الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 40، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ينبغي على المعلم التحلي بالتزهد والتواضع واجتناب الحسد والرياء والعجب، والتحلي بالمنافسة الصحية والتواضع للآخرين. كما أن هذه الصفات تحميه من الأمراض النفسية.
التواضع مهم للعلماء والمعلمين في التعامل مع الناس وعدم احتقارهم، ويحميهم من أمراض مثل الحسد والرياء والإعجاب. كما أن السلف الصالح كانوا متواضعين مع شيوخهم وتلاميذهم.
العجب بالنفس والعلم يعتبر من الأمراض التي يبتلى بها كثيرون، وعلى الإنسان أن يجتهد في طرد العجب من نفسه لكي لا يقع فيما لا يرضي الله. سيتم شرح كيفية تجنب هذه الأمور السلبية في الدروس القادمة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فذكرنا فيما ذكره الإمام النووي رحمه الله في بعض الآداب التي ينبغي على المعلم أن يتخلق بها من المحاسن التي ورد بها الشرع، والخلال الحميدة والشيم المرضية التي أرشد إليها الشرع، من التزهد بالدنيا والتقلل منها، وعدم المبالاة بفواتها، والسخاء والجود ومكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة، والحلم والصبر، والتنزه عن دنيا الاكتساب، ولزوم الورع والخشوع والسكينة والوقار والتواضع والخضوع، واجتناب الضحك والإكثار من المزح، وملازمة الآداب الشرعية الظاهرة والخفية، كالتنظيف بإزالة الأوساخ، وتنظيف الإبط، وإزالة الروائح الكريهة، وتسريح اللحية، وغيرها من هذه الأمور التي قد ذكرناها. قالوا: منها الحذر من الحسد والرياء والعجب واحتقار الناس، وهذا من الأمراض التي تنتشر كثيرًا بين المدرسين والمعلمين أو المشايخ. فالحسد داء عظيم ذكره الله عز وجل عن شر الأشرار كالشيطان واليهود وغيرهم، فلهذا ينبغي للمسلم، وخاصة من كان قدوة، أن يتنزه عن الحسد. فما أوقع كثيرًا من أهل هذا العلم في بعض الأمور إلا هذا الحسد. ولو نافس كان أولى من الحسد؛ لأن الحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير، وهو دفاع العاجز، وكذلك دفاع الفاشل. وإلا لم يحسد أحدًا إن كان أحسن منه، فيرجو من الله عز وجل أن يكون مثله أو أحسن، فيدعو الله عز وجل أن يوفقه ويكون مثل فلان أو أفضل منه، سواء كان في الجد في العلم أو في التوسع في العلم والمعرفة. فلا ينبغي له أن يحسد، بل يفرح بذلك إذا وجد من هو أفضل منه، ويتواضع له. كما كان السلف رحمهم الله، يأتي الرجل العالم إلى آخر ويزوره، فتجد التواضع الجم بينهما، وكل واحد يتواضع للآخر. فهذا عبد الله المبارك كان يدور على المشايخ، كلما جاء إلى عالم من العلماء تجد أنهم يقدمونه وهو يأبى ذلك. لما جاء إلى حماد بن زيد، فقال حماد: والله ما نريد إلا أن يحدثنا أبو عبد الرحمن، فقال: لا أحدث عند مشايخي. يعنى عبد الله المبارك يقول: لا أحدث عند مشايخي. قال: عزمت عليك أن تحدث، فقام وحدث بلا حديث التي حدث بها حماد بن زيد. أنا لم يحدث عن مشايخ آخرين، وإنما كان يقول: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا أيوب، قال كذا. يعني يأتي بالحديث التي حدثهم بها حماد بن زيد، وهذا من تواضعه رحمه الله. وهذا كثير في العلماء. قالوا: منها الحذر من الحسد والرياء والإعجاب؛ أن هذه أمور فتاكة في أهل العلم. وسيأتي المؤلف أنه يأتي بالطريقة التي يدفع بها هذه الأمور. قال: واحتقار الناس وإن كانوا دونه بدرجات؛ لأن العالم يكون متواضعًا، والمدرس يكون متواضعًا، فسيأتيه الذكي ويأتيه أيضًا غير الذكي، ويأتيه الغني ويأتيه الفقير، فلهذا فهو يعامل الناس بتواضع، ويعاملهم أيضًا لا يحتقر أحدًا، لا يحتقر الطلبة ولا يحتقر أيضًا إخوانه وزملاءه ممن يكون على ثقة من التدريس وغيره. قالوا: احتقار الناس وإن كان دونه بدرجات أي في العلم. وهذه أدواء وأمراض يبتلى بها كثيرون من أصحاب الأنفس الخسيسة. هذه الأمراض يبتلى بها كثيرون من أصحاب الأنفس الخسيسة. وأما أهل العلم وأهل القدوة وأهل الخشية، فهم يتنزهون عن مثل هذه الأمور. وإن وجدت، وإن وجد شيء منها دفعوه. أحيانًا الإنسان تغلب نفسه، تغلبه نفسه في مثل هذه الأشياء، إما في الحسد، وإما في الرياء لإظهار عمله، وإما في الإعجاب بنفسه: فعلت كذا وفعلت كذا، ليس لأجل أن يقتدى به، وإنما لأجل أن يظهر نفسه، أو تعجبه نفسه في فعل من الأفعال، فيرى أن له مكانًا عند الله، أو يرى أنه له مكانة في العلم. وهذا خطأ. فـ﴿ذاك الرجل﴾ قال: يا نبي الله هل هناك من هو أعلم منك؟ قال: لا. جاءت الرواية: قال لا أعلم، فعاتبه الله عز وجل على ذلك؛ أنه لو قال الله أعلم كان أفضل. وليس أن هذا من العجب، لكن موسى نبي الله عليه الصلاة والسلام ذكر بما يعرف، ولأنه نبي الله يأتيه الوحي من الله، فهو لا شك أنه أعلم من الناس. لكن أراد الله عز وجل أن يكل العلم إليه، مع أنه ليس هناك إعجاب. لو كان هناك إعجاب لكان هذا العجب لأنبياء الله ورسله؛ لأنهم ما يتكلمون إلا بوحي من الله. لكن ليس هذا من باب العجب، وإنما من باب قول الحقيقة التي يعرفها. فكيف بالذي يعجب بنفسه ويعجب بعلمه؟ فإن هذا أيضًا من الأمراض التي يبتلى بها كثيرون من أصحاب الأنفس الخسيسة، كما قال المؤلف رحمه الله. معنى أي العجب: يعجب بعمله أو يعجب بعلمه. وإن وقع كما قلنا في بعض الأنفس، فإن الواجب طرده. وإذا اجتهد الإنسان في طرده، فمعنى ذلك أنه يعالج نفسه، ونفسه صحيحة كذلك حية. وأما إذا ترك هذه الأمور تدور عليه، فإنه لا شك أنه سيقع فيما لا يرضي الله جل وعلا. وسيأتي إن شاء الله تعالى معنا، سيذكر المؤلف رحمه الله كيف أن العبد يطرد هذه الأمور عن نفسه، وأن المعلم والمدرس يطرد هذه الأمور عن نفسه، فلا يقع فيها. طيب إن شاء الله نكتب بهذا. والله تعالى أعلم.