شرح العقيدة الواسطية 1

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 1، ألقاها

ترجمة الشيخ محمد بن خليل الهراس ومكانة شرحه للعقيدة الواسطية

يتحدث عن تحول الشيخ الهراس من مذهب الأشاعرة إلى الدفاع عن ابن تيمية وأصبح من العلماء البارزين في السعودية. أهمية شرحه لكتاب العقيدة الواسطية الذي يعد من أفضل شروح الكتاب.

مكانة شيخ الإسلام ابن تيمية العلمية وثناء العلماء عليه

شيخ الإسلام ابن تيمية كان عالما كبيرا وشهد له المحبون والمبغضون بالعلم. ثناء العلماء عليه مثل ابن دقيق العيد والمزي بأنه لم ير مثله.

صفات وفضائل شيخ الإسلام ابن تيمية ودوره في مواجهة البدع

يبرز مكانته العلمية وصفاته الخلقية والعملية، ويشير إلى علمه وكرمه وشجاعته وتأثيره في مواجهة البدع والضلال في عصره.

ختام الدرس بالتذكير بذكر الله تعالى والدعاء

المقطع يتضمن الدعاء لله تعالى بالتسبيح والاستغفار، ويعبر عن التوبة والاعتراف بذنوب العبد، ويطلب المغفرة والرحمة من الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فنحن اليوم بإذن الله عز وجل مع هذا الكتاب الذي هو كتاب شرح العقيدة الواسطية للشيخ العلامة محمد بن خليل الهراس، رحمه الله تعالى، وهو كتاب على كتاب العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام والمسلمين تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، رحمه الله تعالى. والكلام -كمقدمة- بين يدي الكتاب سيكون على أمور. أولى هذه الأمور ترجمة، أو كلام مختصر عن الشيخ محمد بن خليل الهراس، رحمه الله تعالى. الشيخ محمد بن خليل الهراس، رحمه الله تعالى، نشأ في مصر وتعلم في مصر. وكان رحمه الله تعالى حينها على مذهب السائد في أهل مصر، وهو مذهب الأشاعرة. وكان رحمه الله تعالى قد تعلم واستفاد، وكان متخصصا في علم المنطق. فلما أراد أن يحضر رسالة الدكتوراه، أشير عليه بأن يكتب، وأن تكون رسالته في الدكتوراه في الرد على شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، وفي بيان أخطاء شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، سيما في هذا الباب، وفي هذا المجال، في مجال المنطق. فحصل منه ما حصل أن تهيأ للكتابة والتأليف في هذا المجال، في الكلام على ما يقع عليه، وما يقف عليه من كلام شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى. ولكنه لم يتهيأ له ذلك في بلاده مصر، لقلة ولشحة المراجع والكتب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. لذا هيأ نفسه للرحلة إلى بلاد الحرمين؛ لأجل أن يقف على كلام شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، من كتبه، ويكون الرد من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. فلما أن وقف رحمه الله تعالى على كتب شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، وبدأ ينظر فيها، ويقرأ فيها، ويحاول أن يلتقط عثرة لشيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، فإذا بالرجل يعلم ما كان عليه شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، من الهدى ودين الحق، وما عليه من التقريرات الراسخات البينات الواضحات المنيرات المؤيدات بالبراهين القرآنية والحجج النبوية على ما كان عليه سلف هذه الأمة، رضي الله عنهم ورحمهم الله. فبعد أن قرأ وجمع، وحقق المسائل ونظر في المسائل، شهد شهادة الحق، فقال: والله ما علمت الإسلام إلا الآن. قال: ما علمت الإسلام الحق إلا الآن. من يقول هذا؟ يقول هذا الشيخ محمد بن خليل الهراس، رحمه الله تعالى، الذي تهيأ لأجل أن يكتب ردا على شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. فإذا نور الهداية يدخل قلبه، فيجعله -أو فجعله- مستنيرا مضيئا ساطعا في الإضاءة، فجعله يقول قول الحق، وأنه ما عرف الإسلام الحق إلا بعد أن قرأ ونظر في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. وهذا من إنصافه، إذ أن الرجل كان أشعريا، ولكنه رحمه الله تعالى لما وقف على الحق البين والهدى والنور، أسرع إلى الرجوع إلى الحق، وترك ما كان عليه من الباطل. وهذه طريقة المنصفين، وهذه طريقة العلماء الربانيين الذين يخافون الله عز وجل. فبدلا من أن يكتب مؤلفا في الرد على شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، فإذا بالإمام -أو بالشيخ- محمد بن خليل الهراس، رحمه الله تعالى، يكتب تأليفا وكتابا فيه دفاع عن شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، سماه شيخ الإسلام السلف. وكانت هذه رسالته التي نال بها الدكتوراه. فلما رجع إلى بلده لأجل أن يطرح طروحاته، فإذا بالقوم يتفاجأون: أرسلناك لأجل أن ترد على ابن تيمية، وأنت اليوم مناصرا مدافعا منافحا عن شيخ الإسلام -أو عن ابن تيمية-. فالحاصل أن القوم لما قرأوا في الكتاب، ورأوا متانة الكتاب، ما استطاعوا أن يدفعوه بشيء؛ لأنه الحق البين. والشيخ محمد بن خليل الهراس، رحمه الله تعالى، كان متخصصا فيما كتب، أحسن فيما كتب. فالحاصل أنه -كما قال تلميذه الشيخ محمد أمان الجامي، رحمه الله تعالى- أنه أعطي شهادة الدكتوراه بتقدير جيد؛ لأجل هذا الموضوع لا لأجل الكتاب، فإن الكتاب يستحق درجة عليا، ولكن لما كان الكتاب مخالفا لما أراد منه أصحابه ومشائخه، أعطوه بماذا؟ برتبة جيد. والحاصل أن الشيخ محمد بن خليل الهراس، رحمه الله تعالى، بقي في مصر يدرس عندهم، ثم طلب إلى المملكة للتدريس في الجامعة الإسلامية، في كلية أصول الدين. ويقولون أنه شفع فيه بعض الملوك السعوديين، رحمه الله تعالى، هم الذين طلبوه لأجل أن يلتحق بهم، بعد أن حصل منهم من المراسلات ما حصل. فانتقل رحمه الله تعالى إلى المملكة، وكان رئيسا لكلية أصول الدين، وعلى يديه تخرج علماء أجلة، رحمهم الله تعالى، من أشهرهم الشيخ محمد بن أمان الجامي، رحمه الله تعالى، وغيره كثير. وأما بالنسبة للشرح -وهو الأمر الثاني الذي نتكلم عليه بين يدي الكتاب- كذلك الشرح للشيخ محمد بن خليل الهراس على كتاب الواسطية يعد من أنفس الشروح ومن أحسن الشروح. بل يقول العلامة العثيمين: إنه أفضل شروح الواسطية. يقول العلامة العثيمين، رحمه الله تعالى، ما نصه: «فإن هذا الشرح جدير بالعناية؛ لأنه أحسن ما رأينا من شروحها، باختصاره ووضوحه، وجمعه العلم الكثير». ذكر هذا الشيخ العثيمين، رحمه الله تعالى، في تعليقه وتعقيبه على بعض الفقرات التي وقعت في هذا الشرح في طبعته الأولى. وقد استدرك كثير منها في الطبعات الأخرى. ونحن قد تركنا نسخة منها -أو جعلنا نسخة منها- في المكتبة؛ من أجل من أراد أن يستفيد من التعليقات فليرجع إليها. هذا قلنا بالنسبة للشرح، يعد الكتاب -بشهادة هذه العلامة- بشهادة الشيخ العثيمين، رحمه، رحمه الله تعالى، بأنه أحسن شروح الوسطية؛ لأمور. أولا: أنه مختصر، والمختصر غالبا ما تتوقه النفوس، وكذلك تقرب منه النفوس لقراءته والإطلاع فيه، بخلاف الكتاب إذا كان كبيرا ومتشعبا، ربما ملت منه النفوس، لا سيما مع ضعف الهمم عند المتأخرين. أمر آخر: أن الشيخ، رحمه الله تعالى، مع اختصاره، جمع فيه علما جما. ونحن سنرى من ذلك العلم الشيء الكثير بإذن الله عز وجل، عند الشرح، تارة مبحث من مباحث الفقه، وتارة أخرى من مباحث النحو، وتارة أخرى من مباحث الاشتقاق والبناء، وتارة أخرى من معاني البلاغة، وتارة أخرى في مسألة أصولية، وهكذا. في تفسير آية، أو بيان معنى حديث، إلى جانب أصل الكتاب من المسائل العقدية. إلى جانب ما في الشرح -الذي هو أصله- ما في الكتاب من المسائل العقدية. وهذا من المكانة -أو من الأهمية- بمكان. أضف إلى هذا كذلك من أهمية الكتاب: أن الرجل، رحمه الله تعالى، كان أشعريا قبله. وهذا جعله حريصا دقيقا في انتقاء العبارات، وفي معرفة المواطن التي يكون فيها مدخل -التي يكون فيها مدخل- للأشاعرة. فتجدهم يرد عليهم بعبارات لطيفة وإشارات رشيدة. وكذلك إلى جانب هذا المذكور: أن الرجل كذلك كان متخصصا بعلوم العقيدة والمنطق. لذا كذلك نبه على بعض المسائل الدقيقة من مسائل الاعتقاد، وكذلك من المسائل التي خاض فيها أهل الكلام أيضا، بعبارات، بإشارات لطيفة. وهذا -كما سمعتم- مما جعل الكتاب مكانة عليا شرح الوسطية. لذا تداوله العلماء شرحا وتعليقا، وتناوله العلماء رحمهم الله تعالى شرحا وتعليقا، واعتنى به العلماء اعتناء كبيرا. هذا هو الأمر الثاني. والأمر الثالث: الكلام على مؤلف الكتاب -أي المتن- الذي هو شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن المجد بن تيمية، رحمه الله تعالى. وهذا الإمام -كما يقال- علم. والعلم لا يعرف. علم تقي الدين ابن تيمية، رحمه الله تعالى، شهد له المحب والمبغض والموالي والمعادي بالعلم والتقدم فيه. مخالفوه -وهم مخالفوه- يشهدون له بالعلم وبالغزارة العلمية، مع أن بعضهم ربما تجرأ فكفره. ولكن بالنسبة للعلم، يقول الرجل: عنده علم، ولكنه زائغ، ولكنه ضال. وهذا من الاعتداء. ولكن الشاهد: أن الأعداء إذا شهدوا لإنسان بخصلة، فكفى بها شهادة. وأما المحبون والأنصار، فسناؤهم على هذا الرجل وعلى هذا الشيخ، رحمه الله تعالى، أكثر من أن يذكر في هذا المقام. فقد ألفت في ترجمته مؤلفات. ومن آخر من جمع له ترجمة موسعة من مصادر شتى: الشيخ العلامة بكر بن عبد الله بن زيد، رحمه الله تعالى. له كتاب «جهود شيخ الإسلام ابن تيمية»، جمع فيه -أو ذكره- وجمع جمعت فيه مجموعة من الكتب والرسائل لشيخ الإسلام التي لم تطبع من قبل، فيه خمسة مجلدات تحت إشراف الشيخ بكر، جمعها بعض الباحثين وأشرف عليها الشيخ بكر، وجعل جزءا من هذه الأجزاء الخمسة -أو مجلدة من هذه المجلدات الخمسة- ترجمة مستوفاة لهذا الإمام العلامة، شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. باعتبار العلم، فإنه لا يجارى. وكما سمعتم: شهد له المحب والمبغض بذلك. وشهد له أئمة عصره بذلك. فمن ذلك ما قاله شيخ الإسلام تقي الدين ابن دقيق العيد، رحمه الله تعالى، حينما لقي شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. يقول ابن كثير، رحمه الله تعالى: «سألت تقي الدين ابن دقيق العيد: هل التقيت بتقي الدين ابن تيمية؟ فقال: نعم. قال: فكيف رأيته؟ قال: رأيت رجلا كأن الكتاب والسنة بين عينيه، يأخذ منهما ما شاء، ويدع منهما ما شاء». قال، رحمه الله تعالى، عبارته المشهورة: «وما أظن أن الزمن يأتي بعده بمثله». وما أظن أن الزمن -أو قال: إن الزمن- يضني بأن يأتي بعده بمثله؛ لما رأى ما رأى منه. وشيخ الإسلام ابن تقي -أو تقي الدين ابن دقيق العيد-، رحمه الله تعالى، معروف، إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام كذلك في أصول الفقه، وإمام في فنون شتى. ومع هذا لما لقي شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، شهد له بهذه الشهادة: بأنه يقول -أو غلب على ظنه- أنه لا يأتي بعده مثله. ويقول أيضا من المتأخرين: الإمام الشوكاني، رحمه الله تعالى، أيضا عبارة بمعناها. بعد أن ذكر كلام الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى، وأن الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى، قال عن شيخ الإسلام: ترجم له ترجمة موسعة. ثم قال: «ونظر في الرجال والعلل، وتفقها وتمهر وتقدم، وصنف ودرس وأفت، وفاق الأقران، أطار عجبا في سرعة الاستحضار، وقوة الجنان، والتوسع في المنقول والمعقول، والاطلاع على مذاهب السلف والخلف». هذا كلام الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى. قال الشوكاني بعد ذلك: «وأقول أنا: لا أعلم بعد ابن حزم مثله. وما أظنه سمعا. وما أظن سمع الزمان بين عصر الرجلين بمن شابههما أو يقاربهما؛ بين ابن حزم وبين ابن تيمية»، رحمه الله تعالى. هذه شهادة من الإمام الشوكاني، رحمه الله تعالى، هذا من المتأخرين. والحافظ كذلك يعد زمانه بعد زمان شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى؛ فإنه في طبق التلاميذ. شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإن الحافظ ابن حجر من تلاميذ الحافظ ابن رجب الحنبلي، والحافظ ابن رجب الحنبلي من تلاميذ العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى، وابن القيم من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، أجمعين. والحاصل من هذا: أن هذا شهادة من عاصر الشيخ، ومن تأخر عنه، ومن معاصريه، ومن كان أكبر من الشيخ، رحمه الله تعالى. وشهد له أيضا بهذه الشهادة كذلك الإمام المزي، رحمه الله تعالى، صاحب تهذيب الكمال؛ إذ قال، رحمه الله تعالى: «ما رأت عيناي مثله، ولا رآه مثله نفسه». قال: «وما رأيت أحدا أعلم بكتاب الله عز وجل، ولا بسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، ولا أقوى ما عمل بهما منه». وهذه من شهادة الحق ممن هو الإمام المزي، رحمه الله تعالى، الذي لقبه بعضهم: «خاتمة الحفاظ». قد كان، رحمه الله تعالى، من كبار الحفاظ. ومع هذا يقول هذه الشهادة: أنه لم تر عيناه مثله، ولا رأى هو -أي شيخ الإسلام- مثله نفسه. وقال: «ولم أر رجلا أعلم بكتاب الله عز وجل، ولا بسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، ولا أقوى ما بالعمل بهما من هذا الرجل». يعني: رجلا عالما وعاملا. رجل عالما وعاملا بذلك العلم. إلى جانب ما ذكره تلاميذه ومحبوه. وكذلك ممن كان قبل شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى -أي أكبر منه سنا- ممن حضر مجالسه في أول مجلس قام به للتدريس بعد وفاة أبيه. ويقال: إنه كان حينها لم يستوفي العشرين -لم يكمل العشرين سنة- قام ما قام أبوه يدرس. وحضره بعض القضاة وبعض العلماء. فيقال: أن ابن الزمل كتب كراسة في مجلس واحد -مجلس واحد- مجالس شيخ الإسلام. وهو أول مجلس. والرجل لم يكمل العشرين. ومع هذا كتب ماذا؟ كراسة يستفيد منها من علم شيخ الإسلام. بل ذكر بعضهم -ذكر بعض الحفاظ- أن شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، قد اشتهر خبره وأمره وهو ابن سبع سنين، وأقل؛ إذ أنه كان معروفا بالعلم والحفظ، أو كان معروفا بشدة الحفظ؛ حتى أن بعض الحفاظ: لما دخل إلى الشام، قال: «أين ذلك الغلام الذي يقال: إنه يحفظ شيئا من مرة واحدة؟» فقال له بعضهم: «انتظر قليلا؛ فإنه الآن يمر إلى الكتاب». قال: «فلما مر شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، دعوه. فقال له الشيخ: اكتب. فكتب له عشرة أحاديث. فقال له: انظر فيها. فنظر فيها. فقال له: أمحها. فمحاها. فقال له: هل حفظ؟ قال: نعم. قال: فسمعها لي. قال: فسردها كما كتبها له». فسردها كما كتبها له. وهذا يقوله ابن كثير، وهو ابن سبع سنين أو أقل. بل ذكر بعض تلامذته: أنه أسلم على يديه بعض النصارى، وهو ابن أقل من خمسة عشر سنة. أسلم على يديه بعض النصارى، وهو أقل وعمره أقل من خمسة عشر سنة. فالحاصل: أن الرجل، رحمه الله تعالى، فتح الله عز وجل عليه فتحا مبينا. وتلميذه الذهبي، رحمه الله تعالى، ترجم له بترجمة عطرة في «ذيل الطبقات»، في «ذيل تاريخ الإسلام». ذكر راه أنه ترجمة، واستوعب بعد أن ذكر الترجمة، ذكر من صفاته الخلقية وصفاته الخلقية. وتكلم على ما تكلم من علمه. وأنه قال: «ما رأيت مثله، ولم ير الناس مثله». بل قال: «ولو أقسمت بين الرقي والمقام على أني لم أر مثله، ولم ير مثل نفسه، كنت بارا». أو كما قال، رحمه الله تعالى. وذكر أنه، رحمه الله تعالى، أن كل حديث لا يعلمه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، فليس بحديث. كل حديث قال: لا يعرفه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، فليس بحديث. هذا يدل على ماذا؟ يدل على أن القوم يعرفون الرجل مكانته، وأنه حافظ من حفاظ الأمة الكبار الجهابذة، رحمه الله تعالى، إلى جانب ما ذكر من علمه، وتفننه في الفقه، ومعرفة الفرق، ومعرفة الملل والنحل، ومعرفة كذلك العقائد، مسائل العقائد. قال: «في أصول الدين، وإليه المنتهى». قال: «في معرفة الأحكام، مسائل الأحكام». قال: «فما من مسألة يذكرها إلا ويذكر أدلتها من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله، صلى الله عليه وسلم». قال: «ويذكر أقوال الأمة». قال: «وإذا قال بقول، انتصر له بكتاب الله عز وجل، وبسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، وبالآثار، وبالمعقول». وبالمنقول، وبالمعقول والمنقول. ثم حكى كذلك عنه ما حكى من هذه الوقائع والأمور. ثم انتقل إلى الكلام على صفاته الخلقية. صفاته الخلقية. وذكر، رحمه الله تعالى، ما ذكر: أن الرجل، رحمه الله تعالى، كان -قال الذهبي- «ما رأيته مثله في التأله -أي التعبد-، وكثرت الاستعانة، وكثرت الابتهال، وكثرت التضرع إلى الله عز وجل». عالما وكذلك عاملا بذلك العلم. وذكر، رحمه الله تعالى، من صفاته كذلك: أنه كان، رحمه الله تعالى، من الأجواد الأكرام، من الكرماء الأجواد. وكان من كبار الشجعان. حتى قال الذهبي، رحمه الله تعالى: «وكبار الكرماء يتشبهون بكرمه». قال: «وأشجع الشجعان كذلك يتنافسون في القرب من شجاعته». ذكر كلاما هذا معناه. ومن عجيب ما ذكر من كرمه وجوده: أن سائلا جاء يسأله مسألة، ولم يكن عنده شيء، ولم يكن عنده شيء، فكان فقيرا، رحمه الله تعالى. قال: فما وجد إلا عمامته، خلعها فشقها نصفين، وتصدق بالنصف، وأعاد النصف الآخر على رأسه، رحمه الله تعالى. بعد أن ذكر وتكلم وذكر ما ذكر، رحمه الله تعالى، عنه، قال: «ومن قرأ كلام هذا ونظر في كلام هذا، وكان لا يعرفه، قال: بالغت وأطريت في الرجل». قال: «ومن عرفه، وجالسه، قال: ما أعطيت الرجل حقه». قال: «وقد أذيت بسبب ذلك من الطرفين». واضح هذا الكلام: أن أصحابه يقولون: ما تنقصه، ما أعطيت شيخ الإسلام شيئا. أصحاب شيخ الإسلام الذين عرفوا شيخ الإسلام، وجالسوه، وعرفوا ما عند الرجل من العلم والإيمان، يقولون: ما أعطيت حقه. وفي الطرف الآخر: أعداؤه يقولون ماذا؟ «بالغت في الرجل وأطريت». فالحاصل: أن الناظر في ترجمة هذا الرجل يتعجب من حاله، ويعلم علما يقينا أن الإمامة في الدين لا تنال براحة الجسد، أن الإمامة في الدين لا تنال بالدعاوى، وإنما تنال بالجد والإجتهاد، والصدق والإخلاص، والعمل بذلك العلم. شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، يعد مجدد القرن السابع، رحمه الله تعالى. فرحمه الله تعالى جاء في زمن -كما يقول علماء- رحمه الله تعالى: قد ظهرت فيها جميع البدع، الباطنية ظاهرون، الأشاعرة ظاهرون، المعتزلة ظاهرون، فرق الضلال جميعها. من الصوفية بجميع طرائقها ظاهرون، الرافضة ظاهرون. فكذلك النصارى واليهود قد ظهر منهم ما ظهر، وخرجت لهم قرون في الشام ونحوها. خرج الرجل ونشأ الرجل نشأة علمية على يدي أبيه وجده، على يدي أبيه وجده. فأبوه كان في زمنه إمام الحنابلة، كان إمام الحنابلة في زمنه. وجده قبل ذلك كان إمام الحنابلة في زمنه. وجده كان يلقب بشيخ الإسلام المجد، صاحب كتاب «المنطقة»، يعد من كبار الحفاظ، ومن كبار الفقهاء. فتيسر لشيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، أن يتتلمذ على هؤلاء، تتلمذ على جده الذي هو المجد، وتتلمذ كذلك على أبيه. وكلهم أئمة. وكلهم -فإنا- رحمهم الله تعالى. إلا أنه -كما قال الإمام الذهبي، رحمه الله تعالى- قال: «حاله مع أبيه وجده كحال الشمس مع النجم والقمر». يقول: حاله مع أبيه وجده كحال الشمس مع النجم والقمر. النجم إذا رأى الإنسان النجم في الليل، ولم يكن هناك قمر، كيف يرى النجم؟ يراه ماذا؟ مضيئا متلألئا. وهذا يقول: حال أبيه كان ماذا في زمنه؟ منيرا متلألئا. وقبله ماذا؟ كان الجد كان كالقمر، كان ماذا؟ كالقمر البدر بالإضاءة والشهرة، وكذلك معرفة الناس له قدرا وعلما. قال: «لكن لما جاء شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، كان ماذا؟ كالشمس. والشمس إذا ظهرت أذهبت ضوء جميع ماذا؟ النجوم». وكذلك أذهب ضوء القمر. فهذا تمثيل عجيب من الإمام الذهبي، رحمه الله تعالى. فهو يقول: إن أباه كان إماما، وجده كان كذلك إماما، وأعلى من الأب. لكن هذا الذي هو تقي الدين ابن تيمية، رحمه الله تعالى، فاق جميع علما وشهرة. لذا إذا قيل: «ابن تيمية»، فإنه لا ينصرف في الذهن إلا إلى من؟ إلى تقي الدين ابن تيمية، رحمه الله تعالى. ورحم الله تعالى الجميع. فالرجل كان في بيت علم، ونشأ -كما سمعتم- بين أناس قد تلاطمت بهم البدع، القبورية رافعوا رؤوسهم، وعلماء الكلام رافعوا رؤوسهم، وعلماء الزيف والضلال رافعوا رؤوسهم، إلى غير ذلك من الفرق. فالكل رافعوا رؤوسهم. وخرج هذا الرجل بين أولئك، فصدع بالحق، وقال كلمة الحق، وبين دين الله عز وجل الحق، ورفع منارات الحق عالية شامخة، وانتصر لدين الله عز وجل بالحجج من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، على ما كان عليه سلف الأمة. وناظرهم بالمنقول والمعقول، ورد الناس إلى الباب الذي خرجوا منه. خرج الناس من باب العلم والسنة، فرد شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، إلى الكتاب والسنة. وأرجع الناس، رحمه الله تعالى، في زمنه إلى الاستدلال بالكتاب والسنة، الاستدلال بالكتاب والسنة على ما كان عليه سلف الأمة، وترك ما عداه، على خلاف ما كان عليه القوم في ذلك الزمان من نبد الكتاب والسنة وراء ظهورهم، والاستدلال على أقوالهم بالأمور العقلية والمنطقية، والتعصب للأشخاص، والتعصب للأشخاص. فرحمه الله تعالى وغفر له. ونكتفي بهذه المقدمة في هذا اليوم إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على