم»، وجعلت أمتي خير الأمم، فما هنالك أمة تدانينا أو توازينا بالفضائل والمناقب. وما هذه المواسم التي خصنا الله جل وعلا بها علينا إلا إشارة ودلالة لعظيم قدر الأمة المحمدية عند ربنا جل في علاه، فلله الحمد من حمدا من بعد حمد على نعمة الإسلام. وأيضا مما يستفيد من تتابع هذه المواسم علينا ما يكون من الدلالة على أهمية العمل الصالح، فإن المسلم في هذه الدنيا ملزوم بعبادة ربه دائما وأبدا، قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، أي حتى يأتيك الموت. وإن المسلم إزاء الالتزام بهذا الأمر الرباني في سيره إلى ربه جل وعلا لتعترض عليه العوائق، فتثنيه عن المسير وتقطع عليه الطريق، كالشيطان ووساوسه، والدنيا وزينتها، والشهوات ولذاتها، والشبهات وأضرارها، والنفس الأمارة بالسوء، كل ذلك يعترض عليك الطريق فيحجبك ويحجزك عن المضي قدما إلى رب الأرض والسماء. لكن تأتي هذه المواسم فتأخذ بيدك حتى توصلك إلى ربك جل في علاه، أتى شعبان، شعب شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العباد، فشمر منا من شمر في طاعة الرحمن، ثم هل علينا رمضان، سيد الشهور والأيام، سيد المواسم في كل زمان، فأقبل الجميع من أهل الإسلام الصغار والكبار على طاعة الرحمن. ثم ما لبثنا وأن دخل علينا شوال، أمرنا الشرع الكريم بأن نصوم ستا منه، لأنه مع رمضان كان كصيام الدهر، وما هي إلا برهة حتى حلت علينا العشر من ذي الحجة، موسم عظيم وزمن كريم، وها نحن نعمل فيه، وما أن ينتهي حتى يتبع بأيام التشريق، أيام مبجلة معظمة مقدسة. وما يكاد أن ينتهي حتى يأتي علينا شهر الله المحرم، إن تتابع هذه المواسم الموسم تلو الآخر، إنما هي في الحقيقة تأخذ بأيدينا لكي نواصل المسير إلى الله جل وعلا بالأعمال والأقوال والأحوال بلا كلل وبلا ملل، فلله الحكمة البالغة. فاستغلها يا عبد الله حق الاستغلال، وإلا كنت من المحرومين، أسأل المولى جل وعلا أن يعيننا وإياكم على ذكره وعلى شكره وعلى حسن عبادته، ونسأله جل وعلا أن يتقبل منا الصيام والقيام وقراءة القرآن وسائر الأعمال. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.