التعليق على مذكرة أصول الفقه 75

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 75، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في المعارضة في القياس

المعارضة في القياس هي إقامة الدليل على خلاف ما أقام القائم عليه دليله، وتنقسم إلى معارضة في الأصل ومعارضة في الفرع.

طرق إبطال المعارضة والرد على المعترضين

يتم إبطال المعارضة بأربعة طرق، منها إثبات الحكم بدون العلة التي ذكرها المعترض وإظهار رجحان العلة التي ذكرها المستدل.

عدم التأثير في الحكم وأقسامه الثلاثة

ينقسم عدم التأثير في الحكم إلى ثلاثة أقسام: عدم التأثير في الوصف، وعدم التأثير في الأصل، وعدم التأثير في الحكم.

تعريف القادح وبيان أقسامه

القادح هو ما يقدح في القياس، ويشترط فيه أن يكون القياس قياس علة وأن تكون العلة مستنبطة مختلفًا فيها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق المرسلين، أبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الشقيطي، رحمه الله، في كتابته مذكرة أصول الفقه: السؤال التاسع، المعارضة، وهي قسمان: معارضة في الأصل، ومعارضة في الفرع، وأحسنهما المعارضة في الأصل؛ لأنه لا يحتاج إلى ذكر غير صلاحية ما يذكره للعلة. أعلم أن ضابط المعارضة هو إقامة الدليل على خلاف ما أقام القائم عليه دليله، وترد على جميع الأدلة، قياسًا أو غيره. وهذا ليذكره المؤلف: المعارضة في القياس، إقامة الدليل على خلاف ما أقام القائم عليه دليله، هذا ضابط المعارضة. قال: وضابط المعارضة في الأصل أن يبدأ المعترض بوصف آخر صالح للتعليل، كأن يقول الشافعي: علة تحريم الربا في البر الطعم، فيعارض الحنبلي بإبداء وصف آخر صالح للتعليل، وهو الكيل. ولا يخفى أن هذا النوع من المعارضة مبني على القول بمنع تعدد العلل المستنبطة؛ لأنه على القول بجواز تعددها، فلا مانع من أن تكون كلتا العلتين صحيحة. قال: أما العلل المنصوصة، فلا خلاف في جواز تعددها، كالبول والنوم ينقضان الوضوء. يعني لو قال قائل: علة نقض الوضوء هو البول، فيقول آخر: بل النوم، نقول: كلتا العلتين تنقضان الوضوء، وقد جاء الدليل على ذلك. قال: ولا يرد عليها هذا النوع من المعارضة. وأشار إلى هذا في المراقب، قوله: «وعلة منصوصة تعدد في ذات الاستنباط خلف». قال: وهذا النوع المذكور من المعارضة في الفرع، إبداء وصف مانع من الحكم في الفرع، منتف عن الأصل، كقياس الهبة على البيع في منع الغرر. قياس الهبة على البيع في منع الغرر، فيقول المعترض: البيع عقد معاوضة، والمعاوضة مكايسة يخل بها الغرر، والهبة محض إحسان لا يخل بها الغرر. يعني لو قاس إنسان الهبة على البيع في منع الغرر، يعني نمنع من الهبة لحصول الغرر، كما أننا نمنع البيع إذا كان فيه غرر. فمثلا بيع ما في بطن الأمهات لا يجوز، فإذا وهب إنسان ما في بطن هذه البهيمة، قال: ما في بطن هذه الشاه وهبته لفلان، فيقول: نمنع من ذلك قياسًا على منع ذلك في البيع؛ لأجل الغرر. فيقال: البيع عقد معاوضة، يعني فيه أخذ وعطاء ومقابل، فإذا حصل للإنسان خسارة أو كان هذا الشيء المجهول فيه عدم حصول له، كان في هذا غرر وحصل له شيء من الخسارة. بخلاف الهبة، يقال: الهبة عقد إحسان، ليس فيه معاوضة، إن حصل له هذا الموهوب فهو مستفيد، وإن لم يحصل شيء فليس عليه خسارة. ففرق بين الهبة وبين البيع، فالهبة لا يخل بها الغرر؛ لهذا يجوز في الهبة هبة الشيء المجهول، بخلاف البيع لا يجوز بيع شيء مجهول. قال: فإن لم يحصل شيء لم يتضرر الموهوب له، يعني لو قال: وهبت لك ما في بطن هذه الشاة، فخرج ما في بطنها ميتًا، هل قصر شيء هذا الموهوب له؟ لا شيء، بخلاف البيع، لو اشترى ما في بطن هذه الشاة وخرج ميتًا، خسر وغرر به. قال: فيكون الهبة محض إحسان، معارضة في الفرع ليست موجودة في الأصل الذي هو منع البيع في الغرر، قال: مانعة من إلحاقه به، أي من إلحاق الهبة بالبيع. قال: ومثله قول الحنفي: يقتل المسلم بالذمي كغير المسلم، بجامع القتل العمد العدوان، فيقول المعترض: الإسلام في الفرع مانع من القود، يعني من القصاص. الإسلام في الفرع في قول يقتل المسلم بالذمي، هو الآن قاس قتل المسلم بالذمي بقتل المسلم بجامع القتل العمد العدوان. فيقال: كونه مسلمًا هذا الفرع الذي أردت أن تقيسه، كون هذا القاتل مسلمًا هذا يمنع من القصاص، يمنع من القصاص، فالمسلم لا يقتل بالكافر. قال: وذكر المؤلف أن من المعارضة في الفرع فساد الاعتبار المتقدم، وهو واضح؛ لأنك لو قلت كالحنفي: يمنع السلف في الحيوانات لعدم انضباطها كسائر المختلطات، فللمعترض أن يقول: إن في هذا الفرع وصفًا مانعًا من إلحاقه بالأصل، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم استلف بكرًا ورد رباعيًا. البكر الصغير من الإبل، والرباعي من الأربعاء، يعني أكبر منه. قال: وهذا النص الموجود في الفرع منتف عن الأصل الذي هو سائر المختلطات، فدل هذا على جواز استلاف الحيوان. قال: وذكر المؤلف في جواب المعارضة في الأصل أربعة طرق. قال: الأولى أن يبين المستدل أن مثل الحكم المتنازع فيه ثبت بدون ما ذكره المعترض، فيستقل به ما ذكره المستدل. ومثاله قول الشافعي: علة تحريم الربا في البر الطعم، فيعارضه الحنفي مثلا بوصف الكيل، فيقول الشافعي: أن ملء الكف من البر ينتفي عنه الكيل لقلته، ومن ربا موجود فيه، فيستقل الطعم بالعلية. والقصد المثال لا مناقشة أدلة الأقوال، يعني هذا جواب للمعارضة أن يبين المستدل أن مثل الحكم المتنازع فيه ثبت بدون ما ذكره المعترض، فيستقل به. فالشافعي مثلا يرى أن علة الربا في البر هو الطعم، كونه طعومًا، والحنفي يرى الكيل، كونه مكيلا. فيقول الشافعي: ملء الكف من البر لا يجري فيه الكيل، مع أن الربا يجري فيه، إذن وجد الحكم منتفي العلة، هذا هو الكيل، فدل هذا أن العلة هي غير الكيل، وهو الطعم، واضح، يعني فيستقل بما ذكره المستدل، وهو علة الطعم دون الكيل. قال: الثاني أن يبين المستدل إلغاء ما ذكره المعترض في جنس الحكم المختلف فيه، كالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق. فإن في الحديث: «من اعتقى شركًا له في عبد»، الحديث. فيقول المستدل: الأمة كالعبد في صراحة العتق الواردة في الحديث، بجامع الرق. قال: فيقول المعترض: إن في الأصل وصفًا مانعًا من إلحاق الفرع به، وهو الذكورة؛ لأن عتق الذكر تلزمه مصالح كالشهادة والجهاد وجميع المناصب المختصة بالرجال، لا توجد في الفرع الذي هو الأمة. فيجيب المستدل عن هذا الاعتراض بأن الذكورة لا توجد بالنسبة إلى العتق وصفًا طرديًا لا يترتب عليهما شيء من أحكام العتق، كما تقدم إيضاحه. نعم، هذا واضح، يعني إذا فرق في العتق بين الذكورة والأنوثة، فيبين المستدل ويجيب على هذا الاعتراض بأن الذكورة يعتبر وصفًا طرديًا بالنسبة إلى العتق، تعتبر وصفًا طرديًا لا دخل لها في مسألة العتق. قال: الثالث أن يبين أن العلة ثابتة بنص أو إيماء وتنبيه، ومثاله في الإيماء والتنبيه قول الشافعي: العلة في تحريم الربا في البر الطعم، فيعارضه المالكي بالاقتيات والادخار، فيقول الشافعي: إن كون الطعم هو العلة تثبت بمسلك الإيماء والتنبيه. في حديث معمر عن عبد الله في صحيح مسلم: «كنت أسمع ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الطعام بالطعام مثلا بمثل»، الحديث، وفي آخره: «كان طعامنا يومئذ الشعير»، فيكون هذا يعني مخصوصًا بالعرف المقارن للخطاب. قال: فترتيب اشتراط المثلية على وصف الطعم يدل بمسلك الإيماء والتنبيه على أن العلة الطعم. والقصد المثال لا مناقشة أدلة الأقوال. ومثاله في النص، أن يقول الحنبلي: علة الربا في البر الكيل، فيعارضه المالكي بوصف الاقتيات والادخار. فيقول الحنبلي: إن كون العلة الكيل ثبت بالنص، في حديث حيان عن عبيد الله عند الحاكم عن أبي سعيد الخدري، بعد أن ذكر السنة المنصوص على تحريم الربا فيها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وكذلك كل ما يكال أو يوزن». وفي الصحيحين، بعد ذكر الربويات، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وكذلك الميزان»، بعد ذكر الكيل في الحديث. نعم، فحديث بحرير، رفع بسعيد أيضًا، في قصة التمر الجنيب، لما قال: «لا تفعلوا، ولكن مثلا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا»، قال: «وكذلك الميزان»، قال: «وكذلك الميزان». قال الإمام النووي، رحمه الله: استدل به الحنفية، وأجاب أصحابنا وموافقوهم بأن معناه: وكذلك الميزان لا يجوز التفاضل فيه فيما كان موزونًا، يعني يجب التساوي في الأشياء الموزونة كما يجب التساوي في الأشياء المكيلة. هذا المقصود من الحديث: «وكذلك الميزان»، يعني يجب فيه التساوي في الأشياء الموزونة كما يجب التساوي في الأشياء المكيلة، وليس في الحديث تعرض إلى علة الربا في الأصناف الربوية. قال: الرابعة أن يبين رجحان ما ذكره على ما أبداه المعترض، ومثاله قول المالكي والحنفي: إن علة كفارة الجماع في نهار رمضان انتهاك حرمة رمضان، فتجب في الأكل والشرب كالجماع، فيعارضه الحنبلي والشافعي بخصوص وصف الجماع الذي رتب النبي صلى الله عليه وسلم عليه حكم الكفارة. فيجيب المالكي والحنفي بأن الوصف المتعد إلى غيره أرجح من الوصف الذي لم يتعد إلى غيره؛ لأن التعدية من المرجحات، وكون العلة هي انتهاك حرمة رمضان يتعد بها الحكم من الجماع إلى الأكل والشرب، فتجب الكفارة في الجميع. وكون العلة خصوص الجماع تكون به قاصرة على محلها، فلا يتعدى حكمها إلى شيء. والقصد المثال لا مناقشة أدلة الأقوال، وإلا فالراجح هو قول الحنبلي والشافعي: أن الكفارة إنما تجب بالجماع في نهار رمضان فقط. قال: ورد قوم القدح بالمعارضة بدعوى أن القدح هدم، والمعارضة بناء. والمعارضة بناء، والتحقيق خلافه؛ لأنها هدم للدليل. قال: السؤال العاشر: عدم التأثير، أي عدم تأثير الوصف في الحكم. قال: وضابطه أن يذكر في الدليل ما يستغنى عنه، وهو عند الأصوليين ثلاثة أقسام، يعني يكون شيء حشو ليس له فائدة. قال: الأول هو المسمى بعدم التأثير في الوصف، وضابطه أن يكون الوصف طرديًا لا مناسبة فيه أصلا، كقول الحنفي في صلاة الصبح مثلا: صلاة لا تقصر، فلا يقدم أذانها على الوقت كالمغرب. فعدم القصر طردي في تقديم الأذان؛ لأنه لا يجوز تقديم الأذان سواء كان يعني الصلاة تقصر أو لا تقصر، إلا في وقت في حال السفر إذا أراد تقديمها مع الصلاة التي قبلها كالمغرب، تقديم العشاء مع المغرب مثلا، أو تقديم العصر مع الظهر. فقوله في صلاة الصبح: يعني عدم القصر أنها لا تقصر، هذا وصف طردي في النسبة لتقديم الأذان. قال: وحاصل هذا القسم إنكار علة الوصف بكونه طرديًا، والوصف الطردي كما مر معنا الذي لا يتعلق به حكم. قال: الثاني وهو المسمى بعدم التأثير في الأصل، وضابطه إبداء المعترض علة لحكم الأصل غير علة المستدل، بشرط كون المعترض يرى منع تعدد العلة لحكم واحد، يعني لا بد أن تكون العلة واحدة في هذا الحكم. أما إذا كان يرى جواز التعدد فلا يقدح في هذا القسم. مثاله أن يقال في بيع الغائب: بيع غير مرئي فلا يصح بيعه كالطير في الهواء، يعني كما أنه لا يجوز بيع الطير في الهواء، فكذلك لا يجوز بيع غير المرئي، يعني شيء الغائب، عين الغائبة التي لم ترى. فيقول المعترض: لا أثر لكونه غير مرئي في الأصل؛ فإن العجز عن التسليم كاف في عدم الصحة، وعدمه واقع مع الرؤية. يعني قياسه بمنع غير المرئي على بيع الطير في الهواء، يقول: يعني لا يحتاج إلى التعليل بكونه غير مرئي، بل لو كان يرى الطير في الهواء وهو يعجز عن تسليم هذا، كاف في عدم صحة هذا البيع. وهذا النوع من هذا القادح الذي هو عدم التأثير يتداخل مع المعارضة في الأصل كما تقدم. قال: الثالث أول مسمى بعدم التأثير في الحكم، وأضربه ثلاثة. الأول أن لا يكون لذكره فائدة أصلا، كقول الحنفي في المرتدين: مشركون أتلفوا مالا بدار الحرب، فلا ضمان عليهم كالحربي. ودار الحرب عندهم لا أثر لذكرها في الأصل ولا في الفرع؛ لأن من أوجب الضمان ومن نفاه لم يفرق أحد منهم بين دار الحرب وغيرها. وهذا راجع للقسم الأول، وهو كون الوسط طرديًا. فالمعترض يطالب المستدل بتأثير كون الاتلاف في دار حرب، والذي عليه المحققون فساد العلة بذلك، وذهب بعضهم إلى صحة التمسك به، ولا يخفى ضعفه، وهو كما قال: أنه ضعيف؛ لأنه لا فائدة فيه. قال: الثاني أن يكون لذكرها فائدة ضرورية، كقولي: معتبر العدد في الاستجمار بالأحجار عبادة، لم تتقدمها معصية، فاعتبر فيها العدد، قياسًا على رمي الجمار. فقوله: «لم تتقدمها معصية»، عديم التأثير في الأصل والفرق، يعني ليس له تأثير، لكنه مضطر إلى ذكره ليحترز به عن الرجم؛ لأنه عبادة متعلقة بالأحجار، ولم يعتبر فيها العدد. والرجم يعني بسبب معصية قدمت، هو الوقوع في الزنا من محصن، فهي عبادة متعلقة بالأحجار لم يعتبر فيها عدد، يرجم حتى الموت، لم يحدد الشرع عددًا معينًا من الأحجار، فيكون في هذا يعني التقييد شيء من الفائدة. قال: الثالث أن يكون لذكره فائدة غير ضرورية، كأن يقول: الجمعة صلاة مفروضة، فلا تفتقر في إقامتها إلى إذن الإمام الأعظم كالظهر. فقوله: «مفروضة»، لو حذف لما ضر، يعني لو قال: الجمعة صلاة فلا تفتقر إلى إقامة إلى آخره، ما ضر في ثبات هذا الحكم. قال: لكنه ذكر لفائدة تقريب الفرع من الأصل بتقوية الشبه بينهما؛ إذ الفرض بالفرض أشبه منه بغيره. قال: ومنع قوم رد ما ذكر لفائدة، وله اتجاه. قال: تنبهان: أولا، اعلم أن التأثير في هذا المبحث يراد به معنى أعم من معناه المقابل للملائم والغريب مما مر معنا في الأبواب التي سبقت. قال: ثانيًا، اعلم أنه يشترط في القدح بعدم التأثير أن يكون القياس قياس علة، فلا يقدح به في قياس الشبه، ولا في الطرد على القول باعتباره. ويشترط فيه أيضًا أن تكون العلة مستنبطة مختلفًا فيها، فلا يقدح به في علة منصوصة، ولا مستنبطة مجمع عليها. قال: وأشار في المراقب إلى تعريف هذا القادح وشروطه وإقسامه بقوله: «والوصف أن يعدم له تأثير فذاك لانتقاضه يصير خص بذي العلة»، إلى آخره. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.