الدرس في شرح العقيدة الواسطية 17، ألقاها
يناقش مفهوم الصراط المستقيم كطريق واحد لا عوج فيه ولا انحراف، وأهميته لأهل السنة والجماعة. يشير إلى أن هذا الطريق هو الذي جاء به المرسلون.
يشرح الصراط المستقيم كطريق الأمة الوسط، ويبين أهمية سورة الإخلاص في تجريد التوحيد وتضمنها لعلم التوحيد، مع الإشارة إلى أنها تعدل ثلث القرآن.
يفسر معاني سورة الإخلاص وتشمل نفي الشريك عن الله وتفرده بالعظمة والكمال، وتفسير كلمة "الصمد". يبين أن السورة تضمنت أصول علم التوحيد.
يتضمن دعاءً بالاستغفار والتوبة وشكر الله، ويختم بشكر المشاهدين على المتابعة.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد. قال رحمه الله تعالى: «فلا عدول» قوله: «فلا عدول»، أي في قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون؛ فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين». وقد دخل في هذه الجملة ما وصف الله بنفسه من سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، حيث يقول: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾. قوله رحمه الله تعالى: قوله «فلا عدول» إلى آخر كلامه، قال: هذا مترتب على ما تقدم من بيان أن ما جاء به الرسل عليهم الصلاة والسلام هو الحق الذي يجب اتباعه، ولا يصح العدول عنه. وقد علل ذلك بأنه الصراط المستقيم، يعني الصراط السوي القاصد الذي لا عوج فيه ولا انحراف. أي أن قوله رحمه الله تعالى: «فلا عدول» إلى آخر كلامه، تقرير لما تقدم. فإذا كانت طريقة الرسل هي الطريقة السالمة من كل عيب ونقص، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عن طريقتهم؛ لأنها طريق لا عوج فيها ولا زلل ولا خطل، بل هي طريق مستقيم أثنى الله عز وجل عليهم بقوله: ﴿وسلام على المرسلين﴾؛ لسلامة ما جاء به من النقص والعيب. قال رحمه الله تعالى: «والصراط المستقيم» والصراط المستقيم لا يكون إلا واحدا، من زاغ عنه أو انحرف وقع في طريق من طرق الضلال والجور، كما قال تعالى: ﴿وأن هذا صراط مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾. وهذه الآية جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه عند الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطا مستقيما، ثم خط على جنبتي ذلك الطريق أو الخط خطوطا صغيرة، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «هذا صراط الله» على الخط الطويل الممتد، وأشار إلى الطرق الأخرى، وقال: «وهذه سبل الشيطان»، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. ثم قرأ قول الله عز وجل: ﴿وأن هذا صراط مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾. فدل هذا على أن الصراط المستقيم صراط واحد. والصراط كما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: ما جمع خمسة أوصاف: الأول أن يكون طريقا مستقيما، الثاني أن يكون سهلا، الثالث أن يكون مسلوكا، الرابع أن يكون واسعا، الخامس أن يكون موصلا إلى المقصود. هذه خمسة شروط للصراط ذكرها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «بدائع الفوائد» في المجلد الثاني صفحة ستة عشر إلى سبعة عشر. وتكلم هناك بكلام نفيس على الصراط، وأنه على قسمين: صراط حسي وصراط معنوي. وأن من سلك الصراط المعنوي سلك الصراط الحسي، وعلى قدر السلوك في ذلك الصراط يكون السلوك في الصراط الحسي. الصراط المعنوي هو طاعة الله عز وجل والاستقامة على دين الله عز وجل. والصراط الحسي هو الصراط الذي ينصبه الله عز وجل يوم القيامة على ظهر جهنم. فعلى قدر سير الإنسان واستقامته في الدنيا يكون كذلك سيره وسلوكه لذلك الصراط يوم القيامة. قال رحمه الله تعالى: «والصراط المستقيم هو طريق الأمة الوسط» والصراط المستقيم هو طريق الأمة الوسط الواقع بين طرفين: الإفراط والتفريط. وهذا كذلك في إشارة إلى ما تقدم ذكره من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هذه الآية: أن الصراط واحد، وعلى جنبي الصراط شيطان، أو على كل سبيل الشيطان يدعو إلى نفسه وإلى البعد عن طاعة الله عز وجل وعن صراط الله عز وجل المستقيم. وكما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: نزغة إلى إفراط ونزغة إلى تفريط». ودين الله عز وجل وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، كالوادي بين جبلين. وهذا كذلك تقرير لما تقدم من أن دين الله عز وجل وسط بين الغالي والجافي، وأن الصراط المستقيم وسط بين هذا وهذا. وأن من خرج عن هذا الصراط إما أن يخرج بغلو وإما أن يخرج بتفريط وإضاعة. قال رحمه الله تعالى: «ولهذا أمرنا الله عز وجل وعلمنا أن نسأله أن يهدينا هذا الصراط المستقيم في كل ركعة من الصلاة»، أي عندما يقرأ القارئ الفاتحة في الصلاة، يقرأ فيها: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «أن نسأله أن يهدينا هذا الصراط المستقيم في كل ركعة من الصلاة»، أي يلهمنا ويوفقنا لسلوكه واتباعه؛ فإنه صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. قوله: «وقد دخل...» إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى، أي: وقد دخل في هذه الجملة ما وصف الله بنفسه من سورة الإخلاص. قال: شروع في إيراد النصوص من الكتاب والسنة. هذا شروع من الشيخ رحمه الله تعالى في إيراد النصوص من الكتاب والسنة، وهو شروع في الدخول في الموضوع. قال رحمه الله تعالى: وابتدأ بتلك السورة العظيمة؛ لأنها اجتمعت من ذلك على ما لم يجتمع عليه غيرها، ولهذا سميت سورة الإخلاص؛ لتجريد التوحيد من شوائب الشرك. وابتدأ بتلك السورة العظيمة؛ لأنها اجتمعت من ذلك على ما لم يجتمع عليه غيرها. روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي بن كعب رضي الله عنه في سبب نزولها: أن المشركين قالوا: «يا محمد، انسب لنا ربك»، أي صف لنا ربك. فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد﴾ السورة. وقد ثبت في الصحيح أنها تعدل ثلث القرآن، كما جاء في حديث أبي سعيد في البخاري، وكذلك جاء من حديث أبي ذر وأبي هريرة عند مسلم هذا المعنى: أن ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن. قال: وقد اختلف العلماء في تأويل ذلك على أقوال، أقربها ما نقله شيء شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن أبي العباس ابن سريج. وحاصل ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن القرآن الكريم اجتمع على ثلاثة مقاصد أساسية: أولها الأوامر والنواهي المتضمنة الأحكام والشرائع، الثاني القصص والأخبار المتضمنة لأحوال الرسل عليهم الصلاة والسلام مع أممهم، وأنواع الهلاكة التي حاقت بالمكذبين لهم، وأحوال الوعد والوعيد وتفاصيل الثواب والعقاب. ثالثها: علم التوحيد وما يجب على العباد من معرفة الله بأسمائه وصفاته. ولما كانت سورة الإخلاص قد تضمنت أصول هذا العلم واشتملت عليه إجمالا، صح أن يقال: إنها تعدل ثلث القرآن. وأما كيف اجتمعت هذه السورة على علوم التوحيد كلها وتضمنت الأصول التي هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي، فنقول: إن قوله تعالى: ﴿الله أحد﴾ دلت على نفي الشريك من كل وجه في الذات وفي الصفات وفي الأفعال. فالله أحد لا نظير له ولا شبيه له، كما دلت على تفرده سبحانه بالعظمة والكمال والمجد والإجلال والكبرياء. ولهذا لا يطلق لفظ «أحد» في الإثبات إلا على الله عز وجل، وهو أبلغ من «واحد». قوله رحمه الله تعالى: «وقوله: الله صمد» قد فسر ابن عباس رضي الله عنه بقوله: «السيد الذي كمل في سؤدده، والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي كمل في عظمته، والحليم الذي كمل في حلمه، والغني الذي كمل في غناه، والجبار الذي كمل في جبروته، والعليم الذي كمل في علمه، والحكيم الذي كمل في حكمه». وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله عز وجل هذه صفته، لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء. وقد فسر الصمد أيضا بأنه الذي لا جوف له، وهذا الأثر جاء عن مجاهد عند ابن جرير، وسنده ظاهر الصحة. وجاء كذلك عن الشعبي والضحاك هذا التفسير. وبأنه الذي تصمد إليه الخليقة كلها وتقصده في جميع حاجاتها ومهماتها. وهذا القول ذكره ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، واستدل على هذا القول بأن العرب يقولون: «هو السيد الذي يصمد إليه الذي لا أحد فوقه». وكذلك تسمي أشرافها سيدا بالصمد. قال: فإثبات الأحادية تتضمن نفي المشاركة والمماثلة. وإثبات الصمدية بكل معانيها المتقدمة تتضمن إثبات جميع تفاصيل الأسماء الحسنى والصفات العلى. وهذا هو توحيد الإثبات. كذلك من أسماء التوحيد العلمي توحيد ما يجب إثباته لله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: فنقول: إن قوله تعالى: ﴿الله أحد﴾ دلت على نفي الشريك من كل وجه في الذات وفي الصفات وفي الأفعال. كما دلت على تفرده سبحانه بالعظمة والكمال والمجد والجلال والكبرياء؛ لأنه الأحد الذي لا نظير له ولا سمية له سبحانه وتعالى. ولهذا لا يطلق لفظ «أحد» في الإثبات إلا على الله عز وجل، وهو أبلغ من «واحد». وهذه فائدة أن لفظ «أحد» لا يطلق في الإثبات إلا على الله عز وجل؛ فهذان قيدان وشرطان: أولهما الإطلاق، فلا يطلق هذا الإطلاق إلا في حق الله عز وجل. الثاني: أن يكون في مقام الإثبات. فإذا اجتمع هذان الشرطان جاز أن يطلق «أحد» على غير الله عز وجل. قال: روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي بن كعب رضي الله عنه في سبب نزولها: أن المشركين قالوا: «يا محمد، انسب لنا ربك»، أي صف لنا ربك. وهذا الحديث من طريق الذي رواه أحمد رحمه الله تعالى منكر؛ لأنه من طريق أبي سعد الصاغاني، محمد بن ميسر، وهو جهمي، شيطان من الشياطين، تركه ابن معين والنسائي وغيرهما. وكذا رجح الإرسال فيه الإمام ابن عقيل. وله طريق أخرى أحسن منها من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب. وأبو جعفر الرازي ضعيف، ورجح الترمذي أن الصحيح أنه مرسل. فالحاصل أن الحديث لم يصح، والله أعلم. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك. شكرا للمشاهدة.