الدرس في شرح العقيدة الواسطية 53، ألقاها
يشرح مذهب أهل السنة والجماعة في كلام الله تعالى، مؤكدين أنه متكلم إذا شاء، وكلامه صفة قائمة بذاته. ينتقد آراء المعتزلة والأشاعرة، ويبين أن كلام الله أزلي باعتبار نوعه وحادث باعتبار آحاده.
يعرّف الكلام بأنه اللفظ المفيد الذي يتكون من حرف وصوت ويحمل معنى. يبين أن الله تعالى تكلم بالوحي بصوت وسيخاطب عباده يوم القيامة بصوت، ولا تشبه أصواته وحروفه أصوات المخلوقين.
يناقش مفهوم كلام الله وعلاقته بالحروف والأصوات، موضحا أنه حقيقي ويتضمن حروفا ومعاني. يجمع بين أقوال العلماء بأن كلام الله كلي مشترك يصبح صفة لله عند إضافته إليه، فلا يماثل صفات المخلوقين.
الصفات المضافة إلى الله تعالى تنزهه جل جلاله ولا تماثل صفات المخلوقين. الدعاء والاستغفار والتسبيح من أهم العبادات التي تقرب العبد من ربه.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى: وخلاصة مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة أن الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء، وأن الكلام صفة له قائمة بذاته، يتكلم بها بمشيئته وقدرته. فهو لم يزل ولا يزال متكلما إذا شاء. وما تكلم الله به فهو قائم به، ليس مخلوقا منفصلا عنه كما تقول المعتزلة، ولا لازم لذاته لزوم الحياة لها كما تقول الأشاعرة، بل هو تابع لمشيئته وقدرته. وكما تكرر معنا مرارا أن الله عز وجل -كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى- أن الله عز وجل ما أمر بأمر إلا وكان الشيطان فيه نزغتان: نزغة إلى إفراط وإضاعة، ونزغة إلى تفريط وتقصير. وماذا؟ وتضييع. كما قال رحمه الله تعالى: «أمر دين الله عز وجل وسط بين الغال فيه والجاف عنه، كالوادي بين جبلين». إذا نظرنا إلى كلام المعتزلة وكلام الأشاعرة والكلابية، وهم أشهر الطوائف في هذه المسألة، وجدنا قولهم طرفين نقيم. المعتزلة يقولون: إن كلام الله عز وجل مخلوق، إن الله عز وجل كلامه مخلوق، والكلام لا يكون إلا بصوت وحرف. ويقولون: إن الله عز وجل قد ثبت عندنا وعند الكل بكتاب الله عز وجل أن الله عز وجل تكلم مع من شاء من خلقه: مع آدم، ومع نوح، ومع موسى، وكذلك مع محمد، وكذلك مع من شاء من خلقه من الملائكة ونحوهم. فدل هذا على أن كلام الله حادث، وكل حادث فهو مخلوق. وفي الطرف الثاني الأشاعرة والكلابية -أو قل الأشاعرة الكلابية، لأن أصل مذهب الأشاعرة مأخوذ من الكلابية- قالوا: إن كلام الله عز وجل قديم أزلي نفساني. وأما هذه الحروف والأصوات الموجودة التي كلم الله عز وجل بها من شاء من خلقه، والتي كذلك تكلم الله عز وجل بها، فأنزل القرآن، وتكلم في التوراة والإنجيل ونحوها، فهذه قالوا: ليست من كلام الله، وإما أن نقول بأنها عبارة -أو قالوا حكاية-. الأشاعرة قالوا: عبارة، والكلابية قالوا: حكاية. إذن اتفقوا على أن الكلام الذي تكلم الله به متى شاء كلام مخلوق، على أنه كلام مخلوق. وخالفت الأشاعرة المعتزلة في كونه هذا كلام من كلام الله عز وجل، وهو كلام أزلي. الأشاعرة يقولون: أزلي، وهؤلاء يقولون: حادث. وواضحة جماعة، وكما ذكرنا: الحق وسط بين هؤلاء وهؤلاء. فكلام الله عز وجل باعتبار نوعه كلام أزلي، تكلم الله به سبحانه وتعالى أزلا، وتكلم به ربنا عز وجل متى شاء كيف شاء مع من شاء من خلقه سبحانه وتعالى. وهو بهذا الاعتبار -أي باعتبار آحاده وأفراده- صفة حادثة. فكلام الله عز وجل باعتبار أفراده وآحاده من صفات الله عز وجل الفعلية؛ لأنه يتكلم متى شاء مع من شاء بما شاء كيف شاء سبحانه وتعالى. تكلم متى شاء بالعربية، ومتى شاء بغيرها، كما كلم موسى بلغته، وكلم من شاء سبحانه وتعالى بما يفهمونه. وهكذا فالحاصل أن الله يتكلم متى شاء مع من شاء بما شاء كيف شاء سبحانه وتعالى. فهو بهذا الاعتبار من صفات الفعل؛ لأنه متعلق بمشيئة الله. نقول: تكلم متى شاء، فهو متعلق بمشيئة الله. وباعتبار نوع الكلام، كلام الله جل وعلا أزلي؛ لأنه تكلم به بالأزل. فباعتبار النوع هو أزلي، وباعتبار الأفراد والأحد هو فعلي. ولا منافاة بين هذا وذاك؛ لأن الكل من كلام الله عز وجل، وحقيقة المتكلم أنه يتكلم متى شاء بما شاء كيف شاء بصوت وحرف. ولا يسمى الكلام كلاما إلا أن يكون لفظا مفهما، ولا يكون لفظا مفهما إلا بصوت وحرف. وهذا باتفاق أئمة السنة رحمهم الله تعالى: أن الكلام لا يكون إلا بحرف وصوت، لابد أن يكون لفظا مفهما. وكما قال الإمام ابن مالك رحمه الله تعالى في الألفية: «كلامنا لفظ مفيد كاستقم». يعني: كاستقم لفظ ماذا؟ مفيد؛ لأنه لفظ بصوت وحرف، ولأنه مفيد. مفيد: لقال إنسان لإنسان: استقم، فهم منه معنى أم لا فهم منه معنى؟ وهو بحرف وماذا؟ وصوت. فهذا هو حقيقة الكلام: ما تكوّن من حرف وصوت، وكان له معنى. قال رحمه الله تعالى: والله سبحانه نادى موسى بصوت، ونادى آدم وحواء بصوت، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت. قوله رحمه الله: «والله سبحانه نادى موسى بصوت» كما قال الله عز وجل: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي﴾، وكما قال الله عز وجل في موسى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾. فالله جل وعلا كلم موسى عليه السلام كلاما حقيقيا. قال: «ونادى آدم وحواء بصوت» وناداهما: «ألم أنهكما عن تلكما الشجرة». فالله عز وجل خاطبهما وناداهما. قال: «وينادي عباده يوم القيامة بصوت وحرف» كما جاءت في ذلك الأحاديث الكثيرة الدالة على هذا المعنى: على أن الله عز وجل ينادي عباده، بل ويدنوا من عباده، ويناجيهم: «يا عبدي، ألم تفعل كذا ألم تفعل كذا في يوم كذا؟» كما جاء في الصيحة من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وأرضاهما. قال رحمه الله تعالى: «ويتكلّم بالوحي بصوت» كما دل على هذا الكتاب والسنة، كما قال الله عز وجل عن حال الملائكة إذا تكلم بالوحي: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾. وكذلك جاءت السنة بهذا المعنى: أن الله عز وجل إذا تكلم بالوحي كان لصوته جرجرة الجرس -أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-. قال: «فإذا سمعت الملائكة خرّ السجدا» -أو كما قال صلى الله عليه وسلم-. فهو يتكلم بصوت إذا تكلم بالوحي، يتكلم بصوت. فهو يخاطب سبحانه وتعالى يخاطب جبريل، وجبريل رسول بين الله عز وجل وبين رسله وأنبيائه. قال: «ولكن الحروف والأصوات التي تكلم الله بها صفة له غير مخلوقة، ولا تشبه أصوات المخلوقين وحروفهم». كما أن علم الله القائم بذاته ليس مثل علم عباده؛ فإن الله لا يماثل المخلوقين في شيء من صفاته. يقول الشيخ عبد الهراس رحمه الله: «وليس معنى أن الله تكلم بحرف وصوت أن الحروف والأصوات التي تكلم الله بها صفة له». قال: «معنى أن صفة له، وما كان صفة له فهو ليس بمخلوق». قال: «ولا تشبه أصوات المخلوقين وحروفهم». هذه العبارة اعترض عليها العلامة العثيمين رحمه الله تعالى، فقال: «فيه نظر من وجهين». قال: «الأول: بأنه جمع الصوت في قوله: أصوات». ولكن الحروف هو الأصوات. يقول: «جمع الأصوات، فإن ظاهره إن لله أصواتا متنوعة، وهذا ما لا سبيل إلى إثباته أو نفيه». ما عندنا جل حتى نثبت أن له أصوات أو ننفي أن له أصوات. فإذا كان كذلك فالتوقف. يقول الشيخ: «والوارد عن نبي صلى الله عليه وسلم: فينادي بصوت -يرحمك الله- فينادي بصوت، ولم يرد أصوات بالجمع». فإن أراد بالجمع الآحاد -أي أن جمعه باعتبار آحاده- أفاد الجمع باعتبار الآحاد: أي أن الله تكلم وتكلم وتكلم وتكلم، فباعتبار مجموع الآحاد يسمى أصواتا. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «وأراد به اختلاف صفاته، فتارة يكون مناداه، وتارة مناجاه -كما في قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾، ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾- فهذا صحيح». واضح: جمع أم لا؟ فالشيخ رحمه الله تعالى يقول: إذا أراد بالأصوات أن الله عز وجل أصوات كثيرة باعتبار الصوت نفسه -يعني مثلا: تارة صوت جهوري، وتارة دون ذلك- يقول الشيخ: «هل يحتاج إلى ماذا؟ إلى برهان. لا نثبت ولا ننفي؛ لأنه ليس عندنا دليل على إثباته، وليس عندنا دليل على نفيه، فيتوقف فيه». يقول: «لكن إذا أراد بالأصوات أفراد آحاد الأفراد والآحاد في الكلام -أي تارة ينادي، وتارة يناجي، وتارة يكلم كيف شاء- فبهذا الاعتبار تكون هذه أصواتا؛ لأنه تارة النداء، وتارة بمناجاة، وتارة بوصف آخر». فيقول: «بهذا الاعتبار نعم، وإلا فلا». قال الشيخ العثيمين: «الاعتراض الثاني: في قوله: إن الحروف التي تكلم الله بها لا تشبه حروف المخلوقين». قال: «فإننا نعلم أن كلام الله -أو فإننا نعلم أن الكلام- هو الحروف والمعاني». قال: «هذا مذهب أهل السنة». قال: «ومن المعلوم أن الحروف التي في القرآن هي الحروف التي تكلم الله بها، وهي أحرف المخلوقين التي يكون العرب منها لغتهم وكلامهم». قال: «ولا ضرورة في إثبات كلام الله بهذه الحروف التي يتكلم بها الناس». واضحة جماعة. يقول: «بهذه الحروف التي يتكلم الناس بها، فإن هذا هو المعقول من قولنا: إن كلام الله الحروف والمعاني». وإلا لكاد: «هذه الحروف عبارة أو بدلاً عن حروف أخرى لا يعلمها أو لا نعلمها، فتخرج بذلك عن أن تكون كلام الله». قال: «وهذا خلاف مذهب أهل السنة». ووضح هذا جماعة: يعني وضح كلام الشيخ العثيمين واعتراضه في هذا المعنى. يقول الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى: «الاعتراض الثاني: في القرآن من كلام الله عز وجل، وإذا نظرنا إلى الحروف التي في القرآن وجدناها هي الحروف التي تكلم بها العرب». قال: «فإذا كان كذلك، فيدل على أن الكلام الذي تكلم الله عز وجل به تكلم بالحروف المعروفة التي تكلمت بها العرب». لا كما يقول الشيخ الهراس. يقول: «هذا هو الصواب». ثم ذكر لازما من قول هراس، قال: «يلزم من قوله: بأن الحروف التي تكلم الله بها ليست تشبه كلام مخلوقين». قال: «هذا معناه: أن الله عز وجل لم يتكلم بهذه الحروف حقيقة، وإنما هذه الحروف التي تكلم الله عز وجل بها -ثم هي بلغة العرب- هي عبارة أو حكاية عن كلام الله». واضحة جماعة. قال: «فيلزم منه لازما باطلا». وهذا القول لا يتأتي على مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون: «إن الله عز وجل تكلم بحروف وأصوات حقيقة». قال الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى: وإن الله -وهو يتكلم أيضا على كلام الله عز وجل- قال: «وإن الله تعالى يتكلم بصوت، وليس كأصوات العباد: لا صوت القارئ ولا غيره». قال: «فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق، ولا معانيه معانيه، ولا حروفه تشبه حروفه، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد». فمن شبه الله بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته. ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على هذا الكلام الإجماع. واضح جماعة. كلام شيخ الإسلام وافق لكلام من؟ وافق لكلام الرأس. طيب: فما الجمع بين قول الشيخ العثيمين -وكما تراه كلامه وجيه- وبين هذا القول؟ فالجمع بينهما -والله أعلم- أن الله عز وجل تكلم بالحروف العربية حقيقة. لكن لما تكلم الله عز وجل بها صارت صفة لله عز وجل: أي صار كلاما بحروفه ومعانيه وصوته صفة لله عز وجل. وما كان صفة لله عز وجل فإنه لا يماثل صفات المخلوقين. فرق بين الأصل الكلي المشترك وبين ما أضيف إلى معين. فكلام شيخ الهراس وكلام شيخ الإسلام العثيمين -الذي نقل عليه الإجماع- محمول على الكلام المعين المضاف إلى الله عز وجل؛ فإنه لا يماثل صفات المخلوقين. وأما كلام الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى فإنه ينصب على الكلام العام الكلي المشترك. فإن الكلام لا يفهم إذا قيل: الكلام، إلا ما كان من كلام مخلوقين بحروفهم. وعلى هذا يتنزل الكلام. فباعتبار المطلق الكلي، الكلام مشترك. باعتبار المطلق الكلي من دون إضافة إلى معين، فهو مطلق كلي مشترك عام في كلام كل متكلم. الحروف بهذا الاعتبار تكون هي الحروف. لكن بعد إضافتها إلى متكلم، كانت تلك الحروف وتلك المعاني مضافة إلى ذلك المتكلم. وما كان مضافا إلى ذلك المتكلم فهو من صفاته. وإذا كان من صفاته فإنه لا يماثل صفات الآخر. فما أضيف إلى الله عز وجل من الكلام فهو بحرف وصوت ومعنى. وهذه الحروف والأصوات والمعاني مضافة إلى الله عز وجل. وما كان مضافا إلى الله عز وجل فهو من صفاته، وصفات الله عز وجل لا تماثل صفات المخلوقين؛ بل هي تنزهه جل جلاله، ومضافة إليه سبحانه وتعالى. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. اشتركوا في القناة.