الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 77، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش مفهوم التقليد في اللغة والاصطلاح الفقهي وجواز التقليد للعامي ومسوغاته. يبين أن التقليد هو قبول قول الغير من غير معرفة دليله.
يناقش تعارض الأدلة الشرعية وكيفية حل هذا التعارض بطرق الترجيح والجمع بين الأدلة المتعارضة. يوضح أن التعارض يكون بين أدلة ظنية.
يتناول أوجه الترجيح بين الأحاديث النبوية المتعارضة بناءً على السند والمتن. يذكر معايير الترجيح مثل كثرة الرواية وثقة الراوي.
يشرح كيفية ترجيح رواية على أخرى عند التعارض بناءً على معايير مثل وضوح الرواية وطريقة التحمل واعتبار سند الرواية.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال إمام شقيط رحمه الله في كتابه مذكرة في أصول الفقه: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل في التقليد، التقليد في اللغة وضع القلادة في العنق مع إحاطة به، لأنه إذا لم يكن محيطا به لا يسمى قلادة، ومنه قلادة المرأة السلسلة التي تتزين بها في حلقها، فهو يحيط بالعنق كله. ومثل القلادة التي توضع في أعناق الخيل، قال: ويستعمل في تفويض الأمر إلى الشخص، كأن الأمر مجعول في عنقه كالقلادة، يقول: قلدتك هذا الأمر، يعني وكلتك به، ويجعلتك قائما به، كأنه قلادة في عنقك. قال: ومنه قول لقيط الأيادي: «وقلدت أمركم لله دركم، رحب الذراع بأمر الحرب مطلعة»، وهو في اصطلاح الفقهاء قبول قول الغير من غير معرفة دليله. نعم، قبول قول الغير من غير معرفة دليله، تقليدنا قبول قول القائل من غير ذكر حجة للشائل، تقبل قول الغير من غير أن تعرف دليل هذا القول، هذا هو التقليد. قال: واعلم أن قول الغير لا يطلق إلا على اجتهاده، أما ما فيه النصوص فلا مذهب فيه لأحد، ولا قول فيه لأحد، لوجوب اتباعها على الجميع، فهو اتباع لا قول، حتى يكون فيه التقليد، فالأخذ بالنص ليس من هذا تقليدا، وإنما يسمى اتباعا. إذا أخذ الإنسان بالحجة والدليل من الكتاب والسنة، فهو متبع وليس بمقلد، قال: والاجتهاد إنما يكون في شيئين، أحدهما ما لا نص فيه أصلا، أما ما فيه نص فلا اجتهاد مع النص، وكما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. قال: والثاني ما فيه النصوص ظاهرها التعارض، فيجب الاجتهاد في الجمع بينها أو الترجيح، فالاجتهاد هنا ليس في أصل الحكم أو في ترك النصوص والأخذ بغيرها، وإنما بالجمع بين هذه النصوص للوصول إلى الحكم الصحيح. قال: فالأخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم أو بالإجماع لا يسمى تقليدا، خلافا لمن قال بأنه تقليد، بعضا قال: الأخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم تقليد، لأن ما ندري من أين قال، وقول النبي صلى الله عليه وسلم هو حجة بنفسه، قول النبي صلى الله عليه وسلم هو دليل بنفسه، فلا يعد ذلك تقليدا. وهكذا أيضا الإجماع لا يسمى تقليدا، لأن الإجماع حجة، الإجماع حجة، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، بفهمه، أن إن لم نتنازع ما نحتاج أن نرد إلى الله والرسول، قال: لا يسمى تقليدا، لأن ذلك هو الدليل نفسه. ولم يخالف في جواز التقليد للعامي إلا بعض القدرية، نعم، بعض القدرية قالوا: لا، لابد للعامي أن يعني يجتهد، جاء بمعنى أن يجتهد بالوصول إلى الحكم، وذا لا شك أنه غير صواب، لأن العامي ما يستطيع أن يجتهد لمعرفة الحكم الشرعي بنفسه، وإنما يسأل أهل العلم، فهذا فرضه. فالله عز وجل يقول: ﴿فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، أمر الله عز وجل بسؤال أهل العلم عند الجهل، وإذا فعل ذلك حصل يعني ما أمره الله عز وجل به. قال: والأصل في التقليد قوله تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾، وقولهم: ﴿أَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، واجمعوا أسألوه، واجمعوا أسألوه، يعني على جواز التقليد في مثل هذه الحال، لأن الصحابة كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم، ويسأل بعضهم بعضا، من لم يعلم سأل من يعلم منهم. قال: ﴿وَلَا يَسْتَفْتِي الْعَامِي إِلَّا مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى﴾، لا يستفتي العامي إلا من غلب على ظنه أنه من أهل الفتوى، نعم، إذا كان عنده أكثر من مفتي، فيتحرى من الذي أحق أن يسأل، لأن هذا دين، فينظر من الذي يرى أنه أهل الفتوى وأنه أعلم وأورع فيسأله. قال: وَإِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ مُجْتَهِدُونَ فَلَهُ سُؤَالُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، يعني إذا كانوا أكثر من واحد وهم في درجة واحدة أو بعضهم يفضل عن بعض وهم من أهل العلم وأهل الفتوى، لا بأس أن يسأل هذا أو ذاك، لكن التحري أولى، إذا كثروا فيتحرى الأعلم والأفضل. قال: وَإِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ مُجْتَهِدُونَ فَلَهُ سُؤَالُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَلَا يَلْزَمُهُ مُرَاجَعَةُ الْأَعْلَمِ لِجَوَازِ سُؤَالِ مَنْ دُونَهُ، فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ سُؤَالُ الْأَفْضَلِ، نعم، القول الذي قبله قول العامة أصحاب الشاف، يعني يسأل من شاء من أهل الفتوى، والقول الثاني: أنه يتحرى الأفضل، قول أبي إسحاق الإسفرايني، وهذا أولى، يعني أن يتحرى الأعلم والأفضل. فإن لم يعلم يعني أيهم أفضل أو أعلم، وكذا يسأل من شاء منهم، ما دام أنهم جميعا أهل لذلك، أنه يسأل من شاء من المجتهدين. قال: مؤلف رحمه الله: فصل في ترتيب الأدلة ومعرفة الترجيح، قال: أما ترتيب الأدلة، فقد ذكر أن المقدم منها الإجماع، ثم المتواتر من الكتاب أو السنة، فمتواتر السنة في مرتبة القرآن، ثم أخبار الآحاد. قال: وعلم أن الإجماع الذي يذكره الأصوليون تقديمه على النص، هو الإجماع القطعي خاصة، وهو الإجماع القولي المشاهد أو المنقول بعدد التواتر، الإجماع المقطوع به، مثل إجماعهم على وجوب الصلاة، وعلى وجوب الزكاة، وعلى وجوب الصيام، وعلى وجوب الحج، على حرمة الزنا، وشرب الخمر، إلى آخر ذلك من الأمور القطعية. وأما غير القطعي من الإجماعات، كالسكوت والمنقول بالآحاد، فلا يقدم على النص، وعلم أن تقديم الإجماع على النص، إنما هو في الحقيقة تقديم النص المستند إليه الإجماع على النص الآخر المخالف للإجماع. يقول: أن تقديم الإجماع على النص، هو بالحقيقة تقديم للنص المستند إليه الإجماع على النص الآخر الذي ليس معه إجماع، لأن ما من إجماع إلا وله نص، الإجماع ما يكون إلا على نص، لكن هذا النص قد يظهر وقد يخفى، قد يظهر وقد يخفى. نعم، فيكون التقديم هنا حينئذ تقديم للنص مع الإجماع على النص الآخر الذي ليس معه إجماع، قال: وترى يكون النص معروفا، وترى يكون غير معروف، نعم، قد يكون ظاهر مثل الإجماع التي ذكرناها الآن على وجوب الصلاة، وجوب الزكاة، وجوب الصيام، إلى آخر هذه إجماعات نصوصها ظاهرة معلومة. وقد يكون النص خفيا، مثل إجماع السلف على أن الجد أب، هذا النص قد لا يطلع عليه الكثير أو يعلمه الكثير، واستدل أهل العلم بالآيات التي فيها ذكر الأبوة لمن كان جدا، مثل قول الله عز وجل عن يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾، وفي قول الله جل وعلا في سورة البقرة: ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾، سماهم آباء وهم أجداد. قالوا: دل هذا على أن الجد أب، على أن الجد أب، هذا الدليل يعني خفي، ليس بذلك الظهور والوضوح، قال: إلا أن نجزم أن الصحابة لم يجمعوا على ترك ذلك النص إلا لنص آخر هو مستند الإجماع. في مثال الأول: ما لو تنازع خصمان في الأخت من الرضاع، هل يحل وطؤها بملك اليمين؟ فقال أحدهما: لا يحل ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، وظاهره يشمل النكاح وملك اليمين، ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، يعني من المحرمات، الأخت من الرضاع، فيشمل هذا الأخت من النسب والأخت بملك اليمين. قال: فقال خصمه: يحل وطؤها بملك اليمين، لعموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، الآية في سورة المعارج، وظاهرها الإطلاق في الأخت من الرضاع وغيرها. فيقول خصمه: أجمع جميع المسلمين على منع وطء الأخت من الرضاع بملك اليمين، فهذا الإجماع مقدم على قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، والمقدم في الحقيقة النص المستند إليه الإجماع، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، واضح. فقولنا الآن: قدمنا نصا على نص، وهو النص الأول الذي معه الإجماع على النص الآخر الذي فيه عموم، إذا صارت أمة إذا وقعت أمة في يده مثلا، ثلاثة حلال الله، يقول هنا: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، هذه آية عامة، أن ملك اليمين حلال، وقد يضع يقول في ذلك الأخت من الرضاع، لكن الآية الأخرى فيها تحريم نكاح الأخت من الرضاع، ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، ونقول: أجمع العلماء على التحريم نكاح الأخت من الرضاع بملك اليمين. وكيف يشتري من واحد ثاني يشتري من واحد ثاني، أيوة، أو توهب له أو يشتريها، وقد رضعت معه وربيت معها، تبقى عنده أم لا؟ إذا وقعت في ملكه فإنها تعتق، أي رحم، أي كل من ملك ذات رحم فإنها تعتق. قال: المثال الثاني: المضاربة المعروفة في الاصطلاح بعض الفقهاء بالقراض، فإن ظاهر النصوص العامة منعها، لأن الربح المجعول للعامل جزء منه لا يدري هل يحصل منه قليل أو كثير أو لا يحصل شيء، وهذا داخل في عموم الغرر. ولم يثبت نص صحيح يجب الرجوع إليه من كتاب ولا سنة بجواز المضاربة، والحديث الوارد فيها ضعيف لا يحتج به، إلا أن الصحابة أجمعوا على جواز المضاربة، وكذلك من بعدهم، فقدم هذا الإجماع على ظاهر تلك النصوص الدالة على منع الغرر، لعلمنا بأنهم استندوا في إجماعهم إلى شيء علموه من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على إباحة ذلك. والله أعلم على أن هم يدل على جواز المضاربة، فعل النبي عليه الصلاة والسلام حين كان يعني يعمل لعائشة لخديجة، كان يتاجر في مالها بربح معلوم، هذه المضاربة أن يكون المال من الإنسان والآخر منه العمل، ويتفقان على ربح معلوم، إما النصف أو الربع أو الثلث، الآخرة، فهذه جائزة. كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام، أقرها الإسلام، نعم، وإن لم يكن فيها دليل يعني واضح، نص صريح، لكن عمومات الأدلة تدل على مشروعيتها، مع يعني اتفاق الصحابة على جوازها. ها، الغرر، إذا كانت فيها شيء من الغرر، إذا لم يكن ربح معلوما، يعني مثلا يقول: لربح هذه السفرة والسفرة الأخرى لك ربحها، هذا ما يجوز، قد يربح في هذه السفرة ولا يربح في الأخرى، فهذا فيه غرر، هذا ما يجوز. أو يقول: لك ربح هذه السلعة وأنا لي ربح هذه السلعة، مثلا يتاجر في ثياب وطعام، فيقول: أنا لي ربح الثياب وأنت لك ربح الطعام، هذا ما يجوز، قد يربح بهذا ولا يربح بهذا، الذي يجوز يكون الربح مشاع معلوم، النصف، الربح، الثلث، يتفقان على حسب يعني ما يتفقان عليه. يقول مثلا: أنا لي من الربح الثلث ولك الثلثان، صاحب المال، أو لي النصف ولك النصف، أو لي الربح ولك ثلاثة أرباع، هذا جائز. قال: وعلم أن التعارض لا يكون بين قطعيين، ولا بين قطعي وظني، وإنما يكون بين ظنيين فقط، يعني من الأدلة ما يكون التعارض بين قطعيين، لأنه إذا كان كذلك ما كان قطعيا، القطعي ما يعارضه شيء. ولا بين قطعي وظني، لأن القطعي مقدم على الظني، وإنما يكون بين ظنيين، قال: وعلم أن تعادل الدليلين الظنيين بحسب ما يظهر للمجتهد جائز اتفاقا، أما تعادلهما في نفس الأمر فاختلف فيه، فاختلف فيه. فنقل عن إمام أحمد والكرخي أنه لا يمكن تعادلهما في نفس الأمر، وصححه صاحب جمع الجوامع، والأكثرون على جوازه، ومنهم من قال: هو جائز غير واقع، تعادل الدليلين الظنيين بحسب ما يظهر للمجتهد جائز، يعني أن يكون في درجة واحدة بحسب نظر المجتهد، ليس بينهما يعني ما يرجح أحدهما على الآخر. هل قد يقع؟ لكن هل هما كذلك في نفس الأمر؟ الجواب: لا، قال: فاختلفوا فيه، نقله الإمام أحمد أنه لا يمكن تعادلهما في نفس الأمر، لا بد يكون أحدهما أرجح من الآخر، إما من حيث الصحة وإما من حيث الدلالة. قال: والأكثرون على جوازه، ومنهم من قال: هو جائز غير واقع، والقول الأول أظهر، يعني ما يمكن أن يقع دليلان متعارضان ويكونان في درجة واحدة، ما يمكن أن يقدم أحدهما على الآخر، فهذا ما يمكن، لا بد أن يكون هناك نوع من الترجيح، إما من حيث صحة الدليل أو من حيث صحة المدلول. قال رحمه الله: الترجيح، والترجيح في استصلاح تقوية أحد الدليلين المتعارضين، قال: وعلم أنه إن حصل التعارض وجب الجمع أولا، وإن أمكن، كتنزيلهما على حالين، كما أكثرنا من أمثلته القرآنية في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. أولا إن أمكن وجب الجمع أولا، إن أمكن تنزيلهما على حالين، كما أكثرنا من أمثلته القرآنية في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، هو مطبوع في بعض طبعات أضواء البيان ملحق به، المؤلف رحمه الله، هو كتاب نافع، يعني فيه الجمع بين الآيات في غير التعارض. قال: من أمثلته في الحديث: الحديث الوارد بذم الشاهد قبل أن تطلب منه الشهادة، مع الحديث الوارد بمدحه، الوارد بذم الشاهد، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم يشهدون، يشهدون ولا يشهدون»، يعني يشهد الواحد من نفسه من غير أن تطلب منه الشهادة، هذا محل ذم، وفيه أحاديث. الوارد بمدح من شهد قبل أن يستشهد، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «خير الشهداء من أتى بالشهادة قبل أن تطلب منه»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، قال: فيجمع بينهما بأن ينزل كل منهما على حال، فيحمل حديث المدح على من شهد في حق الله، ومن يعلم أن المشهود له لا يعلم أنه شاهد له. ويحمل حديث الذم على الشاهد في حق الآدمي، العالم بأن الشاهد يعلم ما يشهد به، ولم يطلبه يعني يحمل حال الذم في حال أن المشهود له يعلم أن فلان له شهادة عنده، شهادة له، ما طلبه هو، يعلم أنه عنده شهادة وما طلبها منه، فيأتي يشهد، هذا مذموم. والممدوح أن يأتي يشهد والمشهود له ما يعلم أن فلان هذا عنده شهادة له، فيأتي فيشهد له، وهنا ممدوح، يحمل المدح على هذا، ويحمل الذم على من علم أنه له شهادة ولم يطلبه للشهادة، فيأتي ويشهد، هذا مذموم. قال: فإن لم يمكن الجمع، فالمتأخر ناسخ للمتقدم، يعني إذا ما استطعنا نجمع بين الدليلين، فإننا ننظر إلى التاريخ، فالمتأخر يكون ناسخا للمتقدم. قال: فإن لم يعلم المتأخر، فالترجيح، ما علمنا أيهما متقدم أو متأخر من الدليلين، هنا نرجح، سيذكر بعض أوجه الترجيح، قال: والترجيح في الأخبار من ثلاثة أوجه، الأول يتعلق بالسند، وهو خمسة. الأول: كثرة الرواية، يعني ما كان من الحديثين رواته كثر، رواته كثر من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والآخر ما رواه إلا واحد أو اثنان، إذن ما رواه الكثير أرجح، يدل أنه محفوظ، خلاف الآخر، نعم. قال: ثانيا: ثقة الراوي وضبطه وقلة غلطه، إذا كان أحد حديثين رواته فيهم من هو يعني لا بأس به، أو من عنده شيء من الغلط، صدوق يخطئ، والحديث الآخر رواته ثقات، ليس فيهم من فيه شيء من الغلط، فيقدم من رواته ثقات، هيا يدل على أنهم أضبط للحديث. قال: ثالثا: ورع الراوي وتقواه، لشدة تحرزه من رواية من يشك فيه، نعم، كون الراوي ورع وتقي، فهذا مقدم على غيره، مما ليس فيه هذه الصفة. رابعا: أن يكون صاحب القصة، كحديث ميمونة، أنه صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال، يكون الراوي للحديث هو صاحب القصة، مثل قصة ميمونة، أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال، ويقول ابن عباس: تزوجها وهو محرم، فحصل التعارض هنا. قال: أهل العلم: مقدم رواية ميمونة، لأنها هي صاحبة القصة، وهي أدرى بما حصل لها، فيقدم قولها على قول ابن عباس، قال: خامسا: أن يكون مباشرا للقصة، كحديث أبي رافع، بذلك، أبو رافع كان الواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ميمونة في زواجها، وأخبر أنه تزوجها وهو حلال. قال: لأنه هو السفير بينه وبين ميمونة، فكلاهما يرجح على حديث ابن عباس، أنه تزوجها وهو محرم، وللأصوليين في الترجيح باعتبار السند أمور كثيرة زائدة على ما ذكره المصنف. منها: علو السند، فالسند الذي هو أعلى يقدم على غيره، لأن قلة الوسائط بين المجتهد وبين الرسول صلى الله عليه وسلم أرجح من كثرتها، لأن قلة الوسائط يقل معها احتمال النسيان والاشتباه والزيادة والنقص. وعلو السند يكون ماذا؟ قلة الرجال، نعم، وكل ما قلت رجاله، على وضده ذاك الذي قد نزل، فكل ما كان بين الراوي وبين النبي صلى الله عليه وسلم أقل رجالا وعددا مما كان يعني أقرب إلى الصواب، إلى الضبط، مما كثرت رجاله. قال: ومنها: السلام من البدع، فالراوي غير المبتدع أرجح من الراوي المبتدع، يعني من عنده بدعة في القدر أو تشيع أو نحو ذلك، الذي هو سالم من هذه البدع، يعني من حيث الدين، هو أولى، فيقدم على من عنده شيء من البدع. قال: ومنها: فقه في الباب المتعلق به المروي، فالفقيه في البيوع مثلا يقدم خبره على غير الفقيه فيها، إذا كان الحقيقة متعلق بالبيوع، وهذا الراوي عنده فقه في البيوع، فيقدم على غيره الذي ما عنده فقه في البيوع، وقد يحصل منه يعني الوهم والخطأ. قال: وكذا يقدم زائد الفقه على غيره، يعني من عنده رواية وفقه على من ليس عنده فقه، فصاحب الفقه مقدم، إذا كان الحديث متعلق بالفقه، قال: وذا قالت المالكية: يقدم خبر من رواه من روى في الحج على ما رواه من القاسم فيه، لأنه أفقه منه فيه، يعني في الحج، وإن كان من القاسم أفقه منه في غيره. ويقدم عندهم العالم باللغة على غير العالم بها، والعالم بالنحو على غير العالم به، لأن الخطأ منهما في فهم مقاصد الكلام أقل، يعني من غيره، من من لا عنده معرفة عنده بالنحو، ما قد يحصل منه الخطأ، لأن الحركات لها أثر في معرفة المعاني، ورب حركة يخطئ فيها، يتغير المعنى. قال: ويقدم الفطن على من دونه، يعني من عنده فطنة وذكاء واتباع، ممن عنده شيء من الغفلة، قالوا: يقدم المشهور بالعدالة على المعدل بالتزكية، يعني إمام مشهور كالإمام مالك والإمام أحمد، الإمام الشافعي، الثوري، بن عيينة، الأوزاعي، هؤلاء إما مشهورون، يعني تغني شهرتهم عن التزكية، بخلاف راوي يحتاج إلى من يزكيه ويعدله. فرواية هذا المشهور مقدمة على ذاك الذي زكيه، قالوا: يقدم الراوي الذي زكاه المجتهد باختباره إياه على المزكى عنده بالإخبار، إذ ليس الخبر كالعيان، ويقدم من زكيه تزكية صريحة، من زكيه تزكية صريحة على من زكيه تزكية ضمنية، كالحكم بشهادته والعمل بروايته، هذه تزكية ضمنية. كون حكمنا قبلنا شهادته أو قبلنا روايته، هذا تزكية ضمنية، لكن الذي صرح بالتزكية، فيقال فيه: فلان ثقة، أو فلان حجة، أو كذا، هذا أولى. قالوا: يقدم من زكاه جماعة كثيرون على من زكاه واحد، مثلا، لأن من زكاه الأكثر يغلب على الظن أنه أرجح من الآخر، ويقدم غير المدلس على المدلس، لأن المدلس يحتمل أنه دلس في هذا الحديث، وغير المدلس يعني روايته مقبولة، بخلاف المدلس، ما تقوى الرواية إذا صرح بالتحديث. قال: ويقدم الحر على العبد، لأن الحر لشرف منصبه يتحرز عما لا يتحرز عنه العبد، وضعف بعضهم الترجيح بالحرية، ولظاهر العلم أنه قد يعني يرجح به، لأن الشريعة فرقت في الأحكام بين الحر والعبد. ويقدم حافظ الخبر الذي يسرده متتابعا على من ليس كذلك، وهو من يتخيل اللفظ ثم يتذكره ويؤديه بعد تفكر وتكلف، لأن الأول يدل على أنه متقن، خلاف الثاني، ومن لا يقدر على التأدية أصلا، لكن إذا سمع اللفظ، علم أنه مرويه عن فلان. ويقدم الراوي الذي يعرف نسبه على الراوي الذي لم يعرف نسبه، لأن الوثوق بالأول أشد، الراوي الذي يعرف نسبه يقدم على الراوي الذي لم يعرف نسبه، لأن الأول الذي عرف يتيقن يعني أنه ثقة، بخلاف الثاني، قد يكون مجهولا، فإذا جهل، جهل حكمه وعدالته. قال: ويقدم عندهم الذكر على الأنثى، إلا إذا علم أنها أضبط من الذكر، فتقدم عليه، يعني إذا كان الاختلاف في رواية ذكر وأنثى، الأصل أن الذكور يعني في الجملة أضبط ومقدمون، لكن إذا علم أن هذه الأنثى هي أضبط للحديث والحفظ من ذاك الذكر، قدم قولها. قال: وكذلك إن كانت صاحبة القصة، قدمت على الذكر، قال: بعضهم: الأنثى والذكر على السواء، ولا يرجح عليها إلا بما يرجح به الرجل على الرجل، وفصل بعض العلماء، فقال: يرجح الذكر في غير أحكام النساء، بخلاف أحكامهن، كالحيض والعدة، فيرجحن فيها على الذكور، لأنهن أضبط فيها من هذه الحيثية. نعم، قد تكون النساء أضبط فيما يتعلق بأحكام النساء وحاجات النساء، كالحيض والنفاس والعدة ونحوها، لكن لا يمنع ذلك أن يكون من الرجال من هو كذلك ضابط، رغم أضبط بعض النساء في العبرة في الأحفظ والأضبط، سواء كان من الرجال أو من النساء. قال: ويقدم الذي كانت روايته أوضح في إفادة المروي على الذي في روايته قصور، كالإجمال، قال: ولأجل ذلك يقدم الراوي بالسماع على الراوي بالإجازة، لأن السماع طريق واضح في إفادة المروي ببيان تفاصيله، بخلاف الإجازة، لما فيها من الإجمال، نعم. فرواية بالسماع أضبط، كون سمع يعني شيخه، سمع منه، بخلاف الإجازة، كون أجازه ولم يسمع منه، فرواية السماع أضبط وأقوى من رواية الإجازة. ويقدم من علمت جهة تحمله من سماع لفظ الشيخ أو القراءة عليه ونحو ذلك، على رواية من لم تعلم جهة تحمله، وتقدم رواية المكلف وقت التحمل على رواية من هو صبي وقت التحمل، يعني حالة تحمل الحديث في المكلف تقدم روايته. ولأنه سيكون أضبط من غير المكلف، والحال أنه أدى بعد البلوغ، للاختلاف في التحمل قبل البلوغ، وعدم الاختلاف في التحمل بعد البلوغ، لأن ما لخلاف فيه يقدم على ما فيه خلاف، وإن كان المشهور المعروف قبول رواية من تحمل قبل البلوغ إذا كانت التأدية بعد البلوغ، هذا قول جمهور أهل العلم. أن التحمل الصبي يجوز، لكن لا يؤدي إلا بعد البلوغ، وهكذا لو تحمله وكافر، فإنه يقبل منه إذا أداه بعد الإسلام، قال: ويقدم راوي الحديث بلفظه على الراوي بالمعنى، لسلامة المروي باللفظ عن احتمال وقوع الخلل في المروي بالمعنى، وهذا واضح. ويقدم خبر الراوي الذي لم ينكر شيخه أنه حدثه على خبر من أنكر شيخه الذي روى عنه روايته له عنه، وإن قل، إن إنكاره لا يضر، يعني عند التعارض يقدم ما لم ينكره الشيخ، لخلاف ما أنكره، وإن كان أنكره والراوي عنه متيقن أنه سمعه منه، فإنه يقبل، لكن عند التعارض يقدم ما لم ينكره الشيخ. قال: ويقدم ما في الصحيحين أو أحدهما على ما ليس فيهما، إلى غير ذلك، يعني إذا كان التعارض بين حديثين، نحن ما في الصحيحين والآخر في السنن، فما من الصحيحين مقدم، أنه أصح. قال: وكثير مما ذكرنا من المرجحات باعتبار السند لا يخلو من خلاف، ولكن له كله وجه من النظر، طيب، نقف هنا إن شاء الله، يا رب.