التعليقات على كتاب الأدب المفرد 156

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 156، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضائل الصحابة ومواساتهم

يشرح الدرس فضيلة الصحابة في اتباع النبي ومواساة الأنصار للمهاجرين، ويبرز دور عمر بن الخطاب في إمداد الناس في أوقات الشدة. كما يشير إلى جواز المزارعة بأجرة معلومة.

أثر المعاصي في الشدة والقحط

يتناول المقطع أثر المعاصي في حصول الشدة والقحط وغلاء الأسعار، ويشير إلى أهمية الرجوع إلى دين الله والتوبة والاستغفار لتغيير هذا الحال. كما يبرز دور ولي الأمر في إعانة الناس.

أحكام الأضاحي ونسخ الحكم

يشرح المقطع حديث النبي حول نهيه عن ادخار الأضاحي ثم السماح بذلك، ويستعرض آراء أهل العلم حول استمرار هذا الحكم أو نسخه.

أعلى أسانيد الكتب الستة

يتناول المقطع أعلى أسانيد الكتب الستة، ويبين قوة أسانيد بعضها، حيث يذكر أن أعلى أسانيد مسلم وأبي داود والنسائي هي الرباعيات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا في درس الماضي عند حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن الأنصار قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا. فقالوا: تكفون المؤونة ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا. وبهذا الحديث جواز المزارعة إذا كانت بأجرة معلومة وبشيء مشاع معلوم، إما الثلث أو الربع أو النصف أو غير ذلك مما يتفق به العامل مع مالك الزراعة، هذا جائز. ويحمل ما جاء في النهي عن المزارعة وعن كراء الأرض مما يكون فيه جهالة وغرر. وفيه كذلك أيضا جواز الاشتراط في الزراعة بالشرط الذي لا يخالف الشرع. وأما إذا كان في المزارعة وغيرها من عقود شروط تخالف الشرع، فهي باطلة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما كان من شرط يخالف كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط». وفيه كذلك فضيلة للأنصار رضي الله تعالى عنهم، إذ أنهم بذلوا أموالهم لإخوانهم المهاجرين وأعانوهم وواسوهم، حتى إنهم أرادوا أن يقسموا أموالهم بينهم وبين إخوانهم المهاجرين. يا رسول الله، اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. وهذا من شدة محبتهم لإخوانهم وإرادة المواساة لهم. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم مع أخيه إذا كان في حاجة وشدة، فينبغي أن يتعاون المسلم مع أخيه المسلم بقدر ما يستطيع. وفيه أيضا فضيلة للصحابة رضي الله تعالى عنهم في شدة اتباعهم وطاعتهم للنبي عليه الصلاة والسلام. لما أخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام بما فيه مصلحة ومنفعة لهم، قالوا: سمعنا وأطعنا. فكانوا سريع الاستجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم. والشاهد من ذكر هذا الحديث هو ما حصل من الأنصار في مواساتهم لإخوانهم من المهاجرين. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا أصبغ، ومن الفرج قال: أخبرني من وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب أن سالما أخبره أن عبد الله بن عمر أخبره أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: عام الرمادة، وكانت سنة شديدة ملمة. وعام الرمادة كان في السنة الثامن عشر من الهجرة، وكان عام جدب، يعني قحط وجوع أصاب أرض الحجاز قحط وجوع شديد، واستمر تسعة أشهر. وسمي هذا العام بعام الرمادة. قال ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية: سمي بذلك لأن الأرض اسودت من قلة المطر حتى صارت كالرماد، وقيل: لأن الريح كانت تسف ترابا مثل الرماد من شدة قلة المطر. فأصاب الناس في هذا العام قحط شديد وجوع شديد. قال: وكانت سنة شديدة ملمة، بعدما اجتهد عمر في إمداد الأعراب بالإبل والقمح والزيت من الأرياف كلها، حتى بقيت الأرياف كلها مما جهدها ذلك. فقام عمر يدعو فقال: اللهم اجعل رزقهم على رؤوس الجبال. فاستجاب الله له وللمسلمين. فقال حين نزل بهم الغيث: الحمد لله، فوالله لو أن الله لم يفرجها ما تركت بأهل بيت من المسلمين لهم سعة إلا أدخلت معهم أعدادهم من الفقراء. فلم يكن اثنان يهلكان من الطعام على ما يقيم واحدا. وهذا الأثر صحيح. وفيه كما سمعنا ما فعله عمر رضي الله تعالى عنه حين أصاب الناس من الجوع والقحط، أنه أمدهم بما يملك من بيت المال من طعام وزيت، واجتهد في ذلك رضي الله تعالى عنه حتى نفذ ما عنده، وما زال الناس في جوع. فدعا الله سبحانه وتعالى أن يزيل هذه الشدة، فاستجاب الله عز وجل دعاءه، وأنزل الله جل وعلا الغيث. وفي هذا الأثر بيان ما قد يجعله الله سبحانه وتعالى من البلاء الذي يصيب الناس، ومن ذلك القحط والجوع وقلة الأمطار. فهذه من الأمور التي يجعلها الله سبحانه وتعالى أسبابا يعاقب بها الله عز وجل عباده. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من أسباب ذلك المعاصي والذنوب. أن من أسباب قلة الأمطار المعاصي، ومنع ما أوجب الله سبحانه وتعالى لإخراجه من الزكاة. وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منع القطر من السماء. ولولا البهائم لم يمطروا. وهكذا أيضا إخبار الله عز وجل بقلة الأرزاق وبركة السماء والأرض بسبب المعاصي: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾. فالمعاصي سبب لذهاب البركة ولحصول الشدة. فلذا ينبغي على المسلمين أن يعلموا أن من أعظم الأسباب التي تكون سببا في حصول الشدة والقحط وغلاء الأسعار وغير ذلك من البلاء هو بسبب المعاصي وما اكتسبته أيديهم، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾. ولا يغير هذا الحال إلا إذا غير الناس من أنفسهم من أعمالهم ومن أقوالهم، فبذلك يتغير حالهم: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. فإذا أراد الناس الحل في تغيير الأوضاع، سواء كانت أوضاعهم السياسية من حيث تسلط الحاكم، أو أوضاعهم الاقتصادية وما يتعلق بها من أرزاق وغير ذلك، فالحل في ذلك هو الرجوع إلى دين الله سبحانه وتعالى، والتوبة والاستغفار مما يقعون فيه من ذنوب ومعاصي، والتمسك بكتاب الله عز وجل وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. والله عز وجل لا يصيب الناس إلا بقدر أعمالهم، كما قيل: كما تكونوا يولى عليكم. لا يتولى الإمام الظالم على الناس إلا بسبب ظلمهم. وإلا لو صلحوا وأصلحوا أنفسهم أصلح الله سبحانه وتعالى لهم حكامهم ورؤساءهم. لكن لما كان الناس واقعون في الظلم، صير الله سبحانه وتعالى عليهم من هو مثلهم. وهكذا أيضا فيما ينبغي أن يقوم به ولي الأمر والحاكم عند حصول الشدة وحصول القحط، أن يعين الناس بما يستطيع مما أتاه الله عز وجل من أموال وأرزاق، فينفقها عليهم كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه، اجتهد وأمد الأعراب بالإبل والقمح والزيت وما أتاه الله عز وجل من أموال حتى نفذت كلها. حتى جاء في بعض الروايات أنه رضي الله تعالى عنه كان يقلل طعامه الذي كان يأكله من شدة تحمله بما أصاب المسلمين، حتى تغير لونه وخشي الناس عليه من الهلاك. وهكذا أيضا في ذلك فضيلة لعمر رضي الله تعالى عنه، وفضائله كثيرة. وفي هذا الحديث والأثر استجاب الله سبحانه وتعالى لدعائه، حيث دعا أن يجعل الله سبحانه وتعالى أرزاقهم على رؤوس الجبال، فأنزل الله سبحانه وتعالى الغيث وأزال الله سبحانه وتعالى عنهم هذه الشدة. وكذلك أيضا ما عزم على فعله رضي الله تعالى عنه، أنه لو استمر هذا الجوع وهذه الشدة لأدخل على من كان عنده سعة من المسلمين أدخل معهم غيرهم من الفقراء، حتى يواسوهم ويأكلوا مما أتاهم الله عز وجل. قال: فلم يكن اثنان يهلكان من الطعام على ما يقيم واحدا. يعني ما يأكله الواحد يأكله الاثنان أو الثلاثة. لكن لما أنزل الله سبحانه وتعالى الغيث وخصبت الأرض لم يفعل ذلك، لكن عزم على فعله. يستدل أهل العلم بذلك أنه إن وقع مثل ذلك من قحط وشدة، فإن ولي الأمر يوزع الفقراء على الأغنياء، على أهل السعة بما لا يكون فيه حيف عليهم أو إضرار بهم، من باب المواساة وإزالة ما يصيبهم من هذا الضرر. وهو الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب، باب المواساة في السنة والمجاعة، ما فعل أبو عمر رضي الله تعالى عنه من إرسال الأمداد والأرزاق. وهكذا أيضا ما عزم على فعله من تفريق الفقراء وتوزيعهم على أهل السعة، حتى يصيبوا مما أتاهم الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: حدثنا أبو عاصم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصبح أحدكم بعد ثالثة وفي بيته منه شيء». فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: «كلوا وادخروا، فإن ذلك العام كان الناس في جهد، فأردت أن تعينوهم». والحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفيه كما سمعنا أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ادخار الأضاحي فوق ثلاث، نهى الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن يدخروا ضحاياهم فوق ثلاثة أيام أو بعد ثلاثة أيام. وسبب ذلك هو ما أصاب الناس من فقر وحاجة، كما جاء في بعض الروايات أنه دخل على المدينة دفقة، يعني جاء جماعة من الأعراب قد أصابهم الجوع والفقر، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بمواساتهم. فنهى عن ادخار الأضاحي فوق ثلاثة أيام. فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ يعني لا ندخر فوق ثلاثة أيام. فقال عليه الصلاة والسلام: «كلوا وادخروا، فإن ذلك العام كان الناس في جهد، فأردت أن أعينهم». ففي هذا الحديث أراد الإمام البخاري رحمه الله أن يستدل به على جواز ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من منع الإدخار فوق ثلاثة أيام إذا وجد سببه، وهو الجوع والفقر. وأن هذا الحكم يكون باقيا إذا وجد السبب، وهو الجوع والمجاعة. فإذا وجدت المجاعة فإنه حينئذ يمنع الناس من ادخار الأضاحي فوق ثلاثة أيام كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث. ولهذا القول ذهب طائفة من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ذهب إلى أن هذا الحكم باق إذا وجد سببه، وهو المجاعة. وعليه يدل صنيع الإمام البخاري في استدلاله بهذا الحديث في هذا الباب. وجمهور أهل العلم على أن هذا الحكم منسوخ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلوا وادخروا». فيكون هذا الحكم ليس على إطلاقه، يعني حكم الادخار وعدم ادخار الأضاحي أو إبقائها فوق ثلاثة أيام، وإنما يكون منسوخا عند عدم وجود السبب، وهو المجاعة. فإذا وجدت فإنه يكون الحكم باقيا، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما. وفي هذا الحديث ما سمعنا من نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن ادخار الأضاحي فوق ثلاث بسبب ما وقع للناس من مجاعة وشدة، لأجل مواساتهم ولأجل إعانتهم. وهكذا أيضا فيه جواز واستحباب الأكل من الأضحية، بقوله: «كلوا». وذهب بعض أهل العلم إلى الوجوب، إلى أن الأكل منها واجب. وهكذا أيضا الادخار: «كلوا وادخروا». فيجوز للإنسان أن يتدخر من الأضحية ما شاء، وإن كان الأفضل أنه يتصدق منها بما تيسر، ويأكل منها ما يتدخر ويدخر كذلك ما شاء. وجاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدخر طعام سنة. وجاء في مسلم أنه كان لا يدخر لغد. وجمع أهل العلم بين الحديثين بأنه كان لا يدخر لنفسه، وإنما يدخر لعياله. أو أنه كان لا يدخر عند وجود المشقة ووجود الحرج والحاجة للناس، فيترك الادخار. وعند عدم وجود الحاجة فإنه يدخر، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله. وهكذا أيضا في هذا الحديث دلالة أن العام إذا ورد على سبب خاص فإن عمومه يضعف. يعني لا يكون كالعام الوارد بغير سبب، فإن عمومه يكون أقوى. لكن العام الذي يرد على سبب خاص فيكون عمومه ضعيف. وهذا العام الذي في هذا الحديث وهو النهي عن ادخار الطعام فوق ثلاثة أو للأضاحي فوق ثلاث، قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ يعني هل هذا الحكم باق على عمومه؟ فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس كذلك. وكذلك في هذا الحديث فائدة إسنادية، وهو أن هذا الحديث كما نرى من ثلاثيات الإمام البخاري، وهو ما بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة. وللإمام البخاري رحمه الله في صحيحه اثنان وعشرون حديثا ثلاثيا. وأما في بقية الكتب الستة فليس فيها أساني ثلاثية إلا الترمذي، ففيه سند واحد ثلاثي، وهو حديث أنس: «يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر». وسنده ضعيف، لكنه حسن بمجموع الطرق، قد حسنه الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة. وجاء كذلك عند الميمون خمسة أساني ثلاثية، لكنها كلها ضعيفة من طريق جبارة بن المغلس عن كثير بن السليم عن أنس. وجبارة وكثير ضعيفان. وأما بقية الكتب الستة: مسلم، وأبو داود، والنسائي، فأعلى أسانيدها الرباعيات. أعلى أسانيدها الرباعيات.