الدرس في شرح العقيدة الواسطية 85، ألقاها
يتبع أهل السنة والجماعة آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا، ويقدمون كلام الله تعالى وهدي النبي على غيرهما. يعتمدون في ذلك على الأصول الثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع.
يسير أهل السنة والجماعة على نهج السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ولا يستقلون بفهم النصوص بل يفهمونها على فهم الصحابة وأئمة الإسلام. بهذا يعتبرون متبعين وليسوا مبتدعين.
الأصول الثلاثة التي اعتمدتها الأمة الإسلامية للتمييز بين الحق والباطل هي الكتاب والسنة والإجماع. من يتبع هذه الأصول ويتحلى بمكارم الأخلاق يعد من أهل السنة والجماعة.
أهل السنة والجماعة بالأبدال هم الذين اختارهم الله للعلم والخير والصلاح، ويتميزون بخلافة بعضهم البعض. هذا التعريف مستمد من شرح الشارخ رحمه الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فصل، ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا، واستباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة». ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد صلى الله عليه وسلم على هدي كل أحد. ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة، فسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة. وإن كان نعت الجماعة قد صار اسما لنفس القوم المجتمعين. والاجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين، وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين. والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشر في الأمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فصل، فقد تقدم معنا أن الفصل يتحدث عن الفصل بين موضوعين. قول رحمه الله: «ثم من طريقة أهل السنة والجماعة» قوله: «من طريقة» أي من منهاج أهل السنة والجماعة، ومن هدي أهل السنة والجماعة، وكذلك مما يسير عليه أهل السنة والجماعة. قال: «اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا» وقوله: «باطنا وظاهرا» يدل على الاتباع العام المطلق، لا كما يفعل بعض الناس من اتباع آثاره صلى الله عليه وسلم ظاهرا دون باطن، أو متابعة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يناسبه ويهواه ويوافق هواه ويوافق رأيه. وأما ما خالف هواه ورأيه خالفه، وتمسّك للتأويلات، وكذلك التحليلات المبعدة له عن المراد. وقوله: «واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم» حيث قال: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ» الحديث، فيه كذلك بيان لمنهج أهل السنة والجماعة من أنهم متبعون وليسوا بمبتدعين؛ لأنهم يسيرون على منهاج النبوة، وعلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأعمال والأحوال الظاهرة والباطنة. وكذلك لا يستقلون بفهم ما جاء عن الله جل وعلا أو ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنفسهم، بل يفهمون ما جاء عن الله وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على فهم الصحابة الكرام وأئمة الإسلام الذين اتبعوا بإحسان؛ لأنهم بذلك أعلم بمقاصد الشريعة وما أراد الله جل وعلا أو رسوله من ذلك النص، وما لم يرد. وهذا كما يقول العلماء: فصل بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم؛ فجميع الطوائف تدعي الأخذ بالكتاب والسنة، ولكن لا يدعي أحد أنه يأخذ بما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم رضي الله عنهم وغفر لهم. لذا تجد بعض هؤلاء ممن خالف أهل السنة والجماعة يقول في طريقة السلف بأنها «أسلم» وهل يتبعها؟ لا؛ لأنه في المقابل يقول: «وطريقة الخلف أعلم وأحكم». وهذه القاعدة وإن كانت باطلة، وآخرها يبطل أولها، مع هذا كله في كلامهم هذا إلماح إلى أن مذهب الخلف أولى وأفضل من مذهب السلف؛ لأنه أعلم وأحكم. قال الشارح رحمه الله: قوله «ثم من طريقة أهل السنة» إلى آخره، هذا بيان لمنهج أهل السنة والجماعة في استنباط الأحكام الدينية كلها، أصولها وفروعها، بعد طريقتهم في مسائل الأصول. وهذا المنهج يقوم على أصول ثلاثة: أولها كتاب الله عز وجل، الذي هو أصدق الكلام وأحسنه، فهم لا يقدمون على كلام الله كلام أحد من الناس. وثانيها: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أثر عنه من هدي وطريق، لا يقدمون على ذلك هدي أحد من الناس. وثالثها: ما وقع عليه إجماع السلف الأول من هذه الأمة، قبل التفرق والانتشار وظهور البدع والمقالات. وما جاءهم بعد ذلك مما قاله الناس وذهبوا إليه من المقالات، وزنوه بهذه الأصول الثلاثة التي هي الكتاب والسنة والإجماع، فإن وافقها قبلوه، وإن خالفها ردوه، أيا كان قائله. وهذا هو المنهج الوسط والصراط المستقيم الذي لا يضل سالكه ولا يشقى من اتبعه. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فصل، ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء، أبرارا كانوا أو فجارا، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»، وشبك بين أصابعه. وقوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضوا تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء. قال الشارح رحمه الله: قوله «ثم هم مع هذه الأصول» إلى آخره، جمع لمكارم الأخلاق التي يتخلق بها أهل السنة والجماعة، من الأمر بالمعروف، وهو ما عرف حسنه بالشرع والعقل، والنهي عن المنكر، وهو كل قبيح عقلا وشرعا، على ما توجبه الشريعة من تلك الفريضة. وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، وأولي المناقب المأثورة والفضائل المذكورة. وفيهم الأبدال، وهم جمع بدل، وهم الذين يخلف بعضهم بعضا في تجديد هذا الدين والدفاع عنه. قال الشارح رحمه الله: وأما الأبدال، فقد مر معنا قبل أيام قليلة في شرح حديث: «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها». والمراد بأهل السنة والجماعة بالأبدال: هو ما ذكره الشارح رحمه الله تعالى هنا، من أنهم الذين جعلهم الله جل وعلا من أهل العلم والخير والصلاح، الذين يخلف بعضهم بعضا. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.