شرح العقيدة الواسطية 64

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 64، ألقاها

وجوب الإيمان بصفات الله تعالى كما وصفها الرسول

يجب الإيمان بكل ما وصف به الرسول صلى الله عليه وسلم ربه، كما يجب الإيمان بكل ما أخبر به الله عن نفسه. الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن ربه وأعلم الخلق بربه.

نزول الله تعالى وصفاته الفريدة

المقطع يشرح معنى نزول الله تعالى كل ليلة كما ورد في الحديث النبوي، ويؤكد أن صفات الله لا تماثل صفات المخلوقين. يحذر من التأويلات الفاسدة التي تنتج عن تصور كيفية نزول الله تعالى.

تطبيق الصحابة لصفات الله تعالى ومذهب أهل السنة

يصف المقطع إيمان الصحابة وتطبيقهم لصفات الله تعالى كما وردت في الكتاب والسنة، ويبين مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات دون تمثيل أو تعطيل.

الدعاء والتسبيح والاستغفار

المقطع يتضمن الدعاء لله تعالى بالتسبيح والاستغفار، ويعبر عن التوبة والاعتراف بذنوب العبد، ويطلب المغفرة والرحمة من الله.

التفريغ النصي الكامل

قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «وما وصف الرسول به إلى آخر» يعني أنه كما وجب الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، كذلك يجب الإيمان بكل ما وصفه به أعلم الخلق بربه، وبما يجب له، وهو رسوله الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه وآله. طيب، كما تقدم معنا أنه يجب الإيمان بكل ما أخبر به الرسول، كما أنه يجب الإيمان بكل ما أخبر به الرب جل وعلا، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغ عن ربه جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وقال ربنا عز وجل في حقه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾، وقال أيضا سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. إذن، وجب الأخذ بالكتاب والسنة. هذا لما تقدم، وأيضا لما أشار إليه الشيخ رحمه الله تعالى في قوله «كذلك يجب الإيمان بكل ما وصف به»؛ فيه إشارة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بربه. فإذا كان أعلم الخلق بربه، فهو أعلم بما يقول في حق ربه جل وعلا من غيره. فكيف بعد هذا يأتي الغير فيقول: هذا يصح في حق الله جل وعلا، وهذا لا يصح في حق الله جل وعلا؟ فهذا الغير أعلم بالله جل وعلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا افتراء وهذه جناية على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيضا قوله رحمه الله «وهو رسوله» في إشارة إلى ما تقدم أنه مبلغ عن ربه عز وجل، إذ أنه يقول بما أقبرهم به ربه جل وعلا، وهو الصادق المصدوق. إذن، خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عن علم، وكذلك كان عن صدق. وكذلك أيضا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفصح الناس وأبيانهم وأحسنهم منطقا صلى الله عليه وسلم. وأيضا هو أحرص الناس على هداية الناس. ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. فالحاصل أن هذه الأمور إذا اجتمعت في خبر وجب قبوله. قال رحمه الله: قوله «كذلك» أي إيمانا مثل ذلك الإيمان خاليا من التحريف والتأويل، ومن التكييف والتمثيل، بل إثبات لها على الوجه اللائق بعظمة الرب جل شأنه. كما تقدم في إخبارات الله جل وعلا. قال قوله: قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فمن ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» متفق عليه. قال الشارح رحمه الله: قوله «فمن ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم إلى آخره». الكلام على هذا الحديث من جهتين: الأولى صحته من جهة النقل. وقد ذكر المؤلف رحمه الله أنه متفق عليه. ويقول الذهبي في كتابه «العلو للعلي الغفار»: إن أحاديث النزول متواترة، متواترة تفيد القطع. وعلى هذا، خلا مجال للإنكار أو جدال. الثاني: ما يفيده هذا الحديث، وهو إخباره صلى الله عليه وسلم بنزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة. ومعنى هذا أن النزول صفة لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته، فهو لا يماثل نزول الخلق كما أن استواءه لا يماثل استواء الخلق. قال رحمه الله تعالى: ومعنى هذا أن النزول صفة لله عز، على ما يليق بجلاله وعظمته. فهو لا يماثل نزول الخلق كما أن استواءه لا يماثل استواء الخلق، كما أن علمه لا يماثل علم المخلوق، كما أن حياته لا تماثل حياة المخلوق، كما أن ذاته لا تماثل ذات المخلوق. فالقول في الصفات كالقول في الذات. يحذو حذوها. هكذا نقل الإجماع على هذا الإمام أبو بكر البغدادي الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، وكذلك نقله الخطابي رحمه الله تعالى أجمعين: أن القول في الصفات كالقول في الذات. ذات الله جل وعلا لا تماثل الذوات، وكذلك صفات الله جل وعلا لا تماثل الصفات. فإثباتها إثبات وجود لا إثبات كيفية وتمثيل، كما قال الأئمة رحمه الله تعالى. ونطلوه إجماعا عن السلف. قال رحمه الله: يقول شيخ الإسلام رحمه الله في تفسير سورة الإخلاص: «فالرب سبحانه إذا وصفه رسوله بأنه ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، وأنه يدنو عشية عرفة إلى الحجاج، وأنه كلم موسى في الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وأنه استوى إلى السماء وهي دخان، فقال لها وللأرض: ائتيها طوعا أو كرها، لم يلزم من ذلك أن تكون هذه الأفعال من جنس ما مشاهده من نزول هذه الأعيان المشهودة». يعني: يريد شيئا أجسام. أن اللوازم التي ذكرها المخالفون لأهل السنة والجماعة من أننا لو أثبتنا صفة النزول للزم أن يكون الله جل وعلا شغل مكانا الذي نزل إليه، واستفرغ أو فرغ مكانا آخر الذي كان فيه. والعكس. قال: هذا القول ناتج عن تصور الكيفية، عن تصور كيفية نزول الله جل وعلا. وهذا بسبب هذه القلوب التي قد تلوثت بلوثة أهل الكلام والفلسفة، إذ أنهم لا ينظرون في نصوص الكتاب والسنة إلا بنظر التشبيه. فإذا رأوا أو نظروا: ﴿يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا﴾، إذا نزول الله عز وجل كنزول المخلوق. فهم لا يرون ولا ينظرون إلى النصوص إلا بهذا المنظر، بمنظر التشبيه. والجواب عليهم: أن يقال: ربنا جل وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ينزل نزولا يليق بجلاله، ولا يلزم من هذا هذه اللوازم الفاسدة. إذ أن نزول الخالق سبحانه وتعالى لا يماثله نزول المخلوق، بل ينزل نزولا يليق بجلاله سبحانه وتعالى. لا يعلم كيفية ذلك النزول إلا هو سبحانه وتعالى. فالواجب الأخذ بهذه الإخبارات التي أخبر بها أصدق الخلق عن ربه جل وعلا، وصيانتها عن النقائص، وصيانتها عن مشابهة المخلوق، بل تثبت كما أثبتها الرسول صلى الله عليه وسلم، ويؤمن بها كما أخبر بها أعلم الخلق بربه. قال: قد أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم قالوا: يا رسول الله، كيف ينزل ربنا؟ أو هل يلزم من هذا أن تكون السماوات محيطة بالله عز وجل؟ أو من هذه استشكالات. أبدا. ما سبب ذلك؟ سببه الإيمان العظيم الذي كان في قلوب هؤلاء الصحابة. ما يأتيهم الخبر إلا ويؤمنون به ويصدقونه، كأنهم يرونه رأي عين. وهذا كما سمعتم من إيمان الصحابة، ومن علم الصحابة: أنهم إذا جاءتهم الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذون بها ويؤمنون بها كأنهم يرونها رأي عين. إذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم مثلا من أمور الإخبارات، مثلا أخبرهم عن الجنة وما أعد الله عز وجل فيها، أو عن النار وما أعد الله عز وجل فيها، كان يسمعون الخبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤمنون به إيمانا تاما، كأن أحدهم يرى الجنة أمامه رأي عين، وكأنه يرى النار أمامه رأي عين، تصديقا وإيمانا بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك في هذه الأبواب، في أبواب الأسماء والصفات، إذا سمعوا شيئا من رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنوا به وأخذوا به، كأنهم يرون هذا الشيء الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي عين؛ لأن قلوبهم سليمة، ونفوسهم طاهرة، وفطرهم سليمة، لم تحتج إلى معارضات. الحاصل من هذا: أن هذه الصفات تثبت على ظاهرها. النزول معروف في لغة العرب. هكذا: مفهوم النزول، لكن كيفية النزول: نقول السؤال عن الكيفية بدعة. النزول معلوم والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة. والله أعلى وأعلم. أهل السنة والجماعة يؤمنون بالنزول صفة حقيقية لله عز وجل، على الكيفية التي يشاء. فيثبتون النزول كما يثبتون جميع الصفات التي ثبتت في الكتاب والسنة، ويقفون عند ذلك، فلا يكيفون ولا يمثلون ولا ينفون ولا يعطلون. ويقولون: إن الرسول أخبرنا أنه ينزل، ولكنه لم يخبرنا كيف ينزل. وقد علمنا أنه فعال لما يريد، وأنه على كل شيء قدير. ولهذا ترى خواص المؤمنين يتعرضون في هذا الوقت الجليل للإلطاف ربهم ومواهبه، فيقومون لعبوديته خاضعين خاشعين داعين متضرعين، يرجون منه حصول مطالبهم التي وعدهم بها على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. كما ذكر رحمه الله تعالى: أن مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الصفة وغيرها من الصفات: يثبتون ما أثبت الله عز وجل لنفسه، وما أثبت له رسوله صلى الله عليه وسلم، إثباتا من غير تمثيل، وتنزيها من غير تعطيل. بل يعتقدون ويؤمنون بما جاء به الرسول أنه حق وصدق يجب الإيمان به والتسليم والأخذ به على ظاهره. وأشار الشيخ رحمه الله تعالى إلى أمر عظيم، وهو أن الصالحين في كل زمان ومكان تجدهم في ثلث الآخر من الليل يتقربون إلى الله جل وعلا بأنواع من العبادات والتضرع والدعاء لله جل وعلا. ما هو الدافع لهؤلاء في هذا الأمر؟ هذا من الإيمان بهذه الصفة، ومن الإيمان بهذا الحديث: «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة في الثلث الآخر من الليل، فيقول: هل من داع فأجيبه؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟». فآمن المؤمنون الصالحون بهذه الأحاديث، فجعلوا يرتقبون هذا الوقت، فيقومون لله عز وجل ويتضرعون لله جل وعلا، عسى أن يجدوا من الغفور الرحيم الكريم مطالبهم. فترفع بإذن الله عز وجل تلك الدعوات إلى الله جل وعلا صالحة، فيكون الإجابة من الله، ويكون العطاء من الله، وتكون المغفرة من الله عز وجل. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على