الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 79، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل أوجه التقديم بين الأحاديث النبوية، مثل تقديم الأحاديث التي تحمل تهديداً أو تخويفاً، وتقديم العموم غير المخصص على المخصص، مع ذكر أمثلة من القرآن والسنة.
يشرح هذا الفصل ترتيب الأولويات في العموم بين المفردات اللغوية المختلفة مثل الجمع المعرف بالألف واللام، ومن وما الاستفهاميتين، مع مناقشة آراء أهل الأصول في تقديم العام غير المخصص.
يناقش هذا الفصل آراء الأصوليين في ترجيح خبر على آخر في مسائل الحدود والرق والحرية، مع ذكر الخلاف بين المالكية وغيرهم في تقديم الخبر النافي للحد على الموجب له.
يشير هذا الفصل إلى تعارض النصوص ويعطي أمثلة على ذلك، مع الإشارة إلى أهمية الجمع بين النصوص المتعارضة إن أمكن.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال إمام شنقيط رحمه الله: كتابي مذكرة في أصول الفقه. قال: ومنها التهديد، هكذا قال. فالخبر الذي فيه تهديد وتخويف مقدم على ما ليس كذلك. وما زال في ذكري أوجه التقديم بين الأحاديث، فذكر منها ما كان في الخبر تهديد وتخويف، فيكون مقدمًا على ما ليس فيه كذلك. قال: ومثل له بعضهم بحديث عمار رضي الله عنه: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم» والحديث رواه أهل السنن، وهو في البخاري معلقًا. قال: في الحديث تخويف من صوم يوم الشك بأنه معصية للرسول صلى الله عليه وسلم، فيقدم هذا الحديث على الأحاديث المرغبة في صوم النفل. قال: فإن قيل: التخويف المذكور من كلام الراوي، فالجواب أن حكمه الرفع، إذ لا يقال من جهة الرأي: «فقد عصى أبا القاسم». وجعل هذا الحكم أو الصيام يوم الشك معصية مثل هذا لا يقال بالرأي، وإنما يكون مما أخذ عن نبي عليه الصلاة والسلام. قال: ومنها إطلاق العام عن ذكر سبب. فالعام المطلق الذي لم يذكر له سبب يقدم عمومه على العام الذي ذكر سببه؛ لأن هذا أضعف لإحتمال الخصوص بصورة السبب، والخلاف في ذلك معروف. قال: أما صيغ العموم، فيقدم ما دل منها على الشرط - ك «من» وما الشرطيتين - على النكرة في سياق النفي، على ما صححه بعضهم، محتجا بأن الشرط من العام يفيد التعليل غالبًا. قال: وباقي أدوات العموم تقدم عليه النكرة في سياق النفي، إلا لفظة «كل» ونحوها، فلا شك أنها مقدمة على النكرة في سياق النفي. والجمع المعرف بالألف واللام أو بالإضافة - ك «الرجال» أو «عباد الله» أو «أولادكم» - يقدم عمومه على «من» وما الاستفهاميتين؛ لأنهما أقوى منهما في العموم لامتناع تخصيص الجمع إلى الواحد دونهما. قال: ومنها عدم التخصيص. فالعام الذي لم يدخله تخصيص مقدم على العام الذي دخله التخصيص. وهذا رأي جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحدًا خالف فيه إلا صفي الدين الهندي والسبكي. قال: وحجة الجمهور أن العام المخصص اختلف في كونه حجة في الباقي بعد التخصيص. والذين قالوا: هو حجة في الباقي، قال جماعة منه: هو مجاز في الباقي. بخلاف الذي لم يدخله تخصيص، فهو سالم من ذلك. قال: ومثال هذه المسألة قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ فإنه عام في كل أختين، سواء كان الجمع بينهما بنكاح أو بملك يمين. وهذا العام لم يدخله تخصيص، فهو مقدم على عموم قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانهم﴾. قال: فإن قيل: عموم ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ مخصص بعموم ﴿أو ما ملكت أيمانهم﴾ فالجواب أن ذلك التخصيص هو محل النزاع، والاستدلال بصورة النزاع ممنوع بإطباق النظار. قال: والظاهر أن المثبت والنافي إذا كانت رواية كل منهما في شيء معين في وقت معين واحد أنهما يتعارضان. فلو قال أحدهما: دخلت الكعبة مع النبي صلى الله عليه وسلم في وقت كذا، ولم فارقه ولم يغب عن عيني حتى خرج منها، ولم يصل فيها. وقال الآخر: رأيته في ذلك الوقت بعينه صلى فيها، فإنهما يتعارضان، فيطلب الترجيح من جهة أخرى. قال: ويقدم عنده الحاضر على المبيح. وقيل: لا. والحاضر المنع يعني إذا اجتمع حاضر ومبيح، حاضر يعني مانع شيء يدل على المنع والتحريم، ومبيح يدل على الإباحة، فأيهما يقدم؟ يقدم الحاضر. قال: ووجه تقديم الحاضر على المبيح أن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام. وزاد بعض الأصوليين تقديم الخبر الدال على الأمر على الدال على الإباحة. ووجه ذلك هو الاحتياط في الخروج من عهدة الطلب. قال: ومن أمثلته عند القائل به ترك تحية المسجد في وقت النهي. هذا ما أمكن الجمع. وأما الخبر المسقط للحد فلا يرجح على الخبر الموجب له. قال: عند المؤلف، وكذلك عنده الخبر الموجب للحرية لا يرجح على الخبر المقتضي للرق. قال: وذهب المالكية وغيرهم إلى أن الخبر النافي للحد مقدم على الخبر الموجب له. قالوا: لما في الخبر النافي للحد من اليسر الموافق لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وقوله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾. قال: وتعارض الأدلة في وجوبه وسقوطه شبهة، وهو مستثنى عندهم من تقديم المثبت على النافي. والتعزير عندهم كالحد فيما ذكر. قال: ومثال تعارض الخبر الموجب للحد والنافي له ما لو سرق مجن قيمته ثلاثة دراهم. ففي حديث ابن عمر المتفق عليه يوجب قطعه لأنه سلم. والأحاديث التي تمسكت بها الحنفية ومن وافقهم في أنه لا قطع في أقل من عشرة دراهم هي أحاديث ضعيفة. قال: ومثال تعارض الخبر الموجب للحرية والموجب للرق حديث ابن عمر المتفق عليه: «من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قويم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاء فأعطي شركاء حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق عليه ما عتق». وظاهره أن العبد لا يستسعي ليحصل قيمة الباقي فيخلص نفسه من الرق. قال: فعلى ما ذهب إليه المؤلف لا يرجح أحد الخبرين على الآخر بإثبات الحرية أو بإسقاطها. وعلى قول من قال: يرجح موجب الحرية يجب استسعاء العبد لتحصيل قيمة الباقي ليتخلص من الرق. قال: والقصد مطلق المثال لا مناقشة الأقوال. مع أن بعض العلماء جمع بين الحديثين. ونحن مثلنا بهما للتعارض نظرًا لأن الجمع المذكور لا يجب الرجوع إليه. والله تعالى أعلم. إلى هنا صلى الله عليه وسلم ونبيه محمد عليه الصلاة والسلام.