الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 37، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش العلامة حمد بن ناصر المعمر رحمه الله مسألة اتخاذ القبور عيادات للزيارة ويرد على المعترضين مستدلا بالقرآن والسنة. يشدد على وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وعدم ابتداع أمور جديدة.
النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ القبور عيدا ومساجد، مؤكدا على اتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين. كل عمل ليس عليه أمره فهو رد.
المقطع يناقش النهي عن زيارة القبور بشكل متكرر واعتبارها عيدا، مستندا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو هريرة. أمر بالصلاة عليه من أي مكان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال العلامة حمد بن ناصر المعمر رحمه الله: وأما قول القائل واتخاذها عيادا في الغالب، فلكل شيخ يوم معروف في شهر معلوم يؤتى إليه من النواحي، وقد يحضر بعض العلماء، فلا ينكر هذا المعترض أيضا استدل بإتيان العلماء إلى مثل هذه الزيارات الشركية أنا علماء التصوف. فنقول: هذه المسألة يظهر جوابها مما تقدم، فإن الله قد أتم نعمته على خلقه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه الكتاب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وافترض على الخلق طاعته، وأخبر أن من أطاعه فقد أطاع الله. قال الله عز وجل: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾. وقال تبارك وتعالى: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾. قال: وهو صلى الله عليه وسلم أنصح الخلق للأمة، كما أخبر الله عنه في قوله تعالى: ﴿ولقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾. قال: فدل أمته على كل خير يعلمه لهم، وحذر أمته عن شر ما يعلمه لهم، فكل عمل لم يشرعه فليس من الدين. وهذه كأنها مقدمة جعلها؛ وقد تقدم أيضا أن بينا مثلها فيما تقدم، وهي مسألة اتباع النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه لا بد من اتباعه وعدم اختراع ديدن جديد أو أمورا لم يفعلها رسول الله أو لم يأمر بها، بل واجب هو طاعته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما من خير إلا ودلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه. وهذا من فرائض الأنبياء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم في حديث عبد الله بن عمر قال عليه الصلاة والسلام: "ما من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم". والنبي عليه الصلاة والسلام كان من أحرص الناس على هداية أمته. قالوا: العبادات مبناها على الأمر والاتباع لا على الهوى والابتداع، وكل عمل ليس عليه أمره فهو رد؛ كما في الصحيح، كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة، رواه القاسم بن محمد عن عمته عائشة -القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عن عمته عائشة رضي الله عنها- قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". وهذا الحديث في رواية مسلم قال صلى الله عليه وسلم، وفي رواية الصحيحين: "كل أمر لم يحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى". قال: "ومن يأبى يا رسول الله؟" قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى". فيقال لمن أجاز اتخاذ القبور أعيادا: هل هذا مما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغب فيه، أم هو مما نهى عنه وحذر من الوقوع فيه؟ والمراد اتخاذ القبور أعيادا؛ أي لها زيارات إما سنوية، وإما شهرية، وإما يومية، فيعتادونه بيوم أو بشهر، فهذا يسمى عيدا؛ لأنهم يعتادونه. قال: والفعل ذلك خلفاؤه الراشدون الذين أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام بلزوم سنتهم؛ كما في حديث العرباض: "عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة". ومعلوم أن قبره صلى الله عليه وسلم أشرف قبر على وجه الأرض، فلو كان اتخاذ القبور عيادا مما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعلوه، ولو كان فيه فضيلة لما أهملوه. ومن له معرفة بالسنن والآثار يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وحذر أمته منه؛ أي نهى عن اتخاذ القبور مساجد واتخاذها عيدا. وأن الصحابة لم يفعلوه؛ أن لم يفعلوه لم يزوروا قبرا يزورونه مثلا في السنة أو في الشهر أو في الأيام مثل ما يفعل أهل القبور؛ بل إنه في بعض الأماكن تجد أنهم كل يوم يزورون قبرا أو يجعلون لكل قبر يوما من الأيام؛ مثلا هذا يوم السبت، وهذا يوم الأحد، وهذا يوم الاثنين وهكذا، فجعلوا دينهم كله أعيادا للقبور؛ زيارة القبور يعودون هذه المقابر أو القبور. وهذا كله مما لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، بل نهى عنه. قال رحمه الله: وأن الصحابة لم يفعلوه، وكذلك أتباعهم الذين اتبعوهم بإحسان لم يفعلوه، بل نهى عن ذلك وأنكروا على من فعله. ونحن نذكر بعض ما ورد في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام من النهي عن اتخاذ قبره عيدا، وهو سيد القبور؛ فقبر غيره من باب الأولى والأحرى أنه إذا كان النهي عن اتخاذ قبره عيدا، فمن باب أولى اتخاذ قبر غيره. قال أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح -هو المصري- قال: قرأت على عبد الله بن نافع، ابن نافع المدني، قال: أخبرني ابن أبي ذيب -وهو محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذيب- عن سعيد مقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم". قال: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات مشاهير. فهذا إسناد كما قال المؤلف إسناد جيد، وعبد الله بن نافع ثقة؛ فلهذا فالحديث صحيح، وهو على شرط الشيخين. قال: وفيه النهي أن يجعل قبر النبي صلى الله عليه وسلم عيدا؛ "ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني"؛ أي لا تتكرروا عند قبري وتزوروه، وإنما صلوا علي؛ فأينما تكونوا فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم. كما قال الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب لذلك الرجل: "ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء". سيذكر المؤلف -إن شاء الله- بعض الأحاديث التي في النهي عن اتخاذ القبور مساجد -إن شاء الله- نتركها في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا.