الخطبة بعنوان الالتجاء إلى الله، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 14 ذو القعدة 1447هـ الموافق 1 مايو 2026م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُشدد على أهمية الالتجاء إلى الله والدعاء، ويبين أن الله أمر به وأعد لمن يدعونه إجابة دعائهم. يُوضح أن أهل الصلاح يتميزون بصدق الالتجاء والإقبال على الله.
يُنصح المسلمون بالالتجاء إلى الله في الشدائد مثل المرض وتأخر الإنجاب والمصائب. يُذكرون بقصص الأنبياء الذين التجأوا إلى الله ونالوا الشفاء والذرية والنصر.
يتناول أصناف الناس عند الابتلاء أو الرغبة في تحقيق مصالحهم، ويبرز الصنف الذي يلجأ إلى الله والصنف الذي يعتمد على نفسه أو يتجه إلى مصادر أخرى. يوصي بالالتجاء إلى الله وحده.
يوصي بالتوجه إلى الله والاعتماد عليه، ويشير إلى وعد الله بإجابة الدعاء وكشف السوء. يختم بالدعاء للمسلمين والصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِيعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، اعلموا أن من أجل القربات ومن أعظم الطاعات التي يتقرب بها العبد إلى رب الأرض والسماوات هو أن يظهر فقره وعزه، وأن يظهر ذُلَّه وحاجته بين يدي ربه، وذلك بالانطراح بين يديه وبصدق الاعتماد عليه، وبما يكون من الالتجاء إليه. كم من أناس يزعمون أنهم قد فوضوا أمرهم إلى الله، لكننا في حقيقة الحال من أبعد الناس عن هذا المقام، القليل من الخلق من هداه الله واجتباه على هذا المقام واصطفاه، من صدق الاعتماد على الله، وقليل ما هم. عباد الله، لعظيم مقام الالتجاء والتضرع إلى الله والدعاء، فإن الله سبحانه وتعالى قد أمر به أهل الورع من ضرورة الإقبال عليه بالدعاء، قال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. وفي الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». وإن الله سبحانه وتعالى قد وعد عباده ممن أقبل عليه ودعاه بأنه يحقق سؤله ومبتغاه ويلبي له طلبه وما تمنى، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. فضل من الله ورحمة، بركة من الله ونعمة، أن الله يستجيب من دعاه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وبالمقابل، فإن الله عز وجل قد توعد أقوامًا بالعذاب الشديد والعذاب الأليم حين استكبروا عن عبادته وأدبروا عن دعائه، وقال ربكم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. عباد الله، لعظيم مقام صدق الالتجاء والإقبال على الله بالدعاء، كان ذلك من أعظم ما يفترق به العباد، من كان من أهل الصلاح أو من كان من أهل الإعراض، فأهل الصلاح هم أهل الدعاء وأهل الإقبال على الله، إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا، فهم دائمًا وأبدًا مع الله في ليلهم ونهارهم، وفي صبحهم ومسائهم، قد فوضوا أمورهم إلى ربهم. وعلى رأس أهل الصلاح الأنبياء والمرسلون، ممن حققوا هذا المقام أيما تحقيق، ففوضوا جميع أمورهم إلى ربهم جل وعلا، أولئك الذين هداهم الله، فبهداهم اقتدوا. لذا علينا جميعًا، عباد الله، أن نقبل على الله مؤتسين برسل الله. فاسمع يا من ابتليت بالأمراض والأسقام، سواء كانت فيك أو في أهلك أو في فرد من أفراد الأرحام، فها أنت تنتقل من علاج إلى علاج ومن دواء إلى دواء، أقبل على الله، فالله عز وجل بيده الشفاء، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. لنا عبرة بنبي الله أيوب عليه السلام، ابتلاه الله بأمراض عديدة ولفترة مديدة، لكنه لم ييأس من رحمة الله، فالتجأ إليه، ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فاستجبنا له، فكشفنا ما به من ضر، وآتيناه أهله ومثلهم معهم، رحمة من عندنا وذكرى للعابدين. أقبل على الله يا من تريد الشفاء، وهكذا يا من تطلب الإنجاب وقد تأخر عليك، فأردت الذرية تخرج من صلبك، فهأنت تنتقل بين العقاقير والتحاليل، فلم تنفر بشيء حتى ضاقت عليك الأرض بما رحبت، أقبل على الله، فإن الله عز وجل بيده الذرية، قال سبحانه: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾. هذا زكريا عليه السلام، طلب من ربه أن يمده بذرية من بعده، وقد كبر سنه ورق عظمه واشتعل الرأس شيبًا، لكنه لم ييأس من ربه، ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى. أقبل على الله يا من تريد النسل والذرية، وهكذا يا من ابتليت بمصيبة من مصائب الدنيا، فتراكمت عليك الهموم والغموم، فما وجدت أحدًا يمد لك يد العون، فأقبل على الله سبحانه، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾. لنا عبرة بنبي الله يونس عليه السلام، إذ أغرق في البحر، فساهم فكان من المبحوثين، فأصبح في بطن الحوت، بعدما ابتلع، فأصبح في مأزق وضيق، وأصبح في ظلمات ثلاث، حينها فنادى في الظلمات: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فاستجبنا له ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين. أقبل على الله يا عبد الله، متى ما ابتليت بمصيبة أو أصابتك نكبة، فهو سبحانه فقط الذي يجعل لك من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا. وهكذا يا من تريد النصر على أعدائك، وإن زلت الهزيمة على خصومك، أو أردت أن تتصدى لأعدائك، فاعلموا رعاكم الله، ليس والله يكون ذلك بعددنا ولا باعتمادنا ولا بقوتنا، وإنما يكون ذلك بصدق اعتمادنا على ربنا سبحانه، لأن النصر بيده والظفر بسلطانه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. النصر من عنده، متى ما شاء جل في علاه، ومتى ما أقبلنا على الله، فهذا نوح عليه السلام، تطاول عليه الكفار بالسخرية والاستهزاء والتضاغن عليه وعلى أتباعه، فلما ضاقت عليه الأمور توجه إلى رب السماء يستنصر ربه ويطلب النصر من الله، فدعا ربه، ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيونًا، فالتقى الماء على أمر قد قدر، وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا، جزاء لمن كان كفر. النصر من الله، فإذا أردت الهزيمة لخصومك والانتصار على عدوك، فالتجأ إلى الله يا عبد الله. واسمع يا من تريد حظًا من حظوظ الدنيا، أردت شيئًا من الأموال والأرزاق، وقد ابتلاك الله عز وجل بالفقر والضيق، وشد في المؤونة وقل في المعيشة، أقبل على الله بالدعاء والنداء والالتجاء، لأن خزائن السماوات والأرض بيده سبحانه، قل: ﴿اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. هذا سليمان عليه السلام، طلب من ربه أن يمد له بدنيا تكون له عونًا على إقامة الدين، فنادى ربه، قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، فسخرنا له الريح تجري بأمره، والشياطين كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين في الأصفاد. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، لا زلنا وإياكم مع هذا المقام العظيم، مقام الالتجاء والإقبال على الله بالدعاء، مقام أمر الله به وندب إليه وحث عليه ورغب فيه، وعلمنا كيف كان من شأن الصالحين من الأنبياء والمرسلين أنهم قد صدقوا في اعتمادهم على ربهم في كل آن وفي كل حين. ومن هنا سنعلم أحوال الناس إذا أقبلوا على هذا المقام، وأنهم على أصناف وأحوال، فصنف من الناس من أقبل على ربه في تيسير أموره، وذلك بالإلحاح على الله وبالإقبال عليه دائمًا وأبدًا في ليله ونهاره، فمن ذا الذي يدانيه، ومن ذا الذي يواسيه، إذ أن الله عز وجل قد هيأه لأن يفوض أمره إلى خالقه وباريه. قد ذلل لسانه في هذه الدنيا بشدة الدعاء وبكثرة قوله: يا رب، يا رب، فهؤلاء من أسعد الناس في الدارين. وصنف من الناس من أعرض عن ربه، ويكأنه قد استغنى عنه، فهو قد اعتمد على نفسه في قضاء أموره وحوائجه، اعتمد على عقله وكسبه، وعلى ذكائه وحذلقته، وعلى أصله ونسبه، فما مد يديه قط إلى ربه، وما تلذذ بمناجاة خالقه، فنعوذ بالله من هذا الحال. وصنف آخر من الناس، متى ما ابتلي بمصيبة أو نكبة أو أراد أن يحقق مصلحة أو منفعة، ارتمى إلى أحضان السحرة والمشعوذين والكهنة، أصحاب الصرف والتلبيس وأصحاب الخيوط والتمائم، هم أهل الجن والعفاريت وأهل الشياطين، وكل خبيث، قاتلهم الله أنى يؤفكون، فمن اعتمد عليهم والتجأ إليهم فقد أهلك دينه ودنياه، وأوبق أولاه وأخراه، كما قال ربنا: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾. وصنف من الناس من قد فوضوا أمورهم إلى الأموات، إلى الأضرحة والعتبات، فها هم يشدون الرحال إلى الزيارات، ويطلبون من أهلها ما لا يقدر عليه إلا رب الأرض والسماوات، فذاك يطلب المدد، وآخر يريد المال والولد، وذاك يسأل رزقًا لا يعد، ناهيك عن من يريد الشفاء لمريض أو إعادة غائب بعيد، ناهيك عن كثير من الطلبات، لكنها ترفع إلى الأموات، إلى عظام نخرة خاوية بالية. أين الله؟ أين الله يا عبد الله؟ إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، أقبل على الله يا عبد الله والتجئ إليه، فإنه سبحانه قد وعد، ووعده حق، وقوله صدق، أن من أقبل إليه ودعاه، فإنه سبحانه يحقق له كل ما يبغيه ويبتغيه، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. بره يا عبد الله على توحيدك لله، بما يكون من صدق اعتمادك على الله، مع أخذك بالأسباب. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.