الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 80، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع ترجيح العلة في الأحكام الشرعية بناءً على أدلة من الكتاب والسنة أو أقوال الصحابة، ويقدم أمثلة على ذلك مثل تحريم الربا ومس الذكر. يشرح كيفية التعامل مع تعارض علتين في الحكم الشرعي.
ناقش المقطع مسألة ترجيح علة على أخرى عند تعارضهما في الأحكام الشرعية، حيث اختلف العلماء في تقديم العلة الأثقل أو الأخف حكمًا. تطرق إلى آراء مختلفة في الترجيح بين العلل الشرعية والحسية.
ناقش المؤلف آراء الفقهاء في ترجيح العلة في القياس، حيث اختلفوا في تقديم العلة التي هي أقل أوصافًا أو أكثرها، والعلة المتعدية أو القاصرة. يُوضح أن الجمهور يرجحون العلة المتعدية على القاصرة.
ذكر المؤلف حكم العلتين إذا اتفق أصل إحداهما، ثم ختم بصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يمثل هذا خاتمة للموضوع المطروح.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحرمين رحمه الله في كتابه "المذكرة": قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل في ترجيح المعاني، يعني بذلك الترجيح بين علل المعاني. ثم قال: قال أصحابنا: إن العلة ترجح بما يرجح به الخبر، من موافقتها لدليل آخر من كتاب أو سنة أو قول صحابي أو خبر مرسل. ومن أمثلة ذلك قول مالك: علة تحريم الربا في البر الاقتيات والادخار، مع قول الشافعي: علة تحريم الربا فيه الطعم. علة تحريم الربا مع قول الشافعي: علة تحريم الربا فيه الطعم، لأن علة الشافعي هنا قد ترجحت بموافقتها لحديث معمر بن عبد الله في صحيح مسلم: "كنت أسمع ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الطعام بالطعام مثلا بمثل". الحديث. وقصدنا مطلق المثال، لا مناقشة الأقوال، يعني مراده بذلك أن قول الشافعي في علة تحريم الربا الطعم يوافقه ما ورد في الحديث. قال: والشأن لا يعترض المثال، إذ قد كفى الفرض والاحتمال. قال: وترجح علة أيضا بكونها ناقلة عن الأصل، كالخبر. فقوله في حديث عدم نقض الوضوء بمس الذكر: "هل هو إلا بضعة منك"، حديث طلق بن علي، علة في عدم نقض الوضوء بذلك، إذ لا ينقض الوضوء بمس عضو لعضو من إنسان واحد، وهذا هو الأصل، يعني البقاء على الأصل أن الإنسان إذا مس أي موضع من جسده لم ينتقض وضوءه. قال: وحديث "من مس ذكره فليتوضأ"، حديث بسرة بن صفوان، يدل بمسلك الإيماء والتنبيه على أن علة الوضوء فيه مس الذكر. فهذه العلة ناقلة عن الأصل، يعني الأصل عدم النقض، لكن هذا الحديث دل على خلاف هذا الأصل، أن مس الذكر يختلف عن مس أي موضع من الجسد، فنقل هذا الأصل وهو عدم النقض، فيدل على نقض الوضوء بمس الذكر، فيكون مقدمًا لأن فيه زيادة علم. قال: والعلة المقتضية البقاء على الأصل في عدم وجوب الوضوء، التي هي "هل هو إلا بضعة منك"، موافقة للبراءة الأصلية، فتقدم عليها الناقل عن الأصل، فيجب الوضوء من مس الذكر. وهذان الحديثان صالحان لمثال لحكم الناقل عن الأصل والعلة الناقلة عن الأصل معًا، ولذا مثلنا لهما بهما. ثم ذكر المؤلف رحمه الله أنه إذا تعارضت علتان، إحداهما حاضرة والأخرى مبيحة، أو علتان إحداهما مسقطة للحد والأخرى موجبة له، أو علتان إحداهما موجبة للعتق والأخرى نافية له، فقد اختلف أهل العلم في ترجيح الحاضرة والمسقطة للحد والموجبة للعتق على مقابلاتها. فرجح بذلك قوم احتياطًا للحضر ونفي الحد، ولأن الخطأ في نفي هذه الأحكام أسهل من الخطأ في إثباتها. ومنع آخرون الترجيح بذلك، من حيث أنهما حكمان شرعيان فيستويان، ولأن سائر العلل لا ترجح بأحكامها، فكذا هنا. قال مقيد عفو الله عنه: الذي يظهر لي أن العلة الحاضرة مع غير الحاضرة كالنص الحاضر مع غيره. فالأظهر إجراء العلل في الترجيح بما ذكر مجرى أحكامها، لأن الجميع أدلة. والأظهر عندي عدم تقديم الحاضر على المبيح، لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام. قال: وتقديم المقتضية لنفي الحد، لأن الخلافة شبهة والحدود تدرأ بالشبهات، كما عليه جماعة من الأصوليين، ما لم يقم مرجح آخر أقوى يترجح به جانب الحد. قالوا: إن الموجب لحرية أرجح لشدة تشوف الشارع للحرية وترغيبه فيها، ما لم يقم مرجح آخر أقوى يترجح به جانب الرق. ثم ذكر المؤلف أنه إن تعارضت علتان إحداهما أخف حكمًا والأخرى أثقل حكمًا، أن قومًا رجحوا التي أخف حكمًا، لأن الشريعة خفيفة مرفوع فيها الحرج. وقال آخرون بالعكس، لأن الحق ثقيل. وهذه الترجيحات -يعني- ضعيفة، كما أشار رحمه الله قبل ذلك. قال مقيد عفو الله عنه: لا يمكن الحكم مطلقًا في هذه المسألة، لأن التخفيف يكون أرجح تارة، والتثقيل يكون أرجح أخرى. ومما يوضح ذلك أن الله قال: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾. ولا خلاف في أنه تارة ينسخ الأثقل بالأخف، لأن الأخف خير في ذلك المحل. ينسخ الأثقل بالأخف، مثل مقابلة آية المصابرة في أول الأمر، أمر المسلم أن يصابر عشرة من الكفار، ثم نسخ هذا الحكم بمصابرة الواحد للإثنين. قال: وتارة ينسخ الأخف بالأثقل، لأن الأثقل خير في ذلك المحل، مثل نسخ التخيير في الصيام بالأمر بالإلزام به، وهذا أثقل. كما أوضحناه في النسخ. ويريد بهذا أن كون النسخ -يعني- الأخف أفضل أو الأثقل أفضل، هذا يختلف باختلاف الأحوال. فقد يكون الحكم بالأثقل هو الأفضل والأرجح، وقد يكون الحكم بالأخف هو الأفضل والأرجح. ثم ذكر المؤلف أنه إن كانت علتان إحداهما حكم شرعي والآخر وصف حسي، ككونه مسكرًا أو قوتًا، أن القاضي اختار ترجيح الحسية. وإن أبا الخطاب مال إلى ترجيح الحكمية. وذكر ما رجح به كل منهما. قوله قد تركنا ذكره لعدم اتجاه شيء منه عندنا. ثم قال المؤلف: وقيل: هذا كله ترجيح ضعيف. قال: وقد صدق من قال ذلك. والله أعلم. قوله -يعني- علتان إحداهما حكم شرعي، حكم شرعي يعني ثبت هذا الوصف عن طريق الشرع، كالحل والتحريم ونحو ذلك. والوصف الحسي ما يعني ثبت بالحس، كالطعم والإسكار. قال: ووجه ترجيح المالكية للعلة الحسية على الشرعية أنها الألزم للمحل منها. ولا يخفى عدم ظهوره. كما ترى. ثم ذكر المؤلف عن أبي الخطاب أنه ذكر ترجيح العلة التي هي أقل أوصافًا على التي هي أكثر أوصافًا. ووجه ذلك بمشابهتها العلة العقلية. قال: ووجه المالكية ومن وافقهم ترجيح العلة التي هي أقل أوصافًا على التي هي أكثر أوصافًا، بأن تطرق البطلان أقل في التي هي أقل أوصافًا، لأن المركب يسر إليه البطلان بكل واحد من أوصافه. فاحتمال البطلان في كثيرة الأوصاف أكثر منه في قليلة الأوصاف. قال: وقال بعضهم: إن العلة التي هي أكثر أوصافًا مقدمة على العلة التي هي أقل أوصافًا، لأن كثرة أوصاف العلة الجامعة بين الفرع والأصل تدل على كثرة الشبه بينها. وقد تقدم الكلام في القياس على العلة المركبة وغيرها. ثم ذكر عن أبي الخطاب أنه ذكر ترجيح العلة بكثرة فروعها وعمومها. قال: ثم اختار التسوية. وإن هذين لا يرجح بهما، لأن العلتين سواء في إفادتهما حكمهما وسلامتهما من الفساد. ومتى صحت لم يلتفت إلى كثرة فروعها ولا كثرة أوصافها. قال: ومثال ترجيح التي هي أقل أوصافًا على التي هي أكثر أوصافًا، ترجيح علة الحنفي والحنبلي في تحريم الربا بالكيل، لأن الكيل وصف واحد، على علة المالكية تحريم الربا في البر المركبة من أكثر من وصف، وهي الاقتيات والادخار وغلبة العيش. قال: واعلم أن الترجيح بكثرة الفروع مبني على ترجيح العلة المتعدية على القاصرة. فالمتعدية التي هي أكثر فروعًا ترجح على المتعدية التي هي أقل فروعًا، وعلى القاصرة بالعكس. قال: ومن أمثلة تعليل بعضهم منع الربا في النقدين بالوزن، فالوزن علة متعدية إلى عيرهما، كالحديد والنحاس -يعني- الحديد والنحاس يزنان، ومع ذلك لا يجري فيهما الربا. قال: مع تعليل بعضهم منع الربا فيهما بالثمنية أو النقدية، فهي قاصرة عليهما. وهذا القول هو الأصح، هو قول جمهور أهل العلم، أن العلة في جريان الربا في الذهب والفضة هو الثمنية، كونها ثمنًا للأشياء. فما كان مثلها يقوم مقامها، كالأوراق النقدية، فإنه يجري فيها الربا. قال: وعلم أن المؤلف ذكر عن أبي الخطاب أن العلة المتعدية ترجح على القاصرة. وعلى القول بأن القاصرة ليست صحيحة، فلا تعارض بينهما. وأما على القول بأنها صحيحة، فيقع فيها الترجيح. قال: وتقديم المتعدية هو قول الجمهور. والأصفهاني رجح القاصرة على المتعدية. والباقي سوى بينهما. قال: لا فرق بين المتعدية وبين القاصرة. قال: وهو المعروف عند الأصوليين -يعني- تقديم المتعدية. ثم قال: ومنع ذلك قوم، لأن الفروع لا تنبئ عن قوة في ذات العلة، بل القاصرة أوفق للنص. وهذا قول الأصفهاني. وقوله: "بل القاصرة أوفق للنص" -يعني- لم يتجاوز تأثيرها موضع النص. قال: والأول أولى، فإن المتعدية متفق عليها، والقاصرة مختلف فيها. ثم ذكر المؤلف أنه متى كان أصل إحدى العلتين متفقًا عليه... إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.