الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش حكم زيارة القبور وتحويلها إلى أعياد، مستشهدا بقول العلامة حمد بن ناصر رحمه الله. يشير إلى أن هذا الفعل ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولا من سنة خلفائه الراشدين.
يناقش تحريم زيارة قبر النبي بشكل متكرر ويستدل على ذلك بأحاديث نبوية شريفة. نهى النبي عن اتخاذ قبره عيدا، وأمر بالصلاة عليه من أي مكان.
يشرح حديثا للنبي حول عدم اتخاذ قبره عيدا وعدم جعل البيوت قبورا، ويبين صحة الحديث. ثم يذكر قصة رجل نهى عن التمييز بين مكان وجوده في الدعاء للنبي، مؤكداً أن الدعاء يبلغ للنبي أينما كان الشخص.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. يوم ولا مبعد. قال العلامة حمد بن ناصر رحمه الله: فيقال لمن أجاز اتخاذ القبور عيدا: هل هذا ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم ورغب فيه؟ هذا في سياق رده على من يتخذ القبور عيدا، هناك زيارات سنوية أو شهرية أو أسبوعية. فقال: هل لمن أجاز اتخاذ القبور عيدا هل هذا ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغب فيه، أم هو مما نهى عنه وحذر من الوقوع فيه؟ وهل فعل ذلك خلفاؤه الراشدون الذين أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام بلزوم سنتهم، كما في حديث العرباض: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة». ومعلوم أن قبره صلى الله عليه وسلم أشرف قبر على وجه الأرض، فلو كان اتخاذ القبور أعيادا مما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعلوه، ولو كان فيه فضيلة لما أهملوه. قال: هل هو مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أو مما نهى عنه وحذر من الوقوع فيه؟ ولا شك أنه الثاني. قال: فعله الخلفاء الراشدون أم لم يفعلوه؟ الذين أمرنا الله عز وجل باتباع سنتهم، ولا شك أنهم لم يفعلوه. قالوا: معلوم أن قبره صلى الله عليه وسلم أشرف قبر على وجه الأرض؛ لأنه أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام، فلو كان اتخاذ القبور أعيادا مما سنه رسول الله لفعلوه، ولو كان فيه فضيلة لما أهملوه. أي الصحابة رضي الله عنهم. أين ذهبوا من هذا اتخاذ القبر عيدا؟ إذا كان فيه أجر لما ترددوا في فعله، لكن الذي نقل أنهم ما كانوا يأتون إلى القبر لا في سنة ولا في شهر ولا أيضا في أسبوع ولا في غيره. وإنما كان يفعل ذلك عبد الله بن عمر إذا جاء من سفر؛ إذا جاء من سفر مر على قبر النبي عليه الصلاة والسلام وعلى صاحبيه وسلم عليهما وسلم عليهم. فإذا كان هناك فضيلة في عيادة أو زيارة هذه القبور وزيارتها، أي على أنها تأخذ زيارة عيدا يعتاد يوما أو شهرا أو كذا، لفعله الصحابة رضي الله عنهم، فإذ هم أحرى بذلك. قال: ونحن نذكر بعض ما ورد في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام من النهي عن اتخاذ قبره عيدا، وهو سيد القبور، فقبر غيره من باب الأولى والأحرى. قال أبو داود رحمه الله: حدثنا أحمد بن صالح وهو المصري، قال: قرأته على عبد الله بن نافع وهو أيضا مدني، عبد الله بن نافع مولى عبد الله بن عمر قال: أخبرنا ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم». قال: وهذا إسناد جيد، رواته كلهم ثقات مشاهير. أحمد بن صالح المصري ثقة، كذلك عبد الله بن نافع مولى عبد الله بن عمر أيضا ثقة، وابن أبي ذئب أيضا إمام، والسعيد المقبري راوية أبي هريرة، فالحديث لا شك في صحته. «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، صلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم». قال: وقال أبو يعلى الموصلي في مسنده -أبو يعلى الموصلي هو أحمد بن علي بن المثنى- قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وهو الإمام الحافظ الكبير، قال: حدثنا زيد بن الحباب أبو خالد الأحمر، قال: حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين، قال: حدثنا علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام -وعلي بن الحسين هو زين العابدين- يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام فيدخل فيها فيدعو، فنهاه. أي علي بن الحسين، فقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي -وهو الحسين بن علي- عن جدي -وهو علي بن أبي طالب- عن رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وسلموا علي؛ فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». قال: رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاراته الذي يلقب بالضياء. الضياء المقدسي له كتاب سماه المختارات اختار أحاديث من مسند الإمام أحمد ومن مستدرك الحاكم ومن غيره، وذكرها على أنها أحاديث صحيحة، وهو كما قال شيخ الإسلام وغيره: أنه أفضل من مستدرك الحاكم في اختياراته. قال: رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاراته التي اختارها من حديث الجياد الزائد على الصحيحين. فهذا الحديث لا بأس به، وهو حسن. وكذلك أيضا له شواهد تدل عليه. قال: وقال سعيد المنصور في السنن -هو بعثمان الخراسان- قال: حدثنا حبان بن علي -حبان بن علي ابن أبي هلال وهو بصري ثقة- قال: حدثنا محمد بن عجلان عن أبي سعيد المولى المهري -محمد بن عجلان صدوق حسن الحديث، وأبو سعيد مولى المهري ثقة، وهو من أصحاب الصحابي، لكن الظاهر كأنه فيه سقط أو أن هذا الحديث مرسل- قال: عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني». هكذا عندكم عن أبي سعيد مولى المهري. قال: وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: أخبرني سهيل بن أبي صالح، قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء. فقلت: لا أريده. فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ قال: فقلت: سلمت على النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم. قال: ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. فهداني المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث، ولاسيما قد احتج به من أرسله، وهو الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فنهى هذا الرجل -هو سهيل بن أبي صالح- نهاه أن يأتي إلى القبر أو إلى هذه الفرجة ويدعو، فقال له: ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء؛ سواء كنت في المدينة أو سواء كنت في الأندلس، فإذا صليت على النبي عليه الصلاة والسلام أو سلمت عليه، فإنه يبلغه عليه الصلاة والسلام. فهذا شيء مما ذكره المؤلف، وإن شاء الله تعالى لكم في درس لاحق. فنكتفي بهذا. الله تعالى أعلم، الله أكبر. شكرا لكم.