شرح مختصر سيرة الرسول 95

شرح مختصر سيرة الرسول 95

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 95، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

بعث المصدقين وهدم صنم طي وإسلام كعب بن زهير

في السنة التاسعة من الهجرة بعث النبي صلى الله عليه وسلم المصدقين لجمع الزكاة وهدم صنم طي بعد مقاومة قبيلتها. أسلم الشاعر كعب بن زهير بعد رسالة من أخيه بجير تحذره من مصير الشعراء الذين هجوا النبي، وقصته ثابتة إجمالا وإن كانت تفاصيلها مراسيل.

رسالة بجير بن زهير وتوبة كعب وقبوله الإسلام

أرسل أخو كعب بن زهير رسالة شعرية يحثه فيها على الإسلام، فأسلم كعب وقدم المدينة متخفياً. استأذن النبي صلى الله عليه وسلم بذكاء عبر التحدث عن نفسه بضمير الغائب، فقبل النبي توبته ومنع الأنصاري الذي أراد قتله قائلاً: "دعه عنك، فقد جاء تائباً نازعاً عما كان عليه".

قبول النبي توبة كعب ومدحه المهاجرين والأنصار

يروي المقطع قصة كعب بن زهير الذي جاء تائباً فقبل النبي صلى الله عليه وسلم توبته، فغضب كعب على الأنصار ومدح المهاجرين في قصيدته. ثم عاد فمدح الأنصار بعد إسلامه، مظهراً سماحة الإسلام في فتح باب التوبة وتغير مواقف الشعراء بعد الهداية.

خاتمة قصة كعب بن زهير وتوثيق الرواية

يختتم المتحدث سرد قصة كعب بن زهير مؤكداً أن أصلها صحيح بينما تبقى التفاصيل غير مؤكدة. يعلن الاكتفاء بما ذُكر مختتماً بالحمد لله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في أحداث السنة التاسعة من الهجرة. فذكر في هذه السنة بعث المصدقين الذين يأخذون الصدقة، وذكر فيها هدم صنم طي، وما وقع من قبيلة طي من المقاومة في أول الأمر، ثم أتوا مستسلمين. ثم ذكر قصة كعب بن زهير، وخصها بالذكر هنا لأن كعب بن زهير كان من شعراء أهل الجاهلية، وكان ممن شهر بالشعر وإجادة قول الشعر، ووقع منه في حال كفره بعض القصائد التي يهجو فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله عز وجل هداه بعد ذلك للإسلام، فذكر قصته. وقصة إسلام كعب بن زهير في الجملة ثابتة، لكن التفاصيل التي سيذكرها أغلبها مراسيل، وبعضها لم يروا بسند مستقيم، لكن في الجملة فقصة إسلامه صحيحة. ويذكر أهل السير هذه القصة بتفاصيلها، ولكن أغلب هذه التفاصيل مراسيل. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: قصة كعب بن زهير. قال ابن إسحاق -أي في السيرة-: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف، كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب، وبجير أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم. قال: كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب -أي ابن زهير الشاعر- يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل رجالاً بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقي من شعراء قريش -وأن من بقي من شعراء قريش- ابن أزبعري -هكذا ضبط أزبعري- وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه، يعني هربوا في طرق وأماكن مختلفة. فإذا كان لك في نفسك حاجة، فطر إلى رسول الله، يعني أسرع وأقبل على رسول الله، لأن كعب كان من هؤلاء الشعراء الذين كانوا يهجون رسول الله، فكأن بجيراً يقول لأخيه كعب: إن لم تسلم سيكون مصيرك كمصير من سبقك من الشعراء، إن ظفر بك قتلت، وإلا بقيت هارباً خائفاً، فما عليك إلا أن تسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتل أحداً جاءه تائباً. هكذا قال له: فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يقتل أحداً جاءه تائباً. وإن أنت لم تفعل، فانجو إلى نجائبك. والنجائب هي الإبل، النجائب هي الإبل، يعني: إن أنت لم تفعل وأبيت الكفر، فانجو إلى نجائبك، يعني الهروب، الهروب بمالك، وإلا قتلت. وكان قد قال -أي كعب بن زهير- في شعره قبل أن يكتب له هذه الرسالة: ألا أبلغ عني بجيراً رسالة ** فهل لك فيما قلت ويحك هل لك يعني: أبلغ أن معي له رسالة، فهل لك أن تقرأها وأن تعي ما فيها؟ فبئس لنا إن كنت لست بفاعل ** على أي شيء على أي شيء أغير ذلك ذلك يعني: إن كنت لا تفعل ذلك، فبئس لنا على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه، ولم تلف عليه أخاً لك، يعني هذا ليس من أخلاق أهلك. فإن أنت لم تفعل فلست بآسف ** ولا قائل إما عثرت لعلك يعني: إذا لم تفعل وتقرأ وتعي هذه الرسالة، فلا أتأسف على ذلك، ولا أقول إنك عثرت. سقاك بها المأمون كأساً روية ** وأنهلك المأمون منها وعلك ويريد بالمأمون -كما سيأتي- الرسول صلى الله عليه وسلم. قال: فلما أتت بجيراً -أي هذه الرسالة- كره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني كره أن يسترها ويبقيها عنده، بل أحب أن يطلع عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سقاك بها المأمون، صدق والله"، يعني لأنه يريد النبي صلى الله عليه وسلم فهو الصدوق، وإنه لكذوب، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق الشيطان لما علم أبا هريرة آية الكرسي: "صدقك وهو كذوب"، أي الكلام صدق لكنه خرج من كذوب، لأنه الشيطان شيطان الرجيم، وكعب لا يزال مشركاً. قال: "أنا المأمون"، أي النبي صلى الله عليه وسلم. قال: {وَلَمَّ سَمِعَ عَلَى خُلِقٍ لَمْ تُلْفِي أُمًّا وَلَا أَبًّا} [الفرقان: 20 - بتصرف أو سياق المعنى]، قال: أجل، لم يُلْفَ عَلَيْهِ أَبَاهُ وَلَا أُمُّهُ. نعم، فهذا يعود عليه. ثم قال أبو جير بن زهير -يعني أرسل لأخيه رسالة شعراً-: من مبلغ كعباً فهل لك في التي ** تلوم عليها باطلاً وهي أحزم إلى الله للعزة وللّاتي وحده ** فتنجو إذا كان النجاء وتسلم يعني: يقول له: لا تلومني على ما أنا عليه من الإيمان والإسلام، فهي طريقة حازمة، طريقة سالمة، وليست باطلة، وإلى الله أي أتوجه إلى الله وحده لا أشرك به شيئاً، لا أدعو للعزة وللّات، فالنجاة والسلامة إنما هي في عبادة الله، ولذلك قال: إلى الله للعزة وللّاتي وحده فتنجو إذا كان النجاء وتسلم. لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ** من الناس إلا طاهر القلب مسلم يريد يوم القيامة، يعني: لا ينجو ولا يفلت منه أحد إلا من أتى الله بقلب سليم. قال: فدين زهير وهو لا شيء ** دينه ودين أبي سلما علي محرم ومحرموا وأبو سلما قبيلته وعشيرته، فكانوا على الشرك، فيقول: لا أدين بدين زهير وهو لا شيء، ليس بدين، ولا دين قومي من أبي سلما. قال: فلما بلغ كعباً ضاقت عليه الأرض، وأشفق على نفسه، فلما لم يجد من شيء بد، قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكر لي أنه قام -أي بجير-، يقول: ذكر له أخوه أنه قام، فجلس إليه، قال: ثم خرج عفواً. قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج حتى قدم المدينة، أي خرج كعب حتى وصل إلى المدينة، فنزل على رجل كان بينه وبينه معرفة -أي من أهل المدينة-، فغدا به -أي هذا الرجل- إلى رسول الله، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكر لي أنه قام فجلس إليه، أي قام كعب بن زهير وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه، فهو كرجل غريب جاء عند النبي صلى الله عليه وسلم، ما يدري رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الرجل، وما اسمه، وما أمره، ما يدري بشيء. فجاء رجل وجلس عند النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائباً مسلماً، فهل أنت قابل منه؟ وهو يعني نفسه يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. فقال: "إن أنا جئتك به"، يعني: هل تقبله إن جاء تائباً مسلماً وجئتك به؟ وهذا من ذكاء كعب، حتى يأمن أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرده ولا يقتله، فأتى بهذا الأسلوب الذي فيه ذكاء وفطنة. جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم كرجل غريب، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: قد جاءك، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائباً مسلماً، يعني هو الآن موجود لكنه مختفٍ ليس بيننا، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال: نعم. فقال كعب: أنا كعب بن زهير، إذن أنا هو، أنا هو كعب بن زهير. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار، أي كان رجال عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك لا يعرفون كعب، فلما عرف عن نفسه وقال: أنا كعب بن زهير، وكان مشهوراً بأذية المسلمين وهجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقام هذا الأنصاري ووثب على هذا الرجل لأنه كان عدواً، فقال: يا رسول الله، دعني وعدو الله أضرب عنقه. هذا الأنصاري يقول ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال -أي النبي صلى الله عليه وسلم-: "دعه عنك، فقد جاء تائباً نازعاً عما كان عليه". وهذا من سماحة الإسلام، ومن كذلك محبة الداعي إلى الله عز وجل توبة التائبين، مهما فعلوا ومهما آذوا المسلمين، إذا صدقوا في توبتهم وجاءوا تائبين مستسلمين، مستسلمين، فإن باب التوبة مفتوح، لا يغلق على أحد، لا يغلق على أحد. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لهذا الأنصاري: دعه عنك، فقد جاء تائباً نازعاً عما كان عليه. فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار، لأنه تصرف معه هذا التصرف، فغضب على هذا الحي لأن هذا الأنصاري ينتمي إليه، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، يعني ما تكلم أحد من المهاجرين الذين كانوا عند الرسول صلى الله عليه وسلم حال مجيء كعب بن زهير، وإنما الذي تكلم هذا الأنصاري، فغضب كعب على الأنصار، ورضيه عن المهاجرين. فقال قصيدته التي أولها: بانت سعاد، فقلب اليوم متبول ** متيم إثرها لم يفد مكبول ومنها: أمست السعاد بأرض لا يبلغها ** إلا العتاق النجيبات المراسيل يعني الإبل، فهو يتغنى في سعاد وأنه متيم بها، أي محب لها، إلى أن قال: وهذه قصيدة مشهورة طويلة، والمؤلف هنا اقتطع منها أبياتاً بما فيها وجه الشاهد، فذكر أولها، وذكر ما وقع بينه وبين الأنصار، فقال: إلى أن قال: تسعى الغواة جنابيها وقولهم ** إنك يبنى أبي سلما لمقتول يعني: إذا أتيت مسلماً ستقتل. وقال: كل صديق كنت آمله ** لا ألهينك إني عنك مشغول فقلت: خلوا سبيلي لا أبا لكم ** فكل ما قدر الرحمن مفعول يعني: إذا أراد من صديق أن يطمئنه وأن يؤمنه، يقول له: لا تلهني، لا تلهني، فأنا مشغول، فقال: خلوا سبيلي، إذن أنا سأذهب وحدي، لا أبا لكم، فكل ما قدر الرحمن مفعول، الذي قدر الله سيصلني، هذا فيه الإيمان بالقدر. قال: نبئت أن رسول الله أوعدني ** يعني أوعدني بالقتل، والعفو عند رسول الله مأمول ليس يعفو عني وما سيفعل ذلك ** مهلا هداك الذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعظ وتفصيل يعني: أنه عليه الصلاة والسلام أعطي القرآن، والقرآن رحمة وهداية، ففيه مواعظ. قال: ولا تأخذني بأقوال الوشاة ** ولم أذنب وإن كثرت فيّ الأقاويل يعني: لا تسمع إلى من يذمني ويذكرني بالقبيح والذنب. إلى أن قال: إن الرسول لنور يستضاء به ** مهند من سيوف الله مسلول في فتية من قريش قال قائلهم ** ببطن مكة لما أسلموا زول يعني: هاجروا، ويريد بهم المهاجرين، يريد المهاجرين، فهم الذين قاتلوا، فهم الذين هاجروا من بطن مكة، زالوا يعني هاجروا، فما زال أنكاس ولا كشف عند اللقاء ولا ميل مع زيل، يمشون مشي الجمال الزهري، يعصمهم ضرب إذا عرد السود التنابيل، شم. هذا كله مدح، وثنى على المهاجرين: شم العرانين أبطال، لبوسهم من نسج أود في الهيجاء سرابيل، ليس مفاريح إن نالت رماحهم قوماً، وليس مجازيعا إذا نيل، لا يقع الطعن إلا في نحورهم، وما لهم عن حياض الموت تهليل. يعني يصفهم بالشجاعة وعدم الجزع والخوف ونحو ذلك. هذا كله ثناء على المهاجرين. وأما قوله: إذا عرد السود الدنابيل، كأنه يعرض بالأنصار، لأن ذاك الأنصاري وقع منه، وقع من إساء إلى كعب بن زهير. قال عاصم بن عمر: فلما قال: إذا عرد السود التنابيل، قال: وإنما عنى معاشر الأنصار. فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار: من سره كرم الحياة فلا يزل ** في مقنب من صالح الأنصار ورث المكارم كابراً عن كابر ** إن الخيار هم بنو الأخيار الذائدين الناس عن أديانهم ** بالمشرفي وبالقن الخطار والبائعين نفوسهم لنبيهم ** للموت يوم تعانق، يوم تعانق وكرار أي يوم القتال والجهاد. هذا كله مدح في الأنصار. والناظرين بأعين محمرة كالجمر ** أغار كليلة الأبصار والباذلين نفوسهم لنبيهم ** يوم الهياج وفتنة الكفار يتطهرون يرون نسكاً لهم ** يرون نسكاً لهم، يرونه نسكاً لهم يتطهرون يرونه نسكاً لهم ** بدماء من علق من الكفار قوم إذا خوت النجوم فإنهم ** للطارقين النازلين مقاري هذا كله مدح في الأنصار، يصفهم بالشجاعة، ويصفهم بالحماية للنبي عليه الصلاة والسلام، ويصفهم كذلك بالجهاد في سبيل الله. هذا خلاصة ما ذكره في قصة كعب بن زهير، وكما ذكرنا أصلها صحيح، ولكن هذا التفاصيل الله أعلم بها. نكتفي بهذا، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.