شرح عقيدة السلف للصابوني 51

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 51، ألقاها

القدرية والجبرية وآرائهم في القضاء والقدر

تناول المقطع آراء القدرية والجبرية في القضاء والقدر، حيث غلا القدرية في إثبات القدرة للعبد، بينما جعلت الجبرية العبد مسلوب الإرادة. يُبيّن أن القدرية يُقسّمون إلى غلاة ودونهم.

تحليل آراء القدرية والجبرية الفقهية والرد عليها

يناقش آراء القدرية والجبرية الفقهية، حيث يرى القدرية أن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، بينما يعتقد الجبرية أن العبد لا يفعل شيئًا. يُبين آراء السلف والأئمة في هاتين الفرقتين.

الرد على مفهوم الكسب عند الأشاعرة

يناقش مفهوم الكسب عند الأشاعرة ويبين أنه يؤدي إلى الجبرية، ويعرض انتقادات العلماء لهذا المفهوم ويستدل بالآيات لإثبات أن العبد له مشيئة وإرادة.

ختام الجلسة بالتسبيح والاستغفار

يتم ختام الجلسة بالتسبيح والاستغفار، يشكر المتحدث الله تعالى على نعمه ويطلب العفو، ينهي كلامه بالاستغفار والتوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي أن الناس في مسألة القضاء والقدر على طرفين ووسط، فالقدرية غلوا في إثبات القدرة للعبد حتى جعلوه هو الفاعل لفعله استقلالًا، وسلبوا عن الله جل وعلا القدرة، فقالوا بأن الله جل وعلا ليس له قدرة على العبد، ولا مشيئة على العبد، ولا إرادة على العبد، وأن العبد يفعل ما يشاء. وفي المقابل، كما سمعتم، الجبرية القائلون بأن العبد مسلوب الإرادة والقدرة والمشيئة، وأن الله جل وعلا هو الفاعل في العبد حقيقة، فروا على هذا بأن الله جل وعلا إذا حصل منه الإيمان فذلك فعل الله جل وعلا، وإذا حصل منه الكفر والفسوق والعصيان قالوا: هذا كذلك فعل الله جل وعلا، تعالى الله عن تلك الأقوال علوًا كبيرًا. فالقدرية جعلوا العبد خالقًا لفعله مع الله جل وعلا، فقالوا بأن العبد يفعل ما يشاء وهو الذي يخلق فعله بنفسه، ولذا سموا مجوس هذه الأمة، القدرية سماهم النبي صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة، كمجافي الحديث الذي يحسنه جماعة من العلماء، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى، والذي في هذا المعنى أن القدرية مجوس هذه الأمة؛ وذلك لأنهم جعلوا خالقين، خالق العباد هو الله جل وعلا، وخالق أفعال العباد وهم العباد، فجعلوا للكون خالقين، فكانوا مجوس هذه الأمة لأنهم أشبه المجوس بأن المجوس جعلوا للكون خالقين، خالق النور وخالق الظلمة، فوقعوا في الشرك في الربوبية من هذا الباب. ثم إن القدرية كما يقول علماء رحمهم الله تعالى على قسمين: غلاة ودونهم، والغلاة هم الذين نفوا عن الله جل وعلا العلم والكتابة، أي من مراتب القضاء والقدر؛ لأن مراتب القضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة أربعة، مراتب القضاء والقدر أربعة، أولها العلم، وثانيها الكتابة، وثالثها المشيئة، ورابعها الخلق، كما دلت الأدلة الكثيرة على ذلك. قال الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، فقول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، يعلم، ففيه إثبات العلم لله رب العالمين جل وعلا، وفيه كذلك إثبات الكتاب لله جل وعلا: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾، وأدلة ذلك كثيرة. والمشيئة كذلك يدل عليها قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، والخلق قول الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، فالخلق كلهم خلقهم الله جل وعلا، فهذه مراتب القضاء والقدر. القدرية الغلاة نفوا المراتب كلها، فنفوا أن الله جل وعلا يعلم الشيء قبل وقوعه، ونفوا كذلك الكتابة، ونفوا مشيئة الله جل وعلا في العبد، فجعلوا الله جل وعلا ليس له مشيئة ولا إرادة على العبد، بل العبد يفعل ما يشاء، والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وهؤلاء يقولون: بأن العبد يفعل ما يشاء، كذلك يقولون: بأن العبد هو الخالق لفعله بنفسه. وإن كان الله جل وعلا خالق العباد، خالق الخليقة، إلا أن خلق أفعال العباد هي خلق للعباد؛ لأنها من كسب العباد، وما كان كسبًا للعباد فهو مخلوق للعباد، وهذه الفرقة التي هي غلاة القدرية أجمع السلف على كفرهم، كما نقل الإجماع على ذلك غير واحد؛ كالقاضي عياض وابن القيم وغيرهم، رحمهم الله. وقد جاء معنى ذلك في صحيح مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، حينما جاء إليه بعض التابعين يسألانه عن من تكلم في القدر في زمانهم، فقال لابن عمر: قد ظهر عندنا أناس يقولون: بأن الأمر أنف، وأن الله جل وعلا لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، فهؤلاء منكرون للعلم، فقال ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه: قال أخبرهم بأن ابن عمر منهم بريء، وأنهم منه براء، والله لا يؤمن، وهذا حكم على الكفر، والله لا يؤمن حتى يؤمنوا بالقدر. ثم أسند عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث جبريل الطويل الذي ذكر فيه الإسلام والإيمان والإحسان، فهذا قول القدرية الغلاة، وهذه الفرقة كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى وغيره من الأئمة أنها انقرضت بفضل الله جل وعلا ورحمته، انقرضت هذه الفرقة. وقد كان السلف الأول، لا سيما من التابعين وتابعيهم، يقولون في هؤلاء: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا خصموا، وإن أنكروا كفروا؛ أي إن أقروا بعلم الله جل وعلا انتهت شبههم أصلًا ورأسًا في مسألة القضاء والقدر، وإن كانوا يقولون: بأن الله جل وعلا لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، كفروا؛ لأنهم أنكروا علم الله جل وعلا، فهم مكذبون لعلم الله جل وعلا، متنقصون لله رب العالمين جل وعلا؛ لأن من لم يكن عالما بعباده فليصلح أن يكون ربًا، من لم يكن عالما بخلقه هل يصلح أن يكون ربًا؟ الجواب: لا، الله جل وعلا ألا يعلم من خلق؟ هو اللطيف الخبير، فهؤلاء متنقصون لله رب العالمين جل وعلا بقولهم ذاك، لذا كفرهم الأئمة رحمهم الله. القدرية التي هي الطائفة الأخرى من القدرية هم دونهم في الضلالة، وهم أنكروا المرتبة الثالثة والرابعة، وأقروا بالمرتبة الأولى والثانية من مراتب القضاء والقدر، فأقروا بالعلم والكتابة، وأنكر المشيئة والخلق، فقالوا بخلق أفعال العباد، وهؤلاء ظلال. هذا خلاصة القول في القدرية، والقدرية متمثلة من فرق الضلالة المشتهرة بالمعتزلة، وأغلب وأكثر فرق الشيعة على معتقد المعتزلة في باب العقائد؛ أي في باب الأسماء والصفات، في باب الإيمان، في باب القضاء والقدر. وبالنسبة للجبرية، الجبرية كما سمعتم، كما يقول أئمة رحمهم الله: القدرية عطلوا أفعال الله جل وعلا، فقالوا: بأن الله جل وعلا يفعل شيئًا في أفعال العباد، ولا يخلق شيئًا، وليس له مشيئة ولا إرادة، وفي المقابل الجبرية عطلوا باب الأمر والنهي؛ أي عطلوا الشرع، القدرية عطلت أفعال الله جل وعلا، والجبرية عطلت شرع الله جل وعلا؛ لأنهم قالوا: بأن العبد لا يفعل شيئًا، ومعنى هذا إذا آمن فإنما المؤمن هو الله، وإذا كفر والعياذ بالله فمن الفاعل للكفر؟ يقولون: الله جل وعلا هو الفاعل، وهذه المقالة قبيحة، وهي مقالة الجهمية. أشهر من قال بالجبر الظاهر بهذا التعميم هم الجهمية، والجهمية كفار بإجماع السلف، بإجماع الأئمة رحمهم الله تعالى؛ لأنهم كما سمعتم عطلوا الشرع، وكذلك من أشهر فرق الجبرية الأشاعرة، والأشاعرة كما يقول أئمة رحمهم الله تعالى: لهم في المسألة قولان مشهوران، قول كقول الجهمية؛ أي قول بالجبر الصرف الواضح الصريح، وهو قول للأشعري منصوص عنه. وقول آخر للأشعري وهو المشهور عند أصحاب المتأخرين، أنهم قالوا بمسألة الكسب، بمسألة الكسب المشهورة بكسب الأشعري، وهذه المسألة في الحقيقة مآلها وحقيقتها وماهيتها القول بالجبر، لكن بطريقة ملتوية مغلفة، فيقول: معنى كسب الأشعري يعني خلاصة معنى كسب الأشعري، وكسب الأشعري كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى: من مستحيلات الكلام، مستحيل شيء مستحيل. فمثال ذلك يقول: مثلا إذا كان هناك زجاج، يمثلون كسب الأشعري، إذا هذا الزجاج لو أخذ إنسان الحجر ورمى الزجاج فانكسر الزجاج، يقولون: لم يكسر الحجر الزجاج، طيب كيف انكسر؟ يقولون: اكتسب الزجاج انكسارًا عند التقاء الحجر به. جماعة قالوا: هكذا معنى الكسب عند الأشعري، معناه أن المصلي من هل هو العبد؟ لا نقول: العبد هو المصلي، طيب هل هو الله جل وعلا؟ يقول: لا نقول هذا؛ لأننا قلنا هذا سنقول بقول جبرية، طيب ماذا يقولون؟ يقول: العبد حصل منه الفعل عند الفعل، طيب من الفاعل؟ هل هو العبد؟ لا، من هو الفاعل؟ هو الله، لا، الجواب ماذا؟ هل هذا معقول أو مستحيل؟ مستحيل. فهي كما قال علماء رحمهم الله تعالى: أن هذه المسألة من مستحيلات الكلام، لذا يقول علماء الأشعر أنفسهم: أن هذه المسألة أصلا أئمتهم غير متفقين على صورتها، أئمتهم أنفسهم مختلفون في صورتها، منهم يقول: لهذا مستحيل، يقول: إذن كذا وكذا، الآخر يقول: مستحيل، جاءت الرابع يقول: لا، معنى الكسب كذا وكذا، جاءت الآخر يقول: لهذا مستحيل، وهكذا يضطربون. وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، فالحاصل من هذا أن الأشاعرة في هذا الباب جبرية، كما نص بعض المتأخرين من أئمتهم، قالوا: حقيقة الكسب هو الجبر، ولكنه مغلف، ولكنه جبر مغلف، لماذا غلفوه؟ لأنهم لو قالوا بالجبر الصريح لنُسبوا إلى الجهمية. والحق بين هؤلاء وبين هؤلاء، وهو الذي دلت عليه النصوص الشرعية من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، في إثبات المشيئة لمن؟ هيا يا إخوة، لمن شاء منكم أن يستقيم، الخطاب لمن؟ للعباد، ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، في إثبات المشيئة لمن؟ لله رب العالمين جل وعلا. ففي هذه الآية إثبات المشيئة للعبد، وأن العبد لا يشاء إلا ما شاء الله، ففي إثبات المشيئة لمن كذلك؟ لله رب العالمين جل وعلا، فالعبد فاعل وله مشيئة وله إرادة، والله جل وعلا فاعل وله مشيئة وله إرادة، ولا تعارض بين هذا؛ لأن الإنسان يعني كما يقام من حيث الواقع والحس، الإنسان إذا أراد الذهاب إلى المسجد، هل يخرج إلى المسجد بإرادته أم بإرادة غيره؟ هيا جماعة، بإرادته، ما أحد يخرج بإرادته بغير إرادة إلا من هيا جماعة؟ إلا المجنون الذي ما عنده عقل، قد يخرج بغير إرادة، أما إنسان عنده عاقل ما يخرج إلا بإرادة، ما يدخل إلا بإرادة، ما يمشي إلا بإرادة، ما يجلس بإرادة، ما يصلي إلا بإرادة، لا يصوم إلا بإرادة، لا يذهب إلى الحج إلا بإرادة، إلى غير ذلك. فهذه إرادة ومشيئة وعزيمة على الفعل، هذا من فعل من؟ هيا جماعة، هذه الإرادة والمشيئة من فعل من؟ من فعل عبد، لكن إذا شاء الله جل وعلا أن لا يكون ذلك الفعل، إذا شاء الله جل وعلا أن لا يكون ذلك الفعل، مثال ذلك: مثلا إنسان جمع المال عنده مال وهيئ نفسه للحج، الحج عبادة أم ليست بعبادة؟ عبادة، طيب هيئ نفسه بالمال، قدم أوراق، فعل كل شيء، كل شيء حسي عمله هذا الفعل الذي حصل منه بإرادته ومشيئته أم لا؟ هيا جماعة. طيب ثم هذا الفعل أي الحج قد يحصل وقد لا يحصل، نعم أو لا؟ لماذا؟ لأن الله إذا شاء إذا شاء أن يحج هذا الإنسان هيئ أسباب الحج وحج، وإذا شاء لا يحج فماذا؟ قطع أسباب الحج فلم يحج، فلو تصورنا هذا المثال وطبقناه على قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ظهر ماذا؟ ظهر المعنى المقصود من أن العبد له مشيئة وإرادة، لكن مشيئة العبد وإرادته لا تخرج عن مشيئة الله جل وعلا وإرادته، ولا تناقض ولا تنافية ولا تضاد بين المشيئتين وبين الإرادتين وبين القدرتين. نكتفي بهذا القدر في هذا اليوم، إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على