التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 36

الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقارنة شرك القبوريين المعاصرين بشرك العرب الجاهليين

يوضح المقطع أن مشركي القبور اليوم أشد شركاً من مشركي قريش؛ لأنهم يدعون الموتى في الشدة والرخاء ويعتقدون تدبيرهم للكون، بينما كان مشركو قريش يخلصون الدعاء لله في الشدة ويعترفون بتدبيره وحده. كما يرد شبهة قدم العادة وتقليد الآباء ويكذب دعوى كتمان ابن عباس للتفسير.

دفاع أهل الشرك عن بدعهم بالتقليد والأشعار

يصف المقطع تمسك المشركين بالتقليد الأعمى لآبائهم ومشايخهم وردهم أدلة الكتاب والسنة بإثارة الشبهات كالأشعار وشراح البردة، زاعمين أن الشرك مقصور على العوام. بذلك يحرفون المعروف والمنكر حتى تستبدل السنة بالبدعة مستشهدين بكلام ابن مسعود وابن القيم.

وجوب هدم الطواغيت والأوثان ومثال الكلبة الحامل

يؤكد المقطع وجوب هدم كل معالم الشرك والطواغيت عند القدرة عليها، ويشبه حال الأمة التي يسيطر فيها السفهاء على العلماء بالكلبة الحامل التي تكتم ألمها لخدمة الضيف. ويختتم ببشارة بقاء طائفة من الأمة قائمة بالحق مجاهدة للباطل حتى يرث الله الأرض.

خاتمة الشرح على كلام الإمام ابن القيم

يعلن المتحدث انتهاء شرحه لكلام الإمام ابن القيم رحمه الله، مكتفياً بما ذُكر ومفوضاً الأمر إلى علم الله تعالى. بذلك تُختتم الجلسة بالدعاء والتسليم لله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. قال الشيخ حمد بن ناصر رحمه الله: قال: والمشركون في هذا الزمان صدوا سبيلهم، حدوا القذة بالقدة، لما أنكرنا عليهم الشرك بالله. يعني: يقولون للشيخ: إنهم اتبعوا أهل الشرك. قد بين شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في «كشف الشبهات» قال: مشرك زماننا أعظم شركاً من مشرك العرب. وذكر العلماء أن ذلك لعدة أمور: أولاً: أن مشركي ذلك الزمان يدعون الله عز وجل إذا وقعوا في ضر، وفي الرخاء يدعون غير الله. وأما مشركو أو عباد القبور فيدعون هؤلاء في الضر وفي الكرب، وفي الرخاء، أو في الشدة والرخاء. وكذلك أيضاً أولئك يدعون ناساً يزعمون أنهم من الصالحين لأنهم أهل عبادة، مثلاً مثل اللخ كان يطعم السويق للحجاج وغيره. وأما هؤلاء فيدعون ويعبدون أناساً فجرة، كالحلاج وغيره. أيضاً كذلك تجد أن مشركي العرب غالباً يشركون في العبادة، لكن هؤلاء أشركوا حتى في الربوبية؛ بزعمهم أن هؤلاء أقطاب يدبرون الأمر، أن لهم في تدبير الأمر. وهذا لم يكن حتى كفار قريش. فإن سألتهم: من يدبر الأمر؟ فسيقولون: الله. فكفار قريش يعتقدون أن الذي يدبر الأمر هو الله، لكن هؤلاء يعتقدون أن هناك من يدبر الأمر غير الله، وهم هؤلاء الذين يسمونهم من أقطاب أو القطب والأغوات وغيرهم من هؤلاء. قال رحمه الله: ولما أنكرنا عليهم الشرك بالله، وتعظيم القبور والبناء عليها وإسراجها ودعائها والدعاء عندها، ولم يكن لهم حجة يحتجون بها إلا هذه الحجج التي حكى الله عن المشركين من قريش ومن قبلهم: أن هؤلاء شفعاء عند الله، وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، نتقرب به من الله. نحن نعبدهم وندعوهم ليس لأنهم فلان وفلان، وإنما لأنهم معظمون عند الله. ومن هذه الشبه التي قد كانت عند المشركين: قال: فيقولون: هذا قد وجد من أكثر من ستمائة سنة فلم ينكر. وأنا أيضاً من حججهم هذا: أن هذا الناس يعملون به من ستمائة سنة فلم ينكر. هذا عمل الناس القديم والحديث. أنا الآن الذي في مصر من زمن الحاكم الذي سمى نفسه الحاكم بأمر الله، من ذلك الزمان وهم يعبدون مثل هذه القبور؛ لأنهم هم أول من جعل هذه القبور ودعوا الناس إلى عبادتها، فصار كالأرض يرثها بعضهم بعضاً. ومثل ما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾، فيطبع الآخر الأول. وهكذا فيظنون أن هذا حجة. قال: هذا عمل الناس القديم والحديث، وهذا فلان قد نص على هذا في منسكه. أنا بعض أهل البدع والمتأثرين في القبورية نص على بعضهم في منسكه، كالسبكي وغيره. قالوا: هذه الشبهة هي التي ملأت قلوبهم وأخذت أسماعهم وأبصارهم فلم يلتفتوا إلى غيرها. فإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً. قالوا: غاية ما يحتج به أحدهم إذا قيل له: تعالَ والجأ إلى المحاجة والمناظرة، أن يقول: القرآن لا يفسره إلا الصحابة. كان ابن عباس لا يفسره إلا في الصحراء مخافة أن ينزل عليه العذاب. أنا الآن يذكرون مثل هذا، وهذا كلام كذب. فابن عباس كان يفسره أمام الناس، حتى قال مجاهد: سمعت ابن عباس يفسر سورة النور، لو سمعه الديلم والترك لأسلموا. أنا لو سمعوا هذا التفسير لأسلموا. قال: فإذا قيل له: بيننا وبينكم تفاسير السلف كابن عباس، قال: لسنا أهلاً لذلك، بل فرضنا التقليد. نحن نقلد فقط، وعندنا مشايخ نقلدهم. أما ابن عباس فله كأنه يقول له: رأيه. قال: ومشايخنا أعلم منا بكتاب الله، فلو كان هذا شركاً لما ذكروه في مناسكهم وأشعارهم. ثم ينشد من الأشعار ما تشعر منه الجلود لما فيها من الشرك بالواحد المعبود. قالوا: يقول هذا كلام العالم الفلاني في قصيدته، وشرحها فلان وفلان. منذ ما يقولون الآن في البردة. إذن كانوا ما يستطيعون يردون، ولخجلهم أن هذه البردة فيها من الشرك الصراح. لكن الآن اكتشفوا بعض الشروحات: شرحها فلان، وشرحها فلان، وشرحها فلان. كيف يكون فيها شرك وفلان شرحها؟ وإنما هؤلاء يقولون: الوهابية لا يفهمون الكلام ولا يفهمون اللغة، فيأتون بشرح فلان وفلان، يظنون أن هذا حجة. قالوا: شرحها فلان وفلان، وتداولها العلماء فلم ينكروا ذلك. وهذه الشبهات التي قامت بقلوبهم وتوارثوها عن آبائهم، فهم لا يصغون إلا إليها، ولا يعولون إلا عليها، كأنهم لم يسمعوا بكتاب منزل ولا نبي مرسل. وهذا حال كثير من الناس إلى الآن. تجده كأنه إذا قلد آباءه وقلد علماءه كأنه في عصمة. قال: فلما فضحهم الله وهتك أسوارهم بما أقيم عليهم من أدلة الكتاب والسنة على إبطال الشرك، وكفر من فعله، وإباحة دمه وماله، وقامت عليهم من الأدلة ما لا يقدرون على دفعه، لم يكن لهم حيلة إلا الجحود والإنكار. وقالوا: نعم، هذا الشرك بالله، ونشهد أنه باطل. ولكن هذه القباب التي على القبور لا يقصدها إلا العوام والجهلة الطغام. وسبحان الله، هذه الأشياء أيضاً موجودة إلى الآن على بعضهم. يقول: هذا ما يستغيث إلا العوام. طيب، لماذا لا تحقرون العوام؟ كلهم أو لا. حتى لو حقرتموهم، ما يفهمون؟ كيف ما يفهمون؟ هل هم ليسوا من البشر؟ أنا لو قلت له: لا تدعُ القبر الفلاني وادعُ الله، قال: هذا ما سيفهم. فهم يقولون: بعضهم هذا ما يفعلوا إلا العوام. عوام الناس يأتون إلى القبر ويدعون. مع أنه في اعتقاداتهم التي يذكرونها في كتبهم يجيزون هذا. لكن أرادوا لما وجدوا أن التوحيد انتشر وقام أهل السنة بالحجج عليهم، فقاموا يتخفون بمثل هذه الأشياء. قال: فإذا قيل: فلا تنهون العوام عما يفعلونه من الإشراك، وتهدمون هذه البنيان التي على القبور؟ قالوا: هذا، أو قال: هذا أمره إلى الملوك. أنا هم الذين لهم الحق في ذلك. وهذا كذب؛ لأنه إذا كان مثلاً الإنسان يستطيع أن يكسر هذه القبة، وبدون مثلاً ما تحصل الفتن، وكذلك معناه تقوم عليه الحكومة وكذا، هذا جائز. فلو أنهم هم الذين تكلموا في هذه الأمور، قاموا وكسروا، لما كان من الأمراء أن يعترضوا عليهم. طالت بسبب هذه الأمور، غلب الشرك على أكثر النفوس، لغلبة الجهل وقلة العلم، حتى صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشا في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير. وهذا مصداق ما جاء عن ابن مسعود، إن كان في الإسناد فيه إضافة يسير: «كيف بكم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير وينشأ فيها الصغير؟» فإذا غيرت قيل: هذا بدعة، على تغييرها بدعة. قال: وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتاب «الهدي» -أي «زاد المعاد»- كلاماً حسناً يناسب ذكره في هذا الموضع. قال رحمه الله: لما ذكر غزوة الطائف، وذكر فوائد القصة، قالوا: منها أنه لا يجوز بقاء واضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإنزالها يوماً واحداً؛ فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي من أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها بعد القدرة البتة. إذا قدر عليها على أن يهدمها فالواجب أن يهدمها. قالوا: هذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثاناً وطواغيت تُعبد من دون الله تعالى، والأحجار التي تقصد بالتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل. فلا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالتها. وكثير منها بمنزلة اللات، وكثير منها بمنزلة اللات والعزة ومناة الثالثة الأخرى. معنى: تُعبد من دون الله، وأعظم شركاً عندها وبها، والله المستعان. قال: فلم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، حتى كفار قريش ما كانوا يعتقدون هذا. وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعل إخوانهم من المشركين اليوم عند الطواغيت. فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم، حدوا القذة بالقدة، وأخذوا ما أخذهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع. وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، فصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والبدعة سنة والسنة بدعة، ونشا في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء، وغلبت السفهاء، وتفاقم الأمر. فإذا غلبت السفهاء غلبوا أهل العلم، وصارت لهم الراية. فإنهم لا شك أن الفساد ينتج. وقد أخرج الإمام البزار رحمه الله، وكذلك أخرجه الطبراني وغيرهما، والإسناد محتمل للتحسين، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ضَافَ ضَيْفٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ». جاءه ضيف، فأضافه ونام عنده، وكان له كلب مجح. كلب مجح: معناه حامل. فلما أخذها الحمل -معنى أنها ستلد هذه الكلبة- قالت: والله لا أنبح أضياف قومي الليلة. أنا الآن فيها معنى ستلد، ولا شك أن الولادة تكون صعبة فستصيح. قالت: والله لا أنبح أضياف قومي الليلة، ما سأنبح أبداً. معنى: ستتحمل هذه الولادة. فأوحى الله عز وجل إلى نبي ذلك الزمان: أن هذا مثل لأمة، مثل لأمة. معنى: هذه كلبة وهي تراعي الضيف، معنى هذا أمرها عظيم. لكن أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكر أن هذا يحصل في هذا الأمر، فقال: هذا مثل لأمة تأتي من أمة يقهر سفهاؤها حلماءها. يقهر سفهاؤها حلماءها، أن تكون الجولة والصولة لهؤلاء السفهاء، ويقهرون الحلماء، والحلماء يكونون تبعاً لهم. وهذا مصداق أيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أنس وأبي هريرة وجماعة، في ذكر معنى النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر أن الزمان يتغير وتظهر الفتن وينطق الرويبضة. قالوا: من الرويبضة يا رسول الله؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العام. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ». أن الخائن يؤتمن، والأمين يخون. يخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن. وتكون أيضاً جولة للسفهاء فيقهرون الحلماء. وهذا الذي حصل: انتشر الشرك، وانتشر أولاً السفهاء الذين يدعون إليه، وسكت أناس عندهم علم. قال: وتفاقم الأمر، واشتد البأس، ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. قال: ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. انتهى كلامه رحمه الله، لكلام الإمام ابن القيم رحمه الله. إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.