الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 10، ألقاها
يناقش تحذير أئمة الإسلام من تقديم الرأي على النصوص الشرعية، ويستشهد بأقوال ابن رجب وابن تيمية وابن القيم في ذم اتباع الرأي. يُظهر أن أصل الشر يكمن في تقديم الرأي على النص.
يؤكد على أهمية تقديم النصوص الشرعية على الآراء الفقهية، مستدلاً بآيات القرآن وأقوال السلف الصالح. يشير إلى أن الأئمة يتبعون الحديث الصحيح ويقدمونه على الآراء.
يناقش مسألة الأخذ بإجماع أهل المدينة، ويُنقل عن ابن تيمية أن إجماعهم على أربع مراتب تختلف في الحجية. يُرجح الإمام مالك والشافعي عمل أهل المدينة في بعض الحالات.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن رجب رحمه الله في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف»: قال «ومن ذلك - أعني محدثات العلوم - ما أحدثه فقهاء أهل الرأي من ضوابط وقواعد عقلية، ورد فروع الفقه إليها، وسواء خالفت السنن أم وافقتها، طردًا لتلك القواعد المقررة». ومعنى طرد لتلك القواعد المقررة - يعني - حفاظًا على اضطرادها وعدم اضطرابها، فيقدمون هذه القاعدة ولو خالفت الدليل من الكتاب والسنة؛ حتى لا تكون هذه القاعدة منتقضة. قال «وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا مِمَّا تَأَوَّلُوهُ عَلَى نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَكِنْ بِتَأْوِيلَاتٍ يُخَالِفُهُمْ غَيْرُهُمْ فِيهَا». وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام على من أنكروه من فقهاء أهل الرأي بالحجاز والعراق، وبالغوا في ذمه وإنكاره؛ أي بالغوا في ذم اتباع الرأي وتقديمه على النصوص الشرعية، وذم أهله - أهل الرأي - الذين غلوا في استعمال الآراء حتى جعلوها مقدمة على النصوص. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كما في «منهاج السنة»: «لكن معلوم وجوب تقديم النص على الرأي، والشرع على الهوى، والأصل الذي افترق فيه المؤمنون بالرسل والمخالفون لهم: تقديم نصوصهم على الآراء، وشرعهم على الأهواء». وأصل الشر من تقديم الرأي على النص، والهوى على الشرع. فذكر رحمه الله أن أصل الشر هو من تقديم الرأي على النص، وتقديم الهوى على الشرع. وذكر نحو ذلك أيضًا في كتابه «درء تعارض العقل والنقل». وذكر ابن القيم رحمه الله في «أعلام الموقعين»: «أن الرأي الباطل على أنواع». أن الرأي الباطل على أنواع؛ منها: الرأي المخالف للنص. قالوا: «هذا مما يعلم بالاضطرار فساده وبطلانه». الرأي المخالف للنص - يأتي برأي، ونص الكتاب والسنة يخالفه - فهذا فاسد وباطل ومردود. قال: «والثاني: الكلام في الدين بالخرص والظن، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها». هذا أيضًا من الرأي الباطل؛ أن يتكلم الإنسان في الدين بظنه ورأيه دون الرجوع إلى النصوص، أو التفريط في ذلك - التفريط والتقصير في الرجوع إلى النص والوقوف عليه - فهذا أيضًا يكون من الرأي الباطل. قال: «والثالث: الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهل البدع والظلال من الجهمية والمعتزلة والقدرية ومن شابههم». وهذا أيضًا واضح فيما يتعلق بباب الأسماء والصفات؛ تقديم العقول والآراء في رد ما ثبت بالنص من إثبات الصفات لله جل وعلا، فيردها بعقله، وأن العقل لا يقبلها ولا يدركها، فيردها ولا يثبتها. قال: «الرابع: الرأي الذي أحدثت به البدع وغيرت به السنن». والخامس: ما ذكره أبو عمر بن عبد البر - أبو عمر بن عبد البر - عن جمهور أهل العلم: «أن الرأي المذموم في هذه الآثار عن النبي وعن أصحابه والتابعين: أنه القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات، ورد الفروع بعضها على بعض قياسًا، دون ردها إلى أصولها». إلى آخر ما ذكر رحمه الله. وهذا النوع من الرأي المذموم هو بتقديم الاستحسان في دين الله جل وعلا؛ أن يستحسن الإنسان بعقله، وأن هذا الأمر حسن، وإن خالف الشرع، وإن ناقض دين الله جل وعلا. وهذا من الأبواب العظيمة التي يفتح بها باب البدع. ولهذا الإمام الشافعي رحمه الله يقول: «من استحسن فقد شرع». والله عز وجل يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. فهذه أنواع من الآراء المذمومة، ومنها ما ذكره المؤلف رحمه الله في هذا الباب؛ من تقديم الرأي في ترجيح المسائل الفقهية، أو في تقريرها، وإن خالفت النصوص، وعرضت نصوص الشريعة؛ فإنهم يقدمون الرأي عليها. وهذا كما مر معنا من الرأي الباطل. قال: «فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث، فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان، إذا كان معمولًا به عند الصحابة ومن بعدهم، أو عند طائفة منهم». فأئمة أهل الحديث والفقه يقدمون الحديث إذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا عمل به الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؛ فإنهم يقدمونه على جميع الآراء، وعلى جميع القواعد أيضًا. وهكذا أيضًا التقريرات التي يضعها الفقهاء؛ فالنص عندهم مقدم. وهذا هو الواجب؛ الواجب هو تقديم نصوص الشريعة على الآراء. وإذا خالف الرأي النص؛ فالرأي ماذا؟ باطل ومردود، والنص هو المقدم، والذي يجب أن يعمل به. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «لا تقدموا أو تقولوا خلاف الكتاب والسنة؛ لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة». والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. فهذا هو الواجب على المسلم، وهكذا أيضًا على طالب العلم على جهة الخصوص؛ أن يعتمد على تقديم النصوص والعمل بها، وتقديمها على سائر الآراء. فآراء الفقهاء تعرض على الكتاب والسنة؛ فما وافق الكتاب والسنة؛ أخذ به، وما خالف الكتاب والسنة؛ رد، وأخذ بما في الكتاب والسنة. قال: «فأما ما اتفق السلف على تركه؛ فلا يجوز العمل به؛ لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به». ما اتفق السلف على تركه؛ هناك أحاديث ترد، ويردها السلف لضعفها، أو لشذوذها، ومخالفتها لقواعد الشر المعلومة من الدين بالضرورة؛ فلا يعملون بها. فهنا يجب علينا أن نتركها، وأن لا نعمل بها كما تركوها، وهم ما تركوها إلا لعلمهم لعدم ثبوتها، وعدم صحتها؛ فيسعنا ما وسع السلف رضوان الله تعالى عليهم. قال عمر بن عبد العزيز: «خذوا من الرأي ما يوافق من كان قبلكم؛ فإنهم كانوا أعلم منكم». وعمر بن عبد العزيز رحمه الله لقبه الإمام الشافعي بالخليفة الخامس؛ وذلك لعلمه وكمال ورعه وعدله، وكان إمامًا وفقيهًا ومجتهدًا رحمه الله. فيقول: «خذوا من الرأي ما يوافق من كان قبلكم؛ فإنهم كانوا أعلم منكم». ويريد بذلك - والله أعلم - هو عدم التوسع في باب الرأي؛ عدم التوسع في باب الرأي، وأن الإنسان يأخذ بما ثبت عن السلف، بما ثبت عن السلف من الصحابة والتابعين فيما قالوه برأيهم، واجتهدوا في تقريره في بعض المسائل التي ليس فيها نص؛ فقالوا برأيهم اعتمادًا على النصوص، ونظرًا في نصوص الكتاب والسنة؛ فيقول: «خذوا بما قالوا وبما رأوا؛ فإنهم كانوا أعلم منكم». يعني: فلا تتوسعوا وتقولوا بآرائكم فتخالفوهم، وهم أعلم؛ فيكتفى بما قالوا، ويكتفى بما رأوا رحمهم الله، رضي الله تعالى عنهم. قال: «فأما ما قال فعمل أهل المدينة من الحديث؛ فهذا مالك يرى الأخذ بعمل أهل المدينة، والأكثرون أخذوا بالحديث». هذه المسألة بمسألة؛ أجمع أهل المدينة إذا أجمع أهل المدينة على مسألة، أو على أخذ الأخذ - مثلًا - بحديث، أو عدم الأخذ به؛ هل يؤخذ بإجماعهم أم لا؟ والإمام ابن رجب هنا ينقل عن الإمام مالك أنه يرى الأخذ بعمل أهل المدينة. وبهذا الإطلاق - بهذا الإطلاق - فيه نظر؛ هذا الإطلاق عن إمام مالك أنه - يعني - يأخذ ويعمل بعمل أهل المدينة على هذا الإطلاق؛ فيه نظر. وقد ذكر ابن القيم - أو ابن تيمية - رحمه الله، كما في «مجموع الفتاوى»: ذكر ابن تيمية - كما في «مجموع الفتاوى» - أن إجماع أهل المدينة على أربع مراتب. أن إجماع أهل المدينة على أربع مراتب؛ قال: «ما يجري مجرى النقل عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد، وترك صدقة الخضروات». قال: «فهو حجة باتفاق العلماء». فهذا الإجماع منهم يجري في مقام النقل عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ يعني: كأنهم أخذوه من النبي عليه الصلاة والسلام وأجمعوا عليه؛ فيكون حجة. قال: «الثاني: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان». قال: «فهذا حجة في مذهب مالك، وهو المنصوص عن الشافعي». يعني: ما ثبت من العمل - عمل أهل المدينة - الذي أجمعوا عليه قبل مقتل عثمان؛ قال: «فهذا حجة عند الإمام مالك رحمه الله، وهكذا أيضًا عند الإمام الشافعي». قال: «الثالث: إذا تعارض دليلان كحديثين وقياسين، جهل أيهما أرجح، وأحدهما يعمل به أهل المدينة؛ ففيه نزاع؛ فمالك والشافعي يرجح عمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة لا يرجح». وهنا كما ترون؛ عندنا دليلان - عندنا دليلان - كحديثين وقياسين، جهل أيهما أرجح؛ لوجود التعارض - مثلًا - بينهما في الظاهر، وأحد هذين الدليلين عمل به أهل المدينة؛ فهنا الإمام مالك والشافعي يرجح ما عمل به أهل المدينة؛ ما عمل به أهل المدينة؛ وذلك لكونهم من أهل الفقه وأهل العلم، وكذلك أيضًا عملهم بهذا الدليل يكون أقرب إلى الصواب؛ يكون أقربًا يكون أقرب إلى الصواب؛ فلهذا رجح الإمام مالك والشافعي في مثل هذه الصورة الأخذ بعمل أهل المدينة. قال: «الرابع: العمل المتأخر بالمدينة؛ هل هو حجة شرعية يجب اتباعها؟ فالذي عليه أئمة الناس: أنه ليس بحجة شرعية». هذا مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وغيرهم. إذن نرى هنا من نقل شيخ الإسلام رحمه الله: أن عمل أهل المدينة ليس بحجة على إطلاقه؛ ليس بحجة على إطلاقه؛ وإنما الحجة فيما جرى مجرى النقل؛ كمقدار الصاع والمد، ونحو ذلك. وكذلك أيضًا ما كان من عمل أهل المدينة قبل مقتل عثمان؛ مع وجود الخلاف في مثل هذه الصورة؛ مع وجود الخلاف في مثل هذه الصورة. وأما عمل أهل المدينة فيما كان بعد ذلك؛ فإنه فيه خلاف؛ والراجح أنه ليس بحجة؛ وإنما الحجة فيما ثبت في الدليل؛ فيقدم حينئذ الحديث على رأيهم، وعلى عملهم. وهذا هو الأصل؛ الأصل هو تقديم النص الثابت في كتاب الله، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام على قول وعمل سائر الخلق. فالمقصود من هذا الفصل: هو ذم الرأي وتقديمه على النصوص؛ وأن الأصل هو أن المسلم يقدم النص والدليل الثابت في كتاب الله، الدليل الثابت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهكذا أيضًا الوارد في كتاب الله جل وعلا؛ فهو مقدم على سائر الآراء. نكتفي بهذا القدر، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.