شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 30

الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 30، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حماية النبي لجناب التوحيد

النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على حماية التوحيد وسد الطرق المؤدية إلى الشرك، ونهى عن ممارسات قد تؤدي إلى مخالفة الله. كان حريصًا على توجيه الأمة نحو الطريق الصحيح.

تحذير النبي من اتخاذ القبور عيدًا

المقطع يشرح معنى حديث "لا تجعلوا قبري عيدًا" ويحذر من سوء الفهم الذي قد يؤدي إلى زيارة القبر بشكل متكرر دون ضوابط، ويبين أن النبي نهى عن جعل القبور عيدًا.

ضوابط زيارة قبر النبي والصلاة في المقبرة

يتناول المقطع نهي النبي عن زيارة قبره بطرق غير مشروعة، ويشدد على حرمة الصلاة في المقبرة، ويبين أن زيارة قبر النبي تعتبر من أفضل الأعمال إذا تمت وفق الضوابط الشرعية.

خاتمة الباب واكتفاء المؤلف

المقطع يختتم الباب بذكر اكتفاء المؤلف ببعض المسائل، مع الإقرار بعلم الله تعالى الواسع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك. وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. فهذا الآن باب، يعتبر هذا الباب ملخصًا للأبواب التي سبق. ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد، حمى توحيد الله جل وعلا، وسد كل طريق يوصل إلى مخالفته، أو إلى خلافه، وكل ما سيؤدي إلى الشرك. فالنبي صلى الله عليه وسلم سد هذه الطريق. فلهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يحمي هذا التوحيد العظيم. قال رحمه الله: وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. معنى يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره ربه جل وعلا أنه حريص على هذه الأمة. هذا وجه الشاهد. وهذا الحرص الذي عند النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة لا تقع فيما يغضب الله جل وعلا، أنها لا تقع فيما يغضب الله جل وعلا. ولهذا أكثر ما يغضب الله جل وعلا هو ترك التوحيد والشرك بالله جل وعلا. فلهذا حمل النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد حتى لا يقع الناس في مخالفته. وكان النبي صلى الله عليه وسلم في بداية أمره، وحتى في نهايته، قبل أن يموت عليه الصلاة والسلام، كان حريصًا على سد مثل هذه الأبواب التي تفضي للشرك. لهذا كان يقول في آخر حياته: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وقال: «ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك». فهو عليه الصلاة والسلام حريص على هذه الأمة. وفي صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم بات ليلة وهو يبكي عليه الصلاة والسلام، فأرسل الله عز وجل جبريل إليه، وقال: «يا جبريل، قل لمحمد ما يبكيك؟» وهو أعلم، أي الله عز وجل أعلم بما يبكيك. فذهب جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: «يا رسول الله، إن ربك يقول لك ما يبكيك؟» قال: «أمتي، أمتي». فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: «أخبر محمدًا أن لا نسوءه في أمته، أن لا نسوءه في أمته» صلى الله عليه وسلم. فلهذا كان حريصًا عليه الصلاة والسلام على أن تنجو هذه الأمة من عذاب الله. فلهذا وصفه بهذا الوصف العظيم ربنا جل وعلا: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. عزيز عليه ما عنتم، أن يعز عليه ما يشق عليكم. انظر إلى هذه الرحمة العظيمة التي أعطانا الله عز وجل إياها، حتى أنه يعز عليه عليه الصلاة والسلام أن يشق على هذه الأمة شيء. قال عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف الرحيم، حريص حرصه عظيم عليه الصلاة والسلام. قال عن نبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات. مثل ما قال مؤلف: رواه، وثقات. ومن حديث محمد بن عمر، عن نبي هريرة: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا». وهذا قد جاء عن أكثر من واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا في بيوتكم، ولا تجعلوها قبورًا»، أو «كالقبور». وذم على أن القبور ليست أماكن الصلاة. فلهذا لا يجعل الإنسان بيته كالقبر لا يصلي فيه. وإنما القبر الذي لا يصلي فيه: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا». جاء أيضًا في حديث زيد بن ثابت في البخاري: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، وصلوا فيها». فدل على أنه لا يجوز أن يجعل البيت مثل القبر لا يصلي فيه. ودل أيضًا الأمر الآخر بالمفهوم: أن القبور لا يصلي فيها. قالوا: «لا تجعلوا قبري عيدًا». وقول: «لا تجعلوا قبري عيدًا»، أي يعتاد فيه للزيارة، يعتاد به في الزيارة. هذا المفهوم هو المشهور الذي اشتهر عند العلماء. لكن جاء عن بعضهم ممن تعلق قلبه بالقبور تفسيرًا غريبًا لهذا الحديث. معناه هذا من غرائب العلم، وغرائب الهوى أيضًا. إنسان إذا دخل الهوى في نفسه تعسف في الأدلة. فقال بعض هؤلاء القبورية -وإن كان من هو من الفقهاء المعروفين- لكن تأثر بهؤلاء القبورية. فقال: معنى هذا الحديث «لا تجعلوا قبري عيدًا»، لا تجعلوه كالمعتاد العيد أنكم تزورونني في السنة مرة، أو في الشهر مرة، أو في اليوم لا، أكثروا من الزيارة. معناه قلب المعنى. معناه أكثروا من الزيارة، لا تجعلون زيارتكم فقط من السنة، أو الشهر يوم، أو في الأسبوع يوم، لا تجعلوه دائما، لا تجعلوه عيدًا تجعلوه دائمًا. وهذا يخرج حتى فهم النص. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان ينهى عن إتيان القبور. كيف الآن سيقول: «لا تجعلوه عيدًا» وإنما دائمًا تأتون وتقدم؟ معناه أنه قال: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، «ولعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». كيف سيحذر، ثم سيحث أمته على مثل هذه الأشياء؟ وهذا -سبحان الله- من الهوى الذي يقع في القلوب. قالوا: «لا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». وهذا أيضًا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أراد أحدًا يأتي لقبره. قالوا: صلوا علي، معنى لا تأتون إلى القبر، صلوا علي في أي مكان. لكن هذا يقول: لا. قال: أراد أي شيء النبي صلى الله عليه وسلم أنكم تكثرون الزيارة؟ طيب. واش فاعل؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني». معنى أنكم تعالوا القبر؟ لو كان أراد أنه لا تعتادونه، وإنما أكثر من زيارته، فيقول: أنكم تعالوا هذا القبر، وصلوا علي عنده. لكن قال: «صلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني». مفهوم الحديث واضح: أن هذا القبر، قبر النبي صلى الله عليه وسلم، لا يتخذ عيدًا، لا يكون له زيارة سنوية، ولا شهرية، ولا أسبوعية، ولا غيره، لا يتخذ عيدًا أبدًا، لا تتخذ. وصلوا علي. لو كان مثلًا مراد أي لا تتركوا زيارتي، لما قال: «وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني». معنى أنكم حتى لو كنتم بعيدًا، لا يلزم أنكم تعتون القبر، صلوا علي. ولهذا كما سيأتي هنا ذكر أثر عن علي بن الحسين، فيه مثل هذا. قالوا عن علي بن الحسين رضي الله عنه: أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة، يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فنفرجة يدخل فيها. قال: فيدخل فيها فيدعو. فنهاه، وقال: «لا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي، عن جدي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني». فتبلغ النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن بن محمد: «ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء». طيب. الآن في هذا المؤلف هنا اقتصر على هذا الباب، وإلا فحماية النبي صلى الله عليه وسلم لمثل هذه الأمور كثيرة جدًا، ليس فقط في باب القبور. لكن الشيخ ركز على هذا الباب؛ لأن أكثر الناس اغتروا بالقبور، أكثر الناس مغترين بالمقبورين. فلهذا يهتم بهذا الجانب الشيخ؛ لأجل أن يردعهم عن هذا الجانب. وإلا فحم التوحيد في أشياء كثيرة، ليس في هذا الباب فقط. طيب. قال: فيه مسائل. الأولى: تفسير آية براءة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾. الثانية: إبعاده صلى الله عليه وسلم أمته عن هذا الحمى غاية الباب. فإبعاده صلى الله عليه وسلم، أو إبعاد أمته عن هذه الحمى غاية الباب. يعني يبعدهم عن أن يقتربوا الحراب. فلهذا قال: «أنه قال لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا». قال: ذكر حرصه صلى الله عليه وسلم علينا، ورأفته، ورحمته. ما ذكرنا قبل. الرابعة: نهيه صلى الله عليه وسلم عن زيارة قبره على وجه مخصوص، مع أن زيارته من أفضل الأعمال. ما نقال: نهيه صلى الله عليه وسلم عن زيارة قبره لمن أراد أن يتخذه مسجدًا. طيب. قال هنا المسألة الرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص، مع أن زيارته من أفضل الأعمال. لم يأت في الزيارة شيء يدل عليها، أو على فضلها، زيارة النبي صلى الله عليه وسلم في قبره. وإنما كان ابن عمر يفعل ذلك إذا جاء من السفر، يأتي إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر. وإلا كما قال عبيد الله بن عمر: لم يفعله أحد من الصحابة إلا ابن عمر. هذا الفعل لم يفعله أحد: أنه يأتي إلى القبر ويسلم. بل كان الصحابة رضي الله عنهم القبر عندهم، لكن ما يأتون إلى القبر. وهذا يدل على أن السلف رحمهم الله يعرفون هذه الأمور معرفة جيدة. فلهذا لم يأت أحد إلى القبر أكثر من جاء من الجهال، أو بعضها من مات: أنه يأتي ويرى القبر ويقول له النبي صلى الله عليه وسلم كذا. مثل في قصة ابن العتبي لتحكاها، وذكرها العتبي أيضًا قصة من هذا الباب. وأنه جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وشعر وكذا. قال: الخامسة: نهي صلى الله عليه وسلم على الكثار من الزيارة، زوارات القبور. لكن هذا في النساء والرجال، هل يستحب دائمًا تكرار الزيارات؟ زيارة مستحبة، لكن مثلًا تكرارها دائمًا ليس فيه دليل على الاستحباب. قال: السادسة: حثه صلى الله عليه وسلم على النافلة في البيت. «وصلوا في بيوتكم». فيستحب ذلك. وكثرة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. طيب. قال: السادسة: حثه صلى الله عليه وسلم على النافلة في البيت. يحرص المسلم على أنه يصلي النوافل في بيته، ما يصليها في المسجد. وإذا كان مثلًا جالس في المسجد وعنده سكن أفضل يصليها في السكن، وإلا يصليها في المسجد. قال: السابعة: أنه متقرر أنه لا يصلي في المقبرة. أن الصلاة في المقبرة لا يصلي أبدًا، لا يجوز له أن يصلي في المقبرة. وجاء في حديث أبي سعيد: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام». الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام. وجاء أيضًا كذلك: أن النافلة تصلى في البيت. لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم المغرب في مسجد من مساجد المدينة، ثم سلم، فرأى بعض الناس يركع. فقال: «إنما هذه صلاة البيوت». قال: أنه متقرر أنه لا يصلى في المقبرة، وهذا لا يجوز كما تقدم معنا. تعليل ذلك: بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب. ولهذا جاء في حديث الحسن، عن محمد، عن نبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم في القصة هذه. قال له: قال لهذا الرجل الذي وجده عند القبر. وكان الحسن قد قرب إليه العشاء، فقال له: تعال تعش. فقال: لا أريد. فقال له: وماذا تريد من هذا المكان؟ قال: أريد قبر النبي صلى الله عليه وسلم. قال: سمعته يذكر له هذا الحديث إلى الهند -أقصد- ذكر هذا. قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «هذه صلاة البيوت». في النافلة. وأما في المقبرة، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى. وما في حديث أبي مرتد: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلى إلى القبور، أو يجلس عليها». وأيضًا من اتخاذ القبور مساجد: أن يصلى عند القبر. لكن صلاة الجنازة يجوز. قال: الثامنة: تعليله ذلك من صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد، فلا حاجة إلى ما يتوهموا من أراد القرب. قال له: «ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء». معنى ذاك الذي في الأندلس في الغرب، وأنت هنا في المدينة، ما أنتم إلا سواء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والسلام؛ لأن الله عز وجل وكل ملكًا يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه، أو كذا كما جاء في الحديث. قال: التاسعة: كونه صلى الله عليه وسلم في البرزخ تعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه. هذا أمر برزخي، أمر غيبي، لا يعلمه إلا الله. فهذه بعض المسائل التي ذكرت في هذا الباب. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.