شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 28

الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير النبي من الغلو في قبور الصالحين

يناقش التحذير النبوي من الغلو في قبور الصالحين وكيف يؤدي إلى عبادتها من دون الله، مستشهدا بقصص الأمم السابقة. نهى النبي عن اتخاذ القبور مساجد وتصوير الصور فيها.

عواقب الغلو في القبور واتخاذها أوثانا

الغلو في قبور الصالحين يؤدي إلى اتخاذها أوثانا تعبد من دون الله، كما حدث مع اللات والعزى، وقد لعن رسول الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج.

أحكام زيارة القبور وإسراجها

يتناول حكم زيارة النساء للقبور حيث يوجد خلاف بين العلماء حول جوازها، كما يناقش حكم إسراج القبور واعتباره وسيلة للشرك، ويستدل على ذلك بأقوال العلماء وتفسيراتهم للأحاديث النبوية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله. ذكر مؤلفنا -رحمه الله- في الباب الذي قبله مسألة الغلو وما يترتب على ذلك الغلو، وهو قبل هذا ببابين، وذكر أيضا الذي بعد التغليظ فيمن عبد الله عند قبر الرجل الصالح. هذا كله أيضا من الغلو، وبيّن أن الغلو من أوسع أودية الباطل؛ الغلو في الأفاضل من أوسع أودية الباطل. وذكر هنا في هذا الباب أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. ثم ذكر في هذا الباب الذي هو تابع له أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله. وهذا الذي مر في ذاك الباب ذكر المؤلف النصوص التي تبين أن الغلو في القبور أو غيرها يصيرها أوثانا تعبد من دون الله. لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا. ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا، أي خشي أن يعبد ويعظم. ولما ذكرت أم سلمة وأم حبيبة للنبي عليه الصلاة والسلام الكنيسة التي رأتها في الحبشة التي تسمى مارية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». شرار الخلق عند الله، وفي حديث عبد الله بن مسعود: «شرار الخلق عند الله، فأنتدري ما الساعة؟ وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». فهذا من الغلو في قبور الصالحين حتى يصيرها أوثانا تعبد من دون الله. وهذا الذي وقع فيه قوم نوح أولا؛ عظموا هؤلاء الموتى، ثم مكثوا عند قبورهم، ثم نحتوا صورهم. فلما نسي العلم عبدت من دون الله جل وعلا. لما نسي العلم عبدت من دون الله. وكذلك فعلت نصارى النصارى؛ ما كان عندهم شرك، لكن عظموا أولياءهم وعظموا صالحيهم حتى صاروا يعكفون عند قبورهم ويصورون لهم تلك الصور، ثم عبدوهم من دون الله جل وعلا. وهذا الذي حصل في هذه الأمة؛ أولا عظموا الصالحين ومكثوا عند قبورهم، ثم رأوا أنه لا مكان أفضل من مكان القبر. ولهذا هناك مسألة انتشرت أن فيها إجماعا من العلماء، وهي مسألة أن المكان الذي قبر فيه النبي عليه الصلاة والسلام هو أعظم حتى من العرش وأعظم من الكرسي وأعظم من السماوات وأعظم... ذكرها بعض المتأخرين هذه المسألة. وليس فيها نص صريح أن هذا المكان الذي قبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم هو أفضل من كذا وكذا. صحيح النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة»، هذا صحيح أن هذه البقعة مفضلة أنها من الجنة. وكيف تفضل مثلا بعد ذلك بقعة النبي صلى الله عليه وسلم على أفضل من الجنة أيضا؟ معنى يقولون أن البقعة التي دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من العرش والكرسي والجنة والنار أو الجنة وغيرها من هذه الأشياء. وإذا أنكر أحد من هؤلاء السنة قالوا: أنت لا تحب النبي صلى الله عليه وسلم. هذه ليست كذلك، هذا فقط من الغلو الذي يقع فيه هؤلاء. ليس عندنا دليل أن هذه البقعة هي أفضل من العرش. بل يذكرون إجماعا أن هذا إجماع، وكله الإجماع من بعض المتأخرين، مثل من الله علي القاري أو كذا. وهذا ليس صحيحا، إنما هؤلاء تواردوا هذا الكلام، كل واحد ينقل عن الآخر وظنوا أنه إجماع، ليس إجماعا أبدا. ولهذا رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية، ورد عليهم علماء كثيرون من أهل السنة، وأن هذا ليس فيه أثر من دليل. ليس هذا معنا أننا نزهد أو أننا مثلا ننقص من حق النبي عليه الصلاة والسلام، بل مكانه عظيم. لكن أننا نخترع أشياء وأن البقعة التي دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من كل مكان حتى من العرش والكرسي، فهذا لا نستطيع أن نجزم به. إن كان عندنا نص جزمنا به، وأما بدون نص فهذا تقول. وكذلك أيضا مدعاة إلى الغلو ومدعاة كذلك إلى الشرك ووسائله. ولهذا تجد بسبب مثل هذه الأشياء يرون يقول لك: ما دام هذه البقعة أفضل من المسجد، أفضل من كذا. طيب الآن الصلاة فيها أفضل؟ يقول بلى الآن. هؤلاء القبورية تسللوا إلى مثل هذه الأقوال تسللا آخر، قالوا: البقعة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم هي أفضل بقعة، وإيش بعدها؟ البقعة التي قبر فيها الأولياء بعد بقعة النبي صلى الله عليه وسلم. والمكان الذي دفن فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا أعظم مكان في الدنيا والآخرة. وكذلك حتى في السماوات هو أفضل من العرش وأفضل من الكرسي وأفضل من الجنة. طيب أي شيء الذي بعده؟ بعده قبور الصالحين بعد المكان هذا. أماكن التي قبر فيها الأولياء، فتسللوا مثل هذا إلى وقوع العبادات في مثل هذه الأماكن. بل حتى كان بعضهم يعتقد أن العبادة عند القبر الرجل الصالح أفضل من العبادة في المسجد. يعني ليس أنه يصلي هذا قد يكون باتفاق عندهم أنه شرك، أنه يصلي للقبر. لكن هو ما يصلي للقبر يصلي لله، لكن يقول أن الصلاة عند القبر والدعاء عند القبر أفضل من الدعاء في المسجد ومن الصلاة في المسجد. فلان أحدث حكما آخر معروف أن صلاة في المسجد هي أفضل صلاة، وأفضل الصلاة في المسجد الحرام، وبعده المسجد النبوي، وبعده المسجد الأقصى، هذا المعروف. أما القبور عند الصالحين أصلا قد منعت الصلاة عندهم، فكيف تكون أفضل من المساجد؟ وهذا قد قاله علماء معنا ينتسبون إلى المذاهب وينتسبون للعلم معروفون بالفقه، لكن ضلوا في مثل هذا الباب. وهذا كله بسبب كل واحد يريد أن يكون أفضل من الآخر في الغلو. كل واحد يريد أن يكون أفضل من الآخر في الغلو. قال: باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله. قال: روى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». روى مالك، وكذلك هو عند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة أنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد». والمراد بالوثن كما قلنا هو الذي يعبد من دون الله عز وجل، سواء كان بصورة أو بغير صورة. والصنم ما كان بصورة، إذا كان صورة يسمى صنم، وإذا كان بغير صورة يسمى وثنا. وكذلك الذي بالصورة يسمى وثنا، الوثن أعم من الصنم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد»، أنه دعا ربه جل وعلا، وهذا دعاء على سبيل النهي، على سبيل النهي والزجر. يعني يدعو الله عز وجل أن لا يجعل قبره يعبد، أي هذا متضمن النهي عن فعل هذا الأمر، وأنه لا يتخذ مسجدا. النبي صلى الله عليه وسلم أو قبره لا يتخذ وثنا يعبد من دون الله، مثل مثلا يصلى عند القبر أو يدعى النبي صلى الله عليه وسلم من دون الله جل وعلا، وغيرها من هذه الأمور التي تصير هذه الأوثان أو تصير هذه القبور أو غيرها أوثانا تعبد من دون الله. قالوا: لابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: «أفرأيتم اللات والعزى؟ قال: كان يلت لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره». اللات، قال مجاهد: وجاء أيضا عن ابن عباس أنه كان رجل يلت السويق، يلت ويفت السويق، يفت الخبز والسمن ويخلطهما معا حتى يأتوا إلى الحجاج ويأكلون طعاما جاهزا. وهذا عمل عظيم يفعله، ثم مات هذا الرجل والناس يحبونه لهذا الفعل الذي يفعله، فعظموه وعكفوا على قبره، ثم صوروا له صورة، ثم عبد من دون الله. لما جاءت الأوثان جاء عمر بن لحي الخزاعي بالأوثان إلى مكة، فصارت كل قبيلة تجعل لها صنما. فصارت كل قبيلة تجعل لها صنما، وهذا اللات كان بالطائف. فلهذا هذا الغلو الذي صير هذا القبر حتى عبد من دون الله، صار وثنا وصنما، هو بدايته وهو الغلو فيه، وهو الغلو في حقه. قال: «لعَن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج». رواه أهل السنن. طيب قوله: «لعَن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج»، هذا الحديث فيه رجل، قال له أبو صالح باذام. أبو صالح باذام هذا هو ثقة، لكنه اختلط اختلاطا كبيرا، حتى أنه ردت أكثر أحاديثه. وأخذ بعض العلماء ما كان رواه عنه كبار أهل المدينة، كيحيى بن سعيد الأنصاري ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب وغيرهم من كبار علماء المدينة الذين رواه عنه. فأبو صالح باذام كما قلنا بعضهم يقول ضعيف، هو ليس ضعيفا، لكنه مختلط. معنى ضعفه لعجل اختلاطه، وفرق بين أن يقال ضعيف ومختلط. صحيح أن الاختلاط يعتبر طعنا وضعفا، لكنه في فترة معينة، في فترة معينة هو مؤقت. طيب المهم أن هذا الحديث جاء من طريقه ولا يصح، لأنه رواه عنه من ليس من ذكر من كبار أهل المدينة، فهو حديث ضعيف. لكن جاء ما يشهد له بإسناد أحسن منه أو بإسناد حسن، أنه قال: «لعن الله زوارات القبور». فاستشهد بعض العلماء بهذا: «زوارات»، فسره القرطبي وغيره بكثرة الزيارة. ولهذا القرطبي رجح أن المحرم في زيارة قبور النساء هو كثرة الزيارة، وليس الزيارة ذاتها. وبعض العلم يقول: «زوارات القبور» ليس معنى أنها كثرة الزيارة، وإنما «زوارات» جمع زائر أو جمع زوار أو زوار، معنى بالجمع معنى جماعة من الزوار يأتون إلى القبر. فلعن الله «زوارات القبور»، أي الجماعات من النساء التي يأتين إلى القبور. ولهذا بهذا الفهم قال معنى بعض العلم أنه يؤيد قول الحنابلة بأنه عن زيارة النساء للقبور. لكن على التفسير الأول وهو أشهر وهو أن «زوارات» جمع للتكثير، على أنه لا تمنع المرأة من الزيارة، وإنما تمنع من كثرة الزيارة. لأن عائشة رضي الله عنها قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله إذا مررت بالقبور فماذا أقول؟ قال: «أقول السلام عليكم أهل ديار قوم المؤمنين، إننا إن شاء الله وبكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنعها من الزيارة. هم قالوا أن هذا مرور وليست زيارة. معنا أن المرأة لا تتقصد زيارة، لكن لو مرت تسلم. لكن الدليل نفسه. فالمهم أن هذه المسألة في خلاف شديد بين العلم، وخاصة بين المعاصرين. وأكثر علماء الحجاز -رحمة الله عليهم- كالشيخ ابن باز ومن عثيمين وغيرهم يمنعون من زيارة النساء، ويقولون أنه لا يجوز أن تزور المرأة. وكذلك أكثر علماء الدعوة يقولون أنه لا يجوز للمرأة أن تزور القبر. وأختار الشافعية وغيرهم أنه يجوز، واختار المالكية في قول أنه يجوز أو أنه يجوز لكن لا يتجوز الكثرة. واختاره كما قلنا القرطبي رحمه الله. وهذا لعله أوفق -والله أعلم- لكن الأفضل أن المرأة لا تنفعل حتى لا يصيبها شيء من الذنب. فالآن وجه الشاهد من هذا الباب أو من هذا أن قوله: «والمتخذين عليها المساجد والسرج» معناه في الغلو في قبور الصالحين حتى تسرج. وهذا المقطع كما قلنا لا يصح. وأيضا إسراج القبور هل هو شرك؟ كما وجد في بعض كتب علماء نجد، وبعضهم أنكر على ذلك. الظاهر أنهم -رحمهم الله- ما أرادوا أن الإسراج شرك نفسه، وإنما ما يعتقده الإنسان بهذا الإسراج. ومن تأمل فعل هؤلاء القبورية يجد أنهم يعتقدون في هذا التسرج معنى يجعلون السراج في الليل يضيء. لمحمد: لعله أن يضيء للولي إذا خرج الولي يتمشى وكذا في الليل عنده ضوء. فهذا اعتقاد باطل، بل هذا اعتقاد شرك. لماذا؟ لأنه يعتقد أن هذا المقبور له تدبير وله حركة وله كذا، يخرج متى شاء ويدخل متى شاء. وهذا كلام باطل واعتقاد باطل. فلهذا ظاهر أن العلماء -من هذا الباب- قالوا: أن التسريج لا يجوز. لكن إن كان مثلا التسريج لأجل دخول الزائرين مثلا في الليل. فهذا لا يكون شركا، لكنه وسيلة، لكنه وسيلة من وسائل الشرك المحرم. وأيضا إعانة على مسألة الشرك. لأن ماذا يفعل الإنسان في الليل عند القبر؟ لماذا يدخل في الليل عند القبر؟ يأتيه بالنهار إذا كان يريد زيارة. ولماذا أيضا يخص الزيارة بهذا القبر الذي هو قبر مبني ومشيد وعليه قبة؟ فهذا كله مما يمنع من التسريج. وكذلك حتى دفع الأموال وغيرها قد صرح بعض الأئمة كالشوكاني وغيره أنه لا يجوز وضع هذه الأموال عند القبر وعند السدنة. لأنها لا داعية لها، وإنما استخدمت غالبا في أمور الشرك. فلهذا مثل هذه الأمور هي من لعانة على الشرك، ووسيلة من وسائله. فلهذا الغلو في مثل هذه القبور يصيرها أوثانا تعبد من دون الله جل وعلا. فهذا المراد من هذا الباب. والله تعالى أعلم.