التعليق على شرح علل الترمذي 36

التعليق على شرح علل الترمذي 36

الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أقسام الرواة وحكم التحديث من الكتاب دون حفظ

يقسم الحافظ الرواة إلى ثلاثة أصناف: الحافظ المتقن، ومن نسي ثم تذكر بكتابه، ومن يعتمد على التلقين فقط دون حفظ. وينقل خلاف العلماء في الأخذ عمن يحدث من كتابه ولا يحفظه، حيث منع مالك وأبو حنيفة ذلك مخافة الزيادة في الكتب، مع الإشارة إلى خطر إدخال الأحاديث في كتب المحدثين المتساهلين.

شروط التحديث من الكتاب وقبول رواية غير الحافظ

يرى جمهور العلماء جواز التحديث من الكتاب لمن لا يحفظ بشرط صيانة الكتاب من التحريف والوثوق بخطه، ويستدلون بأحوال رواة كيونس بن يزيد الذي اعتمد على كتابه رغم ضعف حفظه. ويشترطون عدم غيبة الكتاب عن صاحبه خشية التبديل.

شروط الاعتماد على الكتب والروايات الخطية

يُقبل الكتاب المنقول بالخط إذا عرف صاحبه خطه واطمأن إلى سلامته من التغيير، أو إذا كان يحفظ متن الكتاب، أو كان معروفاً بصيانة كتبه وعدم تسليمها إلا للثقات. وقد استند علماء كأحمد والخطيب وأبي زرعة إلى هذه المعايير في تصحيح الرواية من الكتب.

حكم الرواية من الكتاب المسترد عند معرفة الخط أو جهله

إذا غاب كتاب شخص ثم رجع إليه، جاز له الرواية منه إن عرف خط يده، أما إن لم يعرفه فقد يختلط خطه بغيره فلا يعتمد عليه. وهذا ملخص الحكم في قبول الرواية من الكتب المستردة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه واتبعه. قال الحافظ رحمه الله: وحاصل الأمر أن الناس ثلاثة أقسام: حافظ متقن يحدث من حفظه، فهذا لا كلام فيه. وحافظ نسي، فلقن حتى ذكر أو تذكر حديثه من كتاب، فرجع إليه حفظه الذي كان نسيه، وهذا أيضا حكم الحافظ. وكان شعبة أحيانا يذكر حديثه من كتاب. والقسم الثالث: من لا يحفظ شيئا وإنما يعتمد على مجرد التلقين، فهذا هو الذي منع أحمد ويحيى من الأخذ عنه. قال: واختلف العلماء أيضا في التحديث من الكتاب إذا كان المحدث لا يحفظ ما فيه وهو ثقة. قال مالك: لا يؤخذ العلم عن من هذه صفته، لأني أخاف أن يزاد في كتبه بالليل. يعني: لا يحفظ كتبه وإنما يعتمد اعتمادا كليا على الكتاب، وهذا قد يزاد في كتبه وهو لا يدري. وحكي أيضا عن أبي حنيفة رحمه الله على قوله: لا يجوز العرض على من لا يحفظ، وإن أمسك الكتاب، كما لا يجوز له أن يحدث من الكتاب ولا يحفظ. قال: لا، هذا أيضا لا يجوز، إذا كان يعتمد على كتابه فقط ولا يحفظ. ولهذا أدخل في كتب بعض المحدثين بسبب عدم حفظه لكتابه أحاديث، سواء كان من الوراقين أو من غيرهم ممن يعطونهم الكتب. أن بعض المحدثين يوجد عنده تساهل فيعطي كتابه أي أحد، فبعضهم يحب الإدخال، كأن الشهوة هكذا، فيدخل أشياء من عنده، وإن في رأسه شيئا، فيدخل حديثا لأجل أن يروج هذا الحديث عند الناس. قالوا: هكذا اشترط عثمان بن أبي شيبة في العرض أن يكون العالم يعرف ما يقرأ عليه. ورخص طائفة في التحديث من الكتاب لمن لا يحفظ، ورخص كما قال كثير من المحدثين أن صاحب الكتاب الذي لا يحفظ يحدث من كتابه. هذا بالنسبة للتحديث، لكن هل هذا الكتاب مقبول؟ فعند مالك وغيره أنه لا يؤخذ عنه، لكن أكثر أهل العلم أنه ما دام أنه يصون كتابه من وراق السوء والمبدلين، ولا يعطي كتابه أحدا، فهذا لا بأس إذا حدث من كتابه لا من حفظه. بعض المحدثين كان حفظه سيئا، مثل ما ذكر عن يونس بن يزيد الأيلي. قال وكيع: ذكرت يونس بن يزيد فوجدته سيء الحفظ، لكن كان يعتمد على كتابه. يقول ابن المبارك: رأيت كتاب يونس ومعمر كأنما خرج من مشكاة واحدة، فكان يضبط كتابه، ولهذا صار من حفاظ أصحاب الزهري. فإن كان في حفظه شيء حتى تكلم عنه الإمام أحمد، لكن ما دام أنه يصون كتابه ويحافظ على كتابه فلا شك أنه يقبل، بل قد يكون أفضل من من يحفظ، أن الكتاب يبقى. قال: ورخص طائفة منهم في التحديث من الكتاب من لا يحفظ: منهم مروان بن محمد الفزاري، وابن عيينة، وابن مهدي، ويحيى بن معين، وغيرهم. وهذا إذا كان على الخط المعروف الموثوق به، والكتاب محفوظا عنده. فإن غاب عنه كتابه ثم رجع إليه، فكان كثير منهم يتوقى الرواية منه خشية أن يكون غُيِّر فيه شيء. إذا كان هذا الكتاب يعطيه الناس ويغيب عنه، فهذا غالبا قد يغير، فمثل هذا لا يعتمد عليه. قال: ومنهم ابن المبارك، والأنصاري، ورخص فيه يحيى بن سعيد القطان. وقال أحمد في رجل يكون له السماع مع الرجل: أيل له أن يأخذه بعد سنين؟ قال: لا بأس، إذا عرف الخط، أن هذا خطه، فلا بأس، حتى لا يدخل عليه غيره. قال أبو بكر الخطيب في الكفاية: إنما يجوز هذا إذا لم ير فيه أثر تغيير حادث من زيادة أو نقصان أو تبديل، وسكنت نفسه إلى سلامته. قال: وعلى ذلك يحمل كلام يحيى بن سعيد. قلت: وكذا إن كان له فهم معرفة بالحديث، وإن لم يكن يحفظه. فقد قال أبو زرعة لما رد عليه كتابه ورأى فيه تغييرا: أنا أحفظ هذا، ولو لم أحفظه لم يكن ليخفَ عليّ، حتى إذا لم أحفظه فسأعرف خطي من غيره. وقال أحمد في الكتاب قد طال على الإنسان عهده لا يعرف بعض حروفه، فيخبره بعض أصحابه، ما ترى في ذلك؟ قال: إذا كان يعلم أنه كما في الكتاب فليس به بأس. نقله عنه ابن هانئ. فخلاصة الأمر: أن من كان عنده كتاب، فإن كان يحفظ هذا الكتاب فهذا سلامة. وأما إذا كان لا يحفظ الكتاب، فإن كان ممن يعرف بصيانة كتابه ولا يعطيه أحدا إلا من كان من أصحابه الثقات، فهذا كتابه صحيح. وأما من غاب عنه كتابه وأعطاه ناس ثم رجع إليه، فهذا إن كان عرف خطه فإنه لا بأس أن يحدث من ذلك الكتاب، وإلا فإن كان لا يعرف خطه فقد يختلط خطه بغيره. هذا خلاصة ما ذكره في هذا الباب. شكرا شكرا شكرا