الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 19، ألقاها
يشرح المقطع اعتقاد أهل السنة في إثبات صفة النزول لله تعالى كل ليلة دون تشبيه أو تكييف، ويبين أنها من الصفات الفعلية. يُؤكد على إثبات هذه الصفة على الوجه اللائق بالله تعالى.
يناقش المقطع أقسام الصفات الثابتة لله تعالى إلى ذاتية وفعلية، ويناقش تقسيماتها الفرعية. يُوضح أن الصفات الفعلية تتعلق بمشيئة الله تعالى.
يُبين الشرح أن صفات الله تعالى تختلف عن صفات المخلوقين، ويستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن صوت الله تعالى. يُظهر الفرق بين صفات الخالق والمخلوق.
يشرح المقطع صفة سمع الله تعالى، ويبين أنه يسمع جميع الأصوات في آن واحد دون أن يشغله سماع عن آخر، مما يدل على كمال صفته.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابونى رحمه الله تعالى: «يثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله تعالى». قوله رحمه الله: «يثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين»، هذا مما يثبته أهل الحديث والسلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم، يثبتون هذه الصفة التي هي صفة النزول إلى سماء الدنيا في الثلث الآخر من الليل. وهذه الصفة، أي صفة نزول الرب تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا كل ليلة، من الصفات الفعلية التي يفعلها الرب تبارك وتعالى كيف شاء، فهي من الصفات الفعلية باعتبار أفرادها، ونوعها من الصفات الفعلية باعتبار الأفراد، أي أنه كل ليلة ينزل، فهذا يدلنا على أنه من الصفات الفعلية بهذا الاعتبار، وباعتبار النوع الذي هو مجموع نزول الرب تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا، كذلك هو من الصفات الفعلية الحادثة، أي التي أحدثها الله تبارك وتعالى كيف شاء بعد خلقه للسماوات والأرض. لأن نزولهم نزول مخصوص إلى السماء الدنيا، كما جاء ذلك مصرحا في الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما سيأتي معنا ذكر شيء منها. فالحاصل أن صفة النزول هي من الصفات الفعلية التي يفعلها الله تبارك وتعالى كيف شاء، متى شاء سبحانه وتعالى. فأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة كغيرها من الصفات على الوجه اللائق بالله تبارك وتعالى، لأن صفة من صفاته جل وعلا، وصفاته جل وعلا لا تماثل صفات المخلوقين، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فهذه الصفة كغيرها من الصفات التي يثبتها أهل السنة والجماعة لله تبارك وتعالى، إثباتا من غير تمثيل، وتنزيها لله تبارك وتعالى على النقص والعيب، ومنه التمثيل، وتنزيها من غير تعطيل. فأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة كغيرها من الصفات لله تبارك وتعالى على الوجه اللائق بالله تبارك وتعالى، اللائق بجلاله، اللائق بعظمته جل وعلا. وقولنا بأنه من الصفات الفعلية يجرنا إلى معرفة أقسام الصفات الثابتة لله تبارك وتعالى، فصفات الرب تبارك وتعالى منها ما هي صفات ذاتية، ومنها ما هي صفات فعلية، ومنها ما هي صفات ذاتية فعلية باعتبار أو باعتبارين. فالصفات الذاتية هي الصفات التي لا تنفك عن الله تبارك وتعالى بحال، ولا يتصور أن تنفك عن الله تبارك وتعالى بحال، وهي على قسمين: صفات ذاتية معنوية، وصفات ذاتية خبرية. فالذاتية المعنوية كعلم الله، كسمع الله، كبصر الله، هذه صفات ذاتية وهي كذلك معنوية، معنوية أنها تدرك بالخبر وتدرك كذلك بالعقل. وصفات خبرية وهي التي لا تدرك إلا بالخبر، ذاتية خبرية مثل الوجه، اليدين، وما شابه ذلك من الصفات الخبرية، فهي صفات ذاتية للرب جل وعلا، وهي صفات خبرية لا تدرك إلا بالخبر. وصفات فعلية كما سمعتم، وهي كذلك تنقسم إلى قسمين: إلى صفات فعلية خبرية، وإلى صفات فعلية معنوية. الفعلية الخبرية هي كذلك التي لا تدرك إلا بالخبر، مثل نزول الرب تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا، مثل استواء الرب جل وعلا على عرشه، مثل الضحك، الفرح، هذه صفات لو لم يأت الخبر لما أدركناها بالعقل، فلما جاء الخبر أدركناها وعلمنا أن الله تبارك وتعالى متصفا بها. وصفات فعلية معنوية، التي تدرك بالخبر والعقل مثل الإحياء والإماتة والرزق وما شابه ذلك، هي صفات فعلية يفعلها الله تبارك وتعالى، وهي تدرك بالعقل، إذ أن الرب تبارك وتعالى لابد أن يكون خالقا، أن يكون رازقا، أن يكون محيا مميتا، فهي صفات تثبت بالخبر وتثبت كذلك وتدرك بالعقل. وضابط الصفات الفعلية هي ما تعلقت بمشيئة الله تبارك وتعالى، يفعلها الله تبارك وتعالى متى شاء كيف شاء، سميت صفات فعلية لأنها متعلقة بفعل الله، وبمشيئة الله تبارك وتعالى، فسميت صفات فعلية لأن متعلقها فعل الرب تبارك وتعالى، يفعلها متى شاء كيف شاء على وفق حكمته تبارك وتعالى. وصفات فعلية باعتبار وذاتية باعتبار آخر، مثل صفة الكلام، مثل صفة الإرادة، مثل صفة الفعل، هي باعتبار أفرادها حادثة، يفعلها الله تبارك وتعالى متى شاء كيف شاء، وباعتبار نوعها هي أزلية، فهي صفات ذاتية باعتبار النوع، وصفات حادثة فعلية باعتبار أفرادها. فصفة النزول كما سمعتم هي من الصفات الفعلية الخبرية التي يفعلها الله تبارك وتعالى كيف شاء، لذا قال الشيخ رحمه الله: «ينزل». قال: «يثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة»، هذه آحاد هذه آحاد الفعل، آحاد النزول من الصفات الفعلية، وكذلك نوع النزول من الصفات الفعلية، لأن الله تبارك وتعالى فعلها بعد خلق السماوات، فهي ليست بأزلية، لأن الله فعلها بعد خلق السماوات، أي فعل النزول. أما باعتبار الفعل، فالله تبارك وتعالى فعله كما تقدم من الصفات الذاتية باعتبار نوعه، بخلاف الأفراد فإنه من الصفات الحادثة. قوله رحمه الله تعالى: «كل ليلة إلى سماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين»، ومعنى من غير تشبيه له بصفات المخلوقين، بمعنى لا يقول قائل إذا كان ربنا تبارك وتعالى ينزل، يلزم من ذلك خلو مكان وشغل مكان آخر، نقول هذا اللازم ليس بلازم، هذا لازم بحق المخلوق التي أدركته عقولنا أنه إذا تحرك أو نزل من مكان إلى مكان أفرغ مكانا وشغل مكانا آخر، لكن في حق الرب تبارك وتعالى ليس الأمر كذلك، لأن أفعال الرب تبارك وتعالى ليست كأفعال المخلوق، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. كيف يستطيع إنسان أن يتصور أن الله تبارك وتعالى إذا نزل أنه يفرغ مكانا ويشغل مكان آخر؟ هذا يقال في حق المخلوق، ولا يتصور إلا في حق المخلوق، لا يتصور في حق رب الأرض والسماوات الذي يقول للشيء كن فيكون. وصدق الله تبارك وتعالى إذ يقول: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. فالذي يتصور هذا التصور ما قدر الله حق قدره، إذ أنه لو قدر الله تبارك وتعالى حق قدره لما خطر بباله هذه المقالة، ولا ألم بقلبه هذا الفكر، إذ أن هذا لا يكون إلا في حق المخلوق، والله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. لذا قال: «من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف»، إذ أن ذلك لا يكون ولا يتصور إلا ممن مثل نزول الخالق جل جلاله بنزول المخلوق، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. إذا تأملنا إلى حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا فيه الفرق بين صفة الخالق جل وعلا وبين صفة المعلق، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن الله جل وعلا ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب». نتأمل في هذا المعنى، يظهر لنا أن صفات الخالق جل وعلا ليست كصفات المخلوق، إذ أن صفات المخلوق، المخلوق إذا نادى إذا تكلم بصوت، هل يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب؟ الجواب: لا. لذا علق على هذا الحديث الإمام البخيرى رحمه الله تعالى في كتاب خلق أفعال العباد بقوله: «ومنه يظهر الفرق بين كلام الخالق جل وعلا وبين كلام المخلوق». ونحن نقول: ومنه كذلك يظهر الفرق بين صفات الخالق جل وعلا وبين صفات المخلوق. فصفات الخالق جل وعلا ليست كصفات المخلوق، المخلوق لو سمع إنسانا يتكلم وسمع آخر ثالث رابع، هل سيكون سماعه لأصوات الثلاثة والأربعة سواء؟ الجواب: لا، سينشغل بسماعه واحد عن الآخر. والله تبارك وتعالى يسمع جميع الأصوات، جميع الأصوات أصوات الإنس والجن والملائكة والحشرات والحيوانات وكل شيء سبحانه وتعالى في آن واحد، لا يشغله سماعه صوت عن صوت، ومنه يعلم كمال صفة الرب تبارك وتعالى وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت إلى هنا. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.