الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 140، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُبين فضل عيادة المريض والدعاء له، ويستشهد بقصة إبراهيم بن أبي عبلة مع أم الدرداء وحديث النبي مع الأعرابي. كما يشير إلى أهمية الدعاء للمريض بقول "لا بأس عليك، طهور إن شاء الله".
يشرح حديث النبي الذي يبين فيه فضل عيادة المريض واتباع الجنائز كأسباب لدخول الجنة، ويوضح معنى الدعاء للمريض. كما يشدد على أهمية هذه الأفعال في حياة المسلم.
يُفصل في فضل الحمى وعدم سبها، حيث تكفر الذنوب وتذهب خطايا المؤمن. كما يبين نهى النبي عن سب الحمى وأمره بالصبر عليها لما في ذلك من أجر وثواب.
يؤكد على أهمية الصبر والاحتساب عند تلقي المصائب، ويحذر من أفعال تنافي الصبر. كما يشير إلى الأجر والثواب المرتبطين بالصبر على المصائب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا الحسن بن واقع، قال: حدثنا ضمرة، عن إبراهيم بن أبي عبلة، قال: مرضت امرأتي، فكنت آتي إلى أم الدرداء، فتقول لي: كيف أهلك؟ فأقول لها: مرضى، فتدعو لي بطعام، فآكل. ثم عدت ففعلت ذلك، فجئتها مرة فقالت: كيف أهلك؟ قلت: قد تماثلوا -يعني: صحوا- فقالت: إنما كنت أدعو لك بطعام لأن كنت تخبرنا عن أهلك أنهم مرضى، فأما أنتم ماثلون، فلا ندعو لكم بشيء. وهذا الأثر صححه الشيخ الألباني رحمه الله. ومر معنا في الدرس الماضي أن أم الدرداء هنا المراد بها الصغرى، وهي العالمة الفقيهة. وشاهد من هذا الأثر أن إبراهيم بن أبي عبلة لما مرضت امرأته كان يأتي إلى أم الدرداء، فتسأله عن أهله، فإذا أخبرها أنهم مرضى تدعو له بطعام. وهذا من باب الإحسان والتعاون مع أهل المريض. إذا كان الرجل مثلاً امرأته مريضة، فمن الإحسان إليه والإحسان إلى أهله أن يعان ويتعاون معه بإعطائه الطعام أو تجهيز الطعام له أو نحو ذلك مما يحتاجه. قال: باب عيادة الأعراب. قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة -وهو مولى ابن عباس- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. عبد الله بن عباس حبر هذه الأمة، الذي دعا له النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». وهو أحد السبعة الذين رووا من الحديث فوق الألف. فمن هؤلاء السبعة من الصحابة الذين رووا فوق الألف من الحديث: أبو هريرة، وعائشة، وأبو سعيد، وابن عباس، وأبو مسعود -بقي المشهور- جابر. تُجمع في بيت من الشعر: «سبع من الصحابة فوق الألف قد نقلوا من الحديث عن المختار خير مضر، أبو هريرة، وسعد، وجابر، وأنس، وصديقة، وابن عباس، كذا ابن عمر». هؤلاء الذين رووا من الصحابة فوق الألف حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده، فقال: «لا بأس عليك، طهور إن شاء الله». قال الأعرابي: «بل هي حمى تفور على شيخ كبير، كيما تزيره القبور». فقال: «فنعم إذا». وهذا الحديث صحيح، وهو في صحيح البخاري. وفي هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام عاد هذا الأعرابي، فقال: «لا بأس عليك، طهور إن شاء الله». دعا له النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الدعوة. «لا بأس عليك» يعني: ليس عليك جناح أو حزن أو سوء، ونحو ذلك من المعنى. «طهور إن شاء الله» يعني: هذا المرض مطهر لك من الذنوب، ومكفر لك من الخطايا. وكان قد أصيب بالحمى، فقال هذا الأعرابي: «بل هي حمى تفور على شيخ كبير، كيما تزوره القبور» يعني: حمى شديدة تفور من شدتها على شيخ كبير -يعني: في السن- كيما تزيره القبور، يعني: هي سبب في موته وانتقاله إلى القبر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام حينئذ: «فنعم إذا». جاء في بعض الروايات أنه مات من يومه. أي: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فنعم إذا»، فمات من يومه. ولهذا قال أهل العلم: قول النبي عليه الصلاة والسلام ذلك يحتمل أن يكون من باب الدعاء عليه، أو من باب الإخبار. «فنعم إذا» يعني: سيقع ما ذكرت. ولهذا كما جاء في بعض الروايات أنه مات بعد ذلك. جاء في رواية كما ذكر الشيخ الألباني رحمه الله في مصنف عبد الرزاق قال: «فما أمسى من الغد إلا ميتا». ففي هذا الحديث بيان استحباب عيادة المريض، وفيه أيضا استحباب الدعاء للمريض بهذا الدعاء: «لا بأس عليك، طهور إن شاء الله». إذا عدت مريضا فإنك تدعو له بهذا الدعاء. قال: باب عيادة المرضى. قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا مروان بن معاوية، قال: حدثنا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم -وهو سلمان الأشجعي- عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح اليوم منكم صائما؟» قال أبو بكر: «أنا». قال: «من عاد منكم اليوم مريضا؟» قال أبو بكر: «أنا». قال: «من شهد منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: «أنا». قال: «من أطعم اليوم مسكينا؟» قال أبو بكر: «أنا». قال مروان -يعني: الراوي مروان بن معاوية- قال: «بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة». والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. وفي هذا الحديث بيان فضل الصيام، وأن الصوم سبب لدخول الجنة. وهكذا فضيلة عيادة المريض، وأن عيادة المريض من أسباب دخول الجنة. وأيضا فضل اتباع الجنائز، وأن اتباع الجنائز من أسباب دخول الجنة. وهكذا فضيلة الإطعام والتصدق والإنفاق، وأن ذلك سبب من أسباب دخول الجنة. قال: حدثنا أحمد بن أيوب، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثني المغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر. وأبو الزبير محمد بن تدرس، وهو مدلس. وقد روى عن جابر رضي الله تعالى عنه أحاديث، وأكثر منه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه. فلهذا فإن أهل العلم يضعفون حديثه إذا كان خارج الصحيح. قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم السائب، وهي تزفزف -يعني: ترتعد وترتعش وتتضرج من الحمى- فقال: «ما لك؟» قالت: «الحمى أخزاها الله». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مه» -يعني: كلمة زجر- «لا تسبيها، فإنها تذهب خطايا المؤمن كما يذهب الكير خبث الحديد». والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. وفي هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل على أم السائب يعودها. وفي هذا جواز عيادة المريض ولو كانت امرأة إذا كانت محرما لك، فلا بأس أن تزورها. بل هذا الذي ينبغي أن يكون بين الأقارب من صلة الأرحام. إذا مرضت أختك مثلاً أو عمتك أو خالتك أو ابنة أخيك أو ابنة أختك أو غير ذلك من محارمك، فإنك تزورها. فوجدها تزفزف -يعني: ترتعد من شدة الحمى- فقال: «ما لك؟» قالت: «الحمى ما أخزاها الله». سبت الحمى. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا المؤمن كما يذهب الكير خبث الحديد». يعني: أن الحمى تكفر الذنوب وتذهب خطايا المؤمن كما يذهب الكير خبث الحديد. إذا وضع الحديد في الكير -أو الموضع الذي يصفى فيه الحديد- فإنه يخرج كل ما في الحديد من صدأ، وكذلك أيضا مما ينبغي تصفيته منه من خبث. فكذلك الحمى إذا جاءت المسلم فإنها تطهره من الذنوب وتصفيه وتنقيه كما يصفي الكير خبث الحديد. وهذه فضيلة عظيمة ينالها المسلم إذا أصابته الحمى. فلهذا ينبغي عليه أن لا يسب الحمى، بل يصبر ويحتسب ويعلم أن هذا خير له، أراده الله سبحانه وتعالى له، حتى يكفر الله سبحانه وتعالى عنه ما أصابه من ذنوب وخطايا. وما من عبد إلا وهو يخطئ ويذنب. وجعل الله سبحانه وتعالى من رحمته من الأسباب التي تكفر بها خطايا العبد، منها المصائب، ومنها الأمراض، ومنها الحمى. فلهذا ينبغي إذا تلقى بها العبد أن يصبر ويحتسب، لا يسبها ولا يتضجر، ولا كذلك أيضا يفعل ما ينافي الصبر، بل عليه بالصبر والاحتساب. نكتفي بهذا القدر، ونكمل في درس قادم إن شاء الله. والله تعالى أعلم.