الخطبة بعنوان من صفات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر - الشجاعة، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 7 جمادى الآخر 1447هـ الموافق 28 نوفمبر 2025م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد الخطيب أن الشجاعة هي الدافع الأصلي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مستدلاً بآيات تحذر من الجبن وتوعد باستبدال القوم الجبناء بأقوام أعزة لا يخافون لومة لائم. كما يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشجع الناس مستشهداً بأقوال الصحابة رضي الله عنهم.
يستعرض المقطع شجاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المواقف الحربية والدعوية مستشهداً بأقوال الصحابة كعلي بن أبي طالب وأنس بن مالك. ويبين أن الشجاعة الحقيقية هي عدم المبالاة بالموت في سبيل العزة بينما الجبن يؤدي للذل والهزيمة.
يؤكد المقطع على وجوب قول الحق وعدم الخوف من لوم اللائمين مستدلاً بحديث أبي سعيد الخدري وحديث تغيير المنكر باليد واللسان والقلب. ويبين أن الآمر بالمعروف يحتاج إلى شجاعة لمواجهة المستهزئين والمعارضين مستشهداً بصفات المؤمنين في سورة المائدة.
يدعو المتكلم الله أن يمكن أهل الإيمان والإسلام في الحياة الدنيا ويثبتهم على دينهم وأن يجعله من العباد الثابتين الصابرين. ويختتم بالحمد لله والصلاة على النبي محمد وآله.
إن الحمد لله، أحمده تعالى، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، امتدادًا لما نتكلم فيه من صفات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، لا بد أن يتصف بصفات، وقد ذكرنا صفات كثيرة، وفي هذا اليوم نذكر صفة من هذه الصفات المهمة التي ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن تكون فيه، فهي أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي الدافع الذي يدفع العبد إلى ذلك. هذه الصفة هي صفة الشجاعة. صفة الشجاعة هذه الصفة ينبغي أن تكون في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، فإن ربنا جل وعلا لما أراد أن يحث الأمة على الشجاعة، بين أنهم إذا جبنوا فإنه سبحانه وتعالى يأتي بقوم أفضل منهم وأمثل منهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التوبة: 38-39]. ﴿ ثُمَّ لَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ﴾ [التوبة: 39]، أي إذا جبنتم عن مواجهة العدو ولم تتشجعوا، فإنه لا تضرونه، سيأتي بأمثالكم، وهؤلاء الأمثال صفاتهم ذكرها ربنا جل وعلا في كتابه الكريم، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 54]. قال: ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة: 54]، ﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ﴾ [المائدة: 54]، لا يخافون لوم لائم، هذه هي الشجاعة. فلذلك، أيها الإخوة الكرام، كان نبينا عليه الصلاة والسلام أشجع الناس، صلوات الله وسلامه عليه، بل هو أشجع هذه الأمة عليه الصلاة والسلام. والشجاعة هي الثبات والصبر في طلب المنافع وتحصيلها، ودفع المضار وتقليلها، فهذه هي الشجاعة. ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام أشجع الناس، صلوات الله وسلامه عليه، وكان كما قال البراء بن عازب: كان نبينا عليه الصلاة والسلام شجاعًا لا يحاذى به، أي لا حد يقربه في تجاهده، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما أخرج ذلك ابن أبي عاصم في السنة بإسناد حسن. أيضًا، أيها الإخوة الكرام، جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان نبينا عليه الصلاة والسلام أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس. وإن أهل المدينة سمعوا صوتًا، فخرجوا إلى هذا الصوت، فرأوا نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قِبَلَ، استقبلوا النبي عليه الصلاة والسلام وهو آت من اتجاه هذا الصوت، وكان على فرس عَرِيّ، أي ليس عليه رحل، كان على فرس عَرِيّ لأبي طلحة، فقال عليه الصلاة والسلام: «لم تراعوا، لم تراعوا»، أي لا تخافوا. فوصفه أنس رضي الله عنه بأشجع الناس. وهكذا علي بن أبي طالب قد بلغ في الشجاعة ما بلغ، وكان يصف النبي عليه الصلاة والسلام بالشجاعة، قال: كنا نتقي في بدر برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو بيننا وبين العدو، وكان عليه الصلاة والسلام أشد منا بأسًا، أو كما قال رضي الله عنه. فالنبي الله عليه الصلاة والسلام كان شجاعًا في دعوته، شجاعًا في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم. فلذلك، أيها الإخوة الكرام، قال العلماء: أن الشجاعة ليست هي التهور، وإنما هي ضد الجبن، والشجاعة هي عدم المبالاة بالموت، عدم المبالاة بالموت لأجل عزة النفس، ولأجل أيضًا أن يبقى في هذه الحياة عزيزًا لا يتسلط عليه العدو. ولهذا كان العرب يقولون: أن الشجاعة هي سر الحياة، أن الشجاعة هي سر الحياة، أي أنه إذا لم تكن هناك شجاعة في الناس فإنهم يسيطر عليهم العدو ويذلهم، والذل هو أقهر من الموت، فالموت أفضل من الذل، ولهذا كانوا يقولون: إنه سر الحياة. فمجتمع ليس فيه شجعان، مجتمع يسوده الذل والضعف. ولهذا كان أصحاب رسول الله اقتدوا بالنبي عليه الصلاة والسلام في هذه الخصلة، فكانوا من أشجع الناس. كان الصديق رضي الله عنه يقول لخالد بن الوليد: «احرص على الموت تهب الحياة، احرص على الموت تهب الحياة»، أي إذا أردت الحياة فاحرص على الموت. وهكذا كان أصحاب رسول الله صلوات الله وسلام عليه، حتى وصفوا من أعدائهم أنهم يحبون الموت أكثر من الحياة، يحبون الموت أكثر من الحياة، لأنهم شجعان لا جبناء. ولهذا الجبن، الجبن كان يستعيذ منه النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه خور، ولأنه ذل، فلذلك كان يستعيذ منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكان يقول عليه الصلاة والسلام: «أبغض ما في الرجل، أبغض ما في الرجل: شح هالع، أي بخ شديد، طمع، شح هالع، وجبن خالع، جبن خالع، أن يخلع القلب من شدة الخوف، يخاف على كل شيء، يخاف أن يموت، يخاف أن يفقد أمواله، يخاف أن يفقد أولاده، يخاف ويخاف، فيدخله الجبن، فلا إذا سمع شيئًا من الحروب أو من كذا فهو أول الخائفين، يظن أن هذا سيأتي إليه». فلذلك، أيها الإخوة الكرام، كم قرأنا في تاريخ أهل الإسلام، لما كانوا بعزة نفس وشجاعة ساد البلاد والعباد، ولما ذهبت هذه العزة وذهبت هذه الشجاعة، وانهمك الناس في الدنيا وزينتها، فتحولوا إلى جبن وإلى ذل، حتى جاءهم التتار وقتلوا فيهم قتلا ذريعًا، لا يستطيع الرجل أن يدافع عن نفسه، ولا عن أهله، ولا عن ماله، لا يستطيع أن يدافع عن شيء من ذلك لشدة الهلع والجبن الذي فيه. أيها الإخوة الكرام، فالشجاعة هي صفة عظيمة ينبغي لكل مؤمن يتصف بها، وخاصة أيها الإخوة الكرام الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا من عباده الصالحين الطائعين، يجعلنا ربنا جل وعلا من عباده المؤمنين، سبحانه وتعالى. الحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيها الإخوة الكرام، أخرج الإمام أحمد، وهو أيضًا عند ابن ماجه في سننه، من طريق ابن أبي نَظْرَة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «لا يمنعن أحدكم قول الحق إذا شهده أو رآه أو سمعه». قال أبو سعيد: يا ليتني لم أسمع ذلك، قال أبو سعيد: يا ليتني لم أسمع ذلك. وهذا الحديث يبين أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا تأخذه في الله لومة لائم، فإنه إن سمع بالحق أو رآه أو حضره فإنه يشهد على هذا الذي حصل، أو كذلك إن شهد منكرًا فإنه ينكره، كما جاء في حديث أبي سعيد الآخر في صحيح مسلم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وهذا، أيها الإخوة، يحتاج إلى إقدام وشجاعة، يحتاج إلى إقدام لا جبن والإحجام، فإن العبد إذا رأى منكرًا واستطاع أن يغيره، فإنه لا شك سيقابل شهوات ناس، ويقابل أهل إجرام، ويقابل كذلك أهل عصيان وإباء، لا يستمعون إلى النصيحة، بل يستهزئون بالناصح، كما كان يفعل الكفار عندما ينصحهم الأنبياء. هكذا يوجد أيضًا من أهل الإسلام من إذا نصحته في شيء من المنكر يستهزئ. فلذلك يحتاج الرجل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يحتاج إلى شجاعة يدفع بها هذه الأشياء، يدفع بها ما يكون من... ما يكون في نفسه مما سيخدله به الشيطان، يقول: لعلك إذا قلت، ولعلك إذا فعلت، ولعلك إذا أنكرت يحصل لك كذا وكذا، فينخذل ويجبن عن قول الحق. فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يمنعن أحدكم قول الحق إذا حضره أو شهده أو سمعه أن يقول الحق، ولا يخاف في الله لومة لائم»، يقوله بلسانه، ويقوله أيضًا بفعله. فهذا هو الشجاع. ولهذا ترى ذلك في نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكذلك في أصحابه رضي الله تعالى عنهم، والأمثلة في ذلك كثيرة، لكن حسبنا بما ذكرناه. فلذلك، أيها الإخوة الكرام، الشجاع... يحب الله عز وجل الشجعان ويبغض الجبناء، كما جاء في الحديث الذي ذكرناه: «أبغض ما في الرجل أن يبغضه الله: جبن، جبن خالع»، الجبن الخالع الذي يخلع القلب بجبنه. وإنما يحب الله أهل الشجاعة وأهل الإقدام الذين ذكرهم الله عز وجل في كتابه كما ذكرنا في الآية الآن، فَتَذَكَّر: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ [المائدة: 54]، أولئك الذين يحبهم ويحبونه، ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة: 54]، عندهم عزة وقوة نفس، ﴿ لَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ﴾ [المائدة: 54]. فلذلك، أيها الإخوة الكرام، الواجب على المسلم أن يحدث نفسه بهذه الشجاعة، يضع في نفسه الثقة بالله جل وعلا، ولا يهاب الموت، ولا يهاب أنه سيخذل من غيره، أو أنه سيخالف من غيره. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر الطائفة المنصورة، ذكر خذلان بعض الناس لها، ومخالفة بعضهم لها، لكنهم لا يبالون بذلك، لا يبالون بهذه المخالفات، ولا يبالون بالخذلان، ما دام أنهم على الحق. فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين... لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله، هم قائمون على الحق، طائعون بالحق، آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، عندهم إقدام، وعندهم شجاعة، لذلك ولا يهابون الموت، ولا يبالون به، ولا يخافون في الله لومة لائم». فنسأل الله جل وعلا أن يمكن أهل الإيمان وأهل الإسلام في هذه الحياة، ويثبتهم على دينهم، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده الثابتين الصابرين على دينه جل وعلا. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آل محمد.