التعليق على مقدمة المجموع 38

الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

آداب المعلم وأخلاقه

يُناقش أهمية تحلي المعلم بالأخلاق الحميدة وتأثير ذلك على الطلبة، حيث يُعتبر المعلم قدوة لطلابه وتأثير أفعاله أقوى من أقواله. يُشير إلى ضرورة اجتناب المعلم للسلوكيات غير اللائقة.

تأثير قدوة المعلم على الطلبة

يُظهر كيف تأثر أفعال النبي عليه الصلاة والسلام على أصحابه، ويُبرز أهمية أن يكون المعلم قدوة حسنة بفعله قبل قوله، حيث يتأثر الطلبة بأخلاق المعلم وسلوكه أكثر من أقواله.

مفهوم الزهد والورع وتأثيرهما

يتناول مفهوم الزهد في الدنيا والفرق بين الزهد والورع، ويُظهر أهمية الزهد والتقلل من الدنيا في حياة المسلم وتأثير ذلك على الطلبة.

التوجيه نحو التركيز على الآخرة

يُنصح بعدم الندم على فوات أمور الدنيا والتركيز على ما يفيد في الآخرة، حيث إن أمور الدنيا زائدة وتزول.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كلامه على آداب المعلم: قالوا، منها أن يتخلق بالمحاسن التي ورد الشرع بها وحث عليها، والخلال الحميدة والشيم المرضية التي أرشد إليها، مثل التزهد في الدنيا والتقلل منها، وعدم المبالاة بفواتها، والسخاوة والجود ومكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة، والحلم والصبر، والتنزه عن دنيء الاكتساب، وملازمة الورع والخشوع والسكينة والوقار والتواضع والخضوع، واجتناب الضحك والإكثار من المزح، وملازمة الآداب الشرعية الظاهرة والخفية، مثل التنظيف في إزالة الأوساخ، وتنظيف الفم، وإزالة الروائح الكريهة، واجتناب الروائح المكروهة، وتسريح اللحية. فهذه بعض الآداب التي ينبغي أيضا للمعلم والمدرس والشيخ أن تكون فيه؛ هذه الأخلاق عظيمة يتخلق بها. فمن هذه الأخلاق التي ورد بها الشرع: الكرم والحياء والشجاعة، وأيضا خلق الزهد، وأيضا الأخلاق العظيمة التي تكون في التعامل، مثل الحلم والصبر والعفو عند المقدرة -وهو الحلم نفسه-، وكذلك أيضا التغافل، وغيرها من الأخلاق العظيمة التي جاء بها شرع الله جل وعلا. لأن المعلم هو القدوة لطلبته، فإذا كان القدوة ليس على الأخلاق الحسنة، فلا شك أنه سيدرس الناس الأخلاق وهو منعدم هذه الأخلاق. وغالبا الناس أو طلبة العلم والمقتدون بشخص غالبا يقتدون بأفعاله أكثر من أقواله. تجد الناس يتأثرون بالفعل أكثر من تأثرهم بالقول. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين، لما في صلح الحديبية لما حل النبي عليه الصلاة والسلام، فأمر الناس أن يحلقوا وينتحروا. فمن كثرة غمهم لم يستطع حتى أن يقوم. لما حصل في الصلح، ومن كلام أبي جندل، فإنه أثر على المسلمين، إذ كان يناديه: يا معشر المسلمين، أرد إلى الكفار حتى أفتن في ديني؟ كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول له: يا أبا جندل، إن الله عز وجل سيجعل لكم مخرجا وفرجا، أنت ومن معك من المسلمين. وفعلا، الله عز وجل جعل لهم مخرجا، ومع أبي بصير، وكل من فر من الكفار يريد إلى أهل الإسلام، يذهب إلى أبي بصير، وكان بالساحل. فإذا مرت عير لخزاعة اعترضها وأخذها. فالمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى من القوم عدم الاستجابة بسرعة، بل التباطؤ، فدخل إلى أم سلمة وهو مغضب، فقال: ما لي آمر بالأمر فلا يمتثل؟ والصحابة رضي الله عنهم ليسوا عن عدم امتثال، وإنما بسبب ما أصابهم مما حصل في الصلح، حتى أنهم رمى بعضهم بنفسه في الأرض ولم يستطيعوا حتى القيام. فلما دخل عليها، قالت له: لا تكلم أحدا، وأمر الحلاق أن يحلق لك. ففعل مثل ما قالت. خرج النبي عليه الصلاة والسلام وأمر الحلاق أن يحلق، فقام الناس -أي الصحابة رضي الله عنهم- وفعلوا مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا يدل على أن الفعل أحيانا يكون أبلغ من القول. فلهذا المعلم ينبغي أن يكون أولا أخلاقه، ومعنى هذه الأخلاق تتمثل في فعله، تتمثل في أفعاله. فأما إذا كان يقول أقوالا من الأخلاق وكذا، وهو بعيد عن هذه الأمور، فهذا قد يؤثر على الطلبة الذين عنده. ولهذا أيضا أحيانا تجد -كما قلنا- أن الطلبة يتأثرون أكثر بأفعال الشيخ أكثر من أقواله. ولهذا تجد كثيرا من الطلبة، وخاصة ممن يعتني مثلا بأمر الشيخ والاقتداء به، والملازمته، تجد يأخذ غالبا أخلاقه. إن كان عنيفا أو كان مثلا عنده أخلاق حسنة، فتجد عنده أخلاق حسنة، وعنده لين، تجد عنده لين. وإذا كان عنده مثلا شيء من الشدة والغلظة، تجد أيضا طلبته هكذا. فلهذا التأثر بالأفعال أكثر من التأثر بالأقوال. فلهذا ينبغي للمعلم والشيخ أن يكون من له الأخلاق الحسنة، كما ذكر الشيخ رحمه الله. ومن ذلك الزهد في الدنيا. وهناك زهد وورع. وقد فرق العلماء بين الزهد والورع، فقالوا: إن الزهد ترك ما لا ينفع في الدنيا ولا في الآخرة، والورع ترك ما يضر بالآخرة. فلهذا فالزهد أكمل من الورع؛ الزهد أكمل وأشمل من الورع. فالزاهد أو الورع يدخل في الزهد؛ لأن الورع متعلق بالدين متعلق بالدين فقط، والزهد متعلق بالدين والدنيا. وبعضهم يقول: إن الورع هو ترك ما يضر في الآخرة، والزهد هو ترك ما لا بأس به إلى ما به بأس، أو ما به بأس إلى ما لا بأس به، ما كان فيه ضرر يترك إلى ما لا ضرر فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة. وبعضهم جعله ترك ما لا ينفع، وهو سيكون أعم من الورع. فالورع قد يكون واجبا أحيانا، وقد يكون مستحبا، والزهد أكمل من الورع. فقال: التي أرشد إليها من التزهد في الدنيا والتقلل منها، معنى التزهد في الدنيا: معنى أنه ترك ما يغره وما يلهيه عن طاعة الله جل وعلا. وإن أخذ شيئا أخذ ما يكون قوته وكفايته. لهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم تركها». وكان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم اجعل قوت آل محمد كفاية». وجاء في رواية: «رزق آل محمد قوتا»، معنى أنه ما يكفيهم فقط. وهذا الباب باب واسع، أي التقلل من الدنيا والزهد فيها. فلابد أن يوصف الشيخ بهذا. وكما قلنا: إن الطلبة يتأثرون بذلك، كلما كان شيخهم زاهدا في الدنيا متقللا منها، كلما كانت تأثرهم به أكثر. قالوا: عدم المبالاة بفواتها، أي بفوات ما يكون من الدنيا. معنى لا يتندم على ما فاته من الدنيا، ويكون تندمه على ما فاته وما فرط فيه من أمر الآخرة. أنه إذا ترك شيئا من أمور الآخرة تندم على أنه ترك هذا الشيء وفرط فيه. وإن كان من أمور الدنيا فاته، فإنه لا يتندم على ذلك؛ لأنه أمر زائد، مهما تحصل عليه فهو سيزول، بخلاف أمر الآخرة.