الخطبة بعنوان احرص على ما ينفعك، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 26 ذو الحجة 1447هـ الموافق 12 يونيو 2026م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الخطيب أهمية الحديث في تهذيب النفس وتوجيه الحرص نحو المنافع. يشير إلى أن الإسلام يهذب طبيعة الحرص البشري.
ينبغي للمسلم أن يحرص على منفعته الشخصية والدينية مع إعطاء الأولوية لنفسه. كما يجب عدم الانشغال بما لا ينفع.
الحرص على ما يضر في الدين أو الدنيا مذموم، ويشمل الحرص على الذنوب والدنيا والجاه. ينبغي الترفع عن هذه الأمور.
يتضمن المقطع دعاءً بالمطر والاستغفار للمسلمين، ويطلب الغيث والنفع والرحمة. يختتم بالصلاة على النبي وإقامة الصلاة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من الأحاديث العظيمة والوصايا الجليلة التي أوصى بها خير البرية هذه الأمة المحمدية ما كان من قوله عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك». هذه المقالة مع قلة كلماتها ومحدودية حروفها إلا أنها حوت على قواعد عظيمة ومسائل بديعة وقيود مهمة ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يتقيد بها ولا يخرج عنها قيد أنملة. وإنني في هذا المقام لأصلي الكلام على أهم المسائل والفوائد والأحكام المستفادة من قوله عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك». أولا، مما يستفاد أن الإسلام أتى لتهذيب النفس وتهذيب طبائعها، فإن النفس مجبولة على الحرص وعلى التعلق بما تميل إليه ولا ترضى عنه بدلا. قال عليه الصلاة والسلام: «يهرم ابن آدم ويشب فيه إثنتان: الحرص على العمر والحرص على المال». فما يكاد أحد منا إلا وله ميل إلى هذا وذاك، فالإنسان يحرص على الحياة بغض النظر عن نمط حياته، ولو كان الأمر بيده لطلب الخلود فيها إلى أبد الآبدين. وهكذا حرص الإنسان على المال، وذلك بجمعه وتحصيله والاستزادة منه وتكثيره، فلو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى واديا آخر، «وتحبون المال حبا جما». فهذا مما غرز في الأنفس من الحرص. كذلك في عالم النساء، فهن كذلك يحرصن على بعض الأمور كحرصهن على التجمعات وعلى القيل والقال، أو ما يكون من حرصها على التزين ومسائل الجمال وتتبع الموضة والأزياء والثياب، وتلك لربما حرصها على بيتها وعلى تربيتها لأولادها. فما من إنسان إلا وهو يحرص على أمر من الأمور، لكن جاء الإسلام بتهذيب هذه الطبيعة البشرية، طبيعة الحرص، فجعلها في ميزان الشرع، فقال عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك». ثانيا، مما يستفاد من هذا الحديث أن الإنسان ينبغي أن يكلل الجهود وأن يجعل الغاية والمقصود في هذه الحياة الدنيا وفي الوجود أنه ينتفع بما يرد عليه بالمنافع، «احرص على ما ينفعك»، سواء كانت هذه المنفعة في دينه ودنياه أو في أولاه وأخرى. انتفع يا عبد الله، فمن منفعة الآخرة أنك تنتفع يا عبد الله في هذه الحياة بما يعود عليك بالسلامة وأنت في قبرك وبرزخك، وما يكون حين بعثك عند لقائك لربك، وما يكون سببا من الدخول إلى الجنان والبعد عن النيران، ولا يكون ذلك إلا بالإقبال على الله بصالح الأعمال والأقوال والأحوال. احرص على آخرتك، وهكذا ما يكون من حرصك على دينك من الحرص على ما يكون سببا في هدايتك واستقامتك وثباتك على دين ربك، وما يكون من إعطائك دفعا في استمرارك لعبوديتك لله جل في علاه، وما يكون من ما يكون سببا في حسن تعاملك مع من هم حولك، هذا من منفعة الدين التي ينبغي علينا جميع المسلمين أن نلتزم بها وأن نحرص عليها. وأما ما يكون من منفعة الدنيا، هو أن تحرص يا عبد الله في هذه الدنيا على ما يعود عليك بالمنافع من منفعتك في جسدك وصحتك ورعايتك وسلامتك، أو ما يعود إلى بناء شخصيتك، أو ما يعود إلى حسن أخلاقك وآدابك مع من هم حولك، أو الانشغال بما يعود عليك بالمصالح. فالشاهد والخلاصة أن الإنسان المسلم في هذه الدنيا ينبغي أن يكرس حياته في أن تنقضي الأوقات فيما تعود منفعته له في دينه ودنياه أو في أولاه وأخرى، «احرص على ما ينفعك». ثالثا، مما يستفاد من هذا الحديث أيضا أن فيه إشارة إلى أن الإنسان أول ما يدخر النفع والمصلحة هو أن يعود ذلك إلى نفسه التي بين جنبيه، «احرص على ما ينفعك»، أي أنت احرص على منفعة نفسك. فإنه لا يعقل يا عبد الله أنك تسعى في هذه الحياة على منفعة الآخرين وأنت تغفل عن منفعة نفسك، ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾. ليس من العقل ولا من الحكمة ولا من الدين أن تجد والد يدفع بأبنائه إلى الخير وإلى الصلاح والصلاة وهو مبعد ومتقاعس عن هذا الباب. ولا يعقل أنك تحث غيرك على التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وأنت فقير في هذا الباب. وأيضا ما ينبغي على الإنسان أنه يعرض نفسه بسبب غيره إلى التلف والتهلك، وغيره لا يبالي بك، وإنما هو في سكون ودعة. ومن هنا نعلم أن في هذا الحديث إشارة تربوية لنا جميعا على أن الإنسان ينبغي أن يعطي الاهتمام الأكبر والأعظم فيما يعود على نفسه بالمنفعة، ثم ينتفع به غيره، كما قال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا قووا أنفسكم وأهليكم نارا﴾. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. فلنزن عباد الله مع هذا الحديث العظيم الذي قال فيه نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: «احرص على ما ينفعك»، وهذا من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام، إذ من خلال كلمات قلائل نستنبط منها المسائل والأحكام العظام. فإن مما يستفاد من قوله عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك»، في بيان كيف أن الشريعة الإسلامية هذبت الطبيعة البشرية، وعلمنا أيضا كيف أن المسلم في هذه الحياة ينبغي أن يكرس وقته فيما يعود عليه نفعه في دينه ودنياه وفي أولاه وأخرى. وثالثا، علمنا أن في هذا الحديث مسلكا تربويا وهو أن الإنسان يعتني بمنفعة نفسه ثم بعد ذلك يلتفت إلى غيره. وأيضا رابعا، مما يستفاد من هذا الحديث أن الحديث فيه قيد مهم ينبغي التأمل فيه، فقوله عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك»، خرج بهذا ما لا يكون على ذلك، فما ليست فيه منفعة لا بالحال ولا بالمآل، فما ينبغي لعبد الله أن تنشغل به فضلا أن تحرص عليه. وقد أشار العلماء إلى أن الذي خرج بقوله عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك»، خرج أمرين: الأمر الأول، خرج الحرص على ما يضرك، فهذا لا يجوز بحال بأن تحرص على ما فيه المضرة في دينك أو دنياك أو آخرتك. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار». فمن صور الحرص المضر الذي لا ينبغي لأحد أن يتلبس به ما يكون من الحرص على فعل المخالفات، من الحرص على فعل الذنوب والمحرمات، إذ أن الحرص بحد ذاته من غير فعله باب من أبواب الإثم والسيئات. قال عليه الصلاة والسلام: «القاتل والمقتول في النار»، قلنا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه». فالحرص يا عبد الله على فعل المخالفة والمعصية ولو لم تقم بها باب من أبواب الإثم والمعصية، فاحذر على هذا النوع من الحرص أن تبتلى به، فإنه يضرك في دينك وأخراك. وأيضا من أنواع وصور الحرص المذموم ما يكون من الحرص على الدنيا، وأعني بها الدنيا التي تلهيك عن طاعتك وعبادتك لربك والتي تصدك عن الدار الآخرة. قال عليه الصلاة والسلام: «اقتربت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصا، ولا يزدادون من الله إلا بعدا». يحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة: «اقتربت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصا». فعلى قدر انهمامك وانغماسك في دنياك فإنك تبتعد عن مولاك. ولهذا من أراد أن يقبل على الدنيا احرص يا عبد الله كذلك على إقامة الدين لكي تسلم لك الدنيا، وإلا فإنك تزداد من الله بعدا. وأيضا من النماذج على الحرص المذموم الذي ينبغي على المسلم أن يترفع عنه ما يكون من الحرص على الإمارة وعلى الزعامة، ومثله الحرص على تولي المسؤوليات، وخاصة ممن لا يحسنها ولا يتقنها، وهو ليس أهلا لها، ولا يتقي الله فيها، وإنما يتخبط فيها. قال عليه الصلاة والسلام: «ستحرصون على الإمارة، وإنها حسرة وندامة يوم القيامة». ستحرصون على الإمارة والزعامة، وها نحن نرى تهافت الناس على تولي المناصب والمسؤوليات، ودروها غنيمة، وما علموا ما أعد الله لهم من سوء العذاب والحساب. ومثله ما يكون من الحرص على الجاه وعلى الشهرة وعلى المنزلة الرفيعة. قال عليه الصلاة والسلام: «ما ذئبين جائعين أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه». أي ما هناك أشنع وأفسد على دين العبد من إرسال ذئبين على غنم، ففعلوا بهم الأفاعيل. ما هناك أفسد من هذه الحال كإفساد الرجل لدينه إذا ابتلي بالحرص على المال والشرف. فيا عباد الله، هذه نماذج من الحرص المذموم الذي ما ينبغي لأحد أن يبتلى به، وهو خرج بقوله عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك»، هذا من الحرص على ما يضرك، فابتعد عنه. والأمر الثاني الذي خرج بقوله عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك»، كل ما لا منفعة فيه، عليك يا عبد الله أن تترفع عنه، وذلك بما يكون من الملهيات ومن سائر المباحات التي تضيع بها الأوقات وتفنى بها الأعمار، بما لا طائل تحته. فلا تنفعك في دين بحسنة، ولا تنفعك في دنيا بمنفعة، وإنما هو عبث ولهو ولعب يمر عليك يا عبد الله وتنقضي به الساعات الطوال، بالانشغال بسفاسف الأمور، ليس هذا مما ينفعك. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «اغتنم حياتك قبل موتك»، فلا تغتنم نعمة الحياة بسفاسف الأمور. عباد الله، هذا أهم ما يذكر في هذا المقام من المسائل والقواعد المستفادة من قوله عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعه». أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نافعا غير ضار عاجلا غير آجل. اللهم اسق عبادك وانشر رحمتك وحي بلدك الميت، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. وصلى الله على نبينا الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.