الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 20، ألقاها
يتميز أهل العلم النافع بالتواضع والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، كما أنهم يمتلكون بصيرة بدينهم ويتمسكون بعبادة ربهم. يتصفون أيضاً بالورع عن أعراض المسلمين وأموالهم وينصحون جماعتهم.
العلم النافع يزيد صاحبه تواضعًا وخشية لله، بينما حب الرياسة والشهرة يمكن أن يؤثر سلبًا على العلماء ويجعلهم يتكبرون. يُشدد على أهمية التواضع لصاحب العلم النافع وعدم التكبر.
من علامات العلم النافع عدم ادعاء العلم والتفاخر به، وعدم نسب الآخرين إلى الجهل إلا لمن خالف السنة. حب الرياسة والشهرة له مضار كبيرة على طالب العلم ويمكن أن يؤدي إلى التنقص والاستهزاء بالناس.
الغضب لله ونصرة لسنة نبيه جائز إذا لم يكن على وجه التنقص أو الاستهزاء بالناس. يجب التفريق بين الغضب المحمود والمذموم، مع التأكيد على الصلاة على النبي وآله وصحبه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمامنا رجب رحمه الله في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف» في ذكره لعلامات العلم النافع: قال «فلهذا كان من علامات أهل العلم النافع أنهم لا يرون لأنفسهم حالًا ولا مقالًا، ويكرهون بقلوبهم التزكية والمدح، ولا يتكبرون على أحد». لا يرون لأنفسهم حالًا ولا مقالًا، ومعنى هذا أنهم لا يرون أنفسهم شيئًا، ولا ممن يستحق التقدم أو يستحق الكلام أو التحدث، وذلك لإزدرائهم بأنفسهم. ويكرهون بقلوبهم التزكية والمدح، انظروا لقوله «يكرهون بقلوبهم» ولم يقل «بألسنتهم»، لأن البعض ربما يكره المدح بلسانه وقلبه مشغوف بحب المدح، لكن صاحب العلم النافع يكره المدح بقلبه، ما يحب من أحد أن يمدحه، ولا أن يثني عليه، ولا أن يطريه في المدحة؛ لأنه طلب العلم لأجل الله ولأجل العمل به والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فلا يريد مدح الناس ولا ثناء الناس عليه. وإذا مدح كره ذلك بقلبه، كره ذلك بقلبه، وهذا كله من علامات العلم النافع. ولا يتكبرون على أحد، نعم، صاحب العلم النافع ما يتكبر على أحد من الخلق، بل هو في غاية من التواضع، وكذلك الذل وخفض الجناح. قال الحسن: «إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المواظب على عبادة ربه». وهذا الأثر للحسن البصري رحمه الله أخرجه الإمام أحمد في الزهد. وفي رواية: أنه قال «الورع الكاف عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم»، يعني في ذكره لصفات الفقيه. قال «إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة»، من علامات الفقيه وصفاته الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة. والزهد في الدنيا: الزهد كما قال شيخ الإسلام تيمي رحمه الله «ترك ما لا ينفع في الآخرة»، ترك ما لا ينفع في الآخرة. ولذلك تجد الفقيه والعالم ما يتعلق بالدنيا، يكتفي من أمور الدنيا ما تتيسر به حياته وتستمر به معيشته، فلا يحب التكثر منها، بل قلبه معلق بالآخرة، فهو عنده رغبة فيما عند الله سبحانه وتعالى، بخلاف من كان علمه غير نافع كما سيأتي، وذكر أنه يكون متعلقًا بالدنيا حريصًا على جمع حطامها وعلى تحصيل متاعها. قال «البصير بدينه»، عنده معرفة بدين الله جل وعلا وعمل بأحكام الشريعة، فهو ماذا مطبق لما أمر الله ومنتهي عما نهى الله سبحانه وتعالى. «المواظب على عبادة ربه»، مواظب على طاعة الله والمحافظة على ما أوجب الله سبحانه وتعالى من الطاعات والعبادات. وفي الرواية الأخرى قال «الورع الكاف عن أعراض المسلمين»، الورع بمعنى ترك ما يضر أو ما يخشى ضرره في الآخرة، فيتورع عن الأمور المشتبهة والأمور التي قد توصل إلى الحرام فيتركها، كذلك يكف عن أعراض المسلمين، فلا يتورع عن أكل الحرام ثم يأكل لحوم الناس ولحوم العلماء ويقع في أعراضهم، بل هو من أبعد الناس عن ذلك. «العفيف عن أموالهم»، يعني متعفف عن أموال الناس فلا يأكلها بالباطل. «الناصح لجماعتهم»، حريص على نصحهم وتوجيههم وإرشادهم وبيان ما ينفعهم والتحذير لهم عما يضرهم، فهذه كلها من صفات الفقيه والعالم. قال «وفي رواية عنه: الذي لا يحسد من فوقه، ولا يسخر بمن دونه، ولا يأخذ على علم علمه لله أجرًا». قال «الذي لا يحسد من فوقه»، يعني من هو أعلم منه وأرفع منه في العلم لا يحسده؛ لأن هذا فضل من الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل يؤتي فضله من يشاء، وهو يعلم أن العلم نور يقذفه الله عز وجل في قلب من شاء من عباده، فإذا رأى من فاقه من أقرانه وكان أعلى منه وأفضل منه، فإنه لا يحسده على ذلك؛ لأنه يريد ما عند الله ويريد ماذا الأجر من الله سبحانه وتعالى، فلا يضره من فاقه وكان أفضل منه. «ولا يسخر بمن دونه»، لا يسخر بمن كان دونه في العلم، فيفتخر عليه أنه أعلم منه وأنه أحسن منه وأنه يحفظ أكثر منه أو كذا، لا، لا يحسد من فوقه ولا يسخر بمن دونه. «ولا يأخذ على علم علمه لله أجرًا»، يعني ما يأخذ أجرًا مقابل التعليم، ما يقول «أنا ما سأعلم إلا أعطيتموني كذا وكذا» أو «ما أفتي إلا بكذا وكذا من المال»، فهو يعلم لله، يعلم لله يريد الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى. قالوا: «هذا الكلام الأخير قد روي معناه عن علي بن عمر من قوله». قالوا: «أهل العلم النافع كلما ازدادوا من هذا العلم ازدادوا لله تواضعًا وخشية وانكسارًا وذلًا». هذا من صفات العلم النافع أن يصحبه كلما ازداد من العلم كلما ازداد تواضعًا، تواضعًا للناس قبولًا للحق وعدم استحقار للناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير الكبر «بطر الحق وغمط الناس»، بطر الحق أي رده، وغمط الناس أي استحقارهم، وهذه من صفات المتكبرين، فالمتواضع يقبل الحق ممن جاءه ولا يستحقر أحدًا من الناس، وهكذا ينبغي أن يكون صاحب العلم يكون من أشد الناس تواضعًا، وكذلك خشية لله جل وعلا وخوف وانكسار وذل، يعني يكون في غاية من التواضع والذل والانكسار. وكما قيل: فيما ذكر الإمام عبدالبر رحمه الله من الحكم «قيل: إن الأرض المرتفعة أقل الأراضي مسكًا للماء، والأرض المنخفضة هي أكثر الأراضي جمعًا للماء»، الأرض ليتكون منخفضة يتجمع فيها الماء، والأرض التي تكون مرتفعة وعالية لا يتجمع فيها الماء. قالوا: «هكذا صاحب العلم، فالذي يكون متواضعًا ويكون ماذا ذليلًا يكون أكثر جمعًا للعلم، بخلاف المترفع والمتكبر فإنه يكون أقل علمًا». قال «وقال بعض السلف: ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعًا لربه، فإنه كلما ازداد علمًا بربه ومعرفة به ازداد منه خشية ومحبة، وازداد له ذلًا وانكسارًا». نعم، يفعل ذلك تواضعًا لله حتى يؤدب نفسه ويهذب نفسه ألا تتكبر ولا يصيبها العجب والغرور بما فتح الله سبحانه وتعالى عليه في باب العلم، بل ينبغي أن يجعلها متواضعة ذليلة ماذا خاشعة لربها سبحانه وتعالى. قاله: «من علامات العلم النافع أنه يدل صاحبه على الهرب من الدنيا وأعظمها الرياسة والشهرة والمدح، فالتباعد من ذلك والاجتهاد في مجانبته من علامات العلم النافع». من علامات العلم النافع أن يدل صاحبه على الهرب من الدنيا، عدم محبة الدنيا والرغبة فيها، ومن أمور الدنيا التي قد تتعلق بها النفس وكذلك يقع في حبالها من ينتسب إلى العلم حب الرئاسة والشهرة والمدح. حب الرئاسة أن يترأس وأن يكون له ماذا يعني صولة وجولة وكلمة وتصدر للمجالس عنده رغبة وشهوة ومحبة لذلك، هذا من علامات العلم الذي ليس بنافع، فصاحب العلم النافع يبتعد من الرياسة يبتعد منها ويهرب منها، نعم، فهو لا يحب ذلك لعلمه بعظم هذا الأمر، فلذلك كانت حب الرئاسة من الشهوة الخفية التي قد يبتلى بها بعض الناس ومن ينتسب إلى العلم، شهوة خفية يرغب فيها ويحرص عليها ويجادل ويناقش من أجلها، بل ربما تعدى إلى الوقوع في أعراض الآخرين وذمهم وتنقصهم كل ذلك من أجل أن تكون له الرياسة. وقال شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه: «يا بقايا العرب، إياكم والرياء والشهوة الخفية». سئل أبو داود أجستاني رحمه الله: «وما الشهوة الخفية؟» قال: «الرياسة، حب الرياسة»، شهوة خفية لا يطلع عليها أحد إلا الله سبحانه وتعالى. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث كعب بن مالك: «إباني جائعان؟ أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»، حرص المرء على المال أي على كسبه وجمعه من أي طريق وأي سبيل يفسد دينه، وهكذا حب الشرف حب أن يكون الإنسان له شرف ومنزلة ورئاسة وغير ذلك من هذه المعاني، فهذا مما يفسد عليه دينه أشد من إفساد الذئب الجائع زريبة الغنم. فلذلك كان على صاحب العلم إذا أراد أن ينتفع بعلمه وأن يكون علمه نافعًا أن يحذر من حب الرياسة. وما حب أحد الرياسة كما قال فضيل بن عياض رحمه الله «إلا حسد وبغى وتعدى وكره أن يذكر أحد بخير»، ما حب أحد الرياسة إلا حسد غيره، حسده إذا كان قد تصدر للمجالس وصار له كلمة والتفى الناس حوله، كرهه وحسده على ذلك وأدى به ذلك الحسد إلى التعدي والطعن فيه والكلام في عرضه، وهكذا أيضًا البغي وكراهة أن يذكر أحد بخير، ما يحب أن يذكر أحد بخير إلا هو، أن يثنى عليه ويمدح إلى آخر ذلك، وهذه كلها من مضار حب الرياسة. وأكد أيضًا حب الشهرة أن يشتهر ويذكر اسمه ونحو ذلك، وأن يمدح ويثنى عليه، هذه كلها أمراض ينبغي أن يبتعد عنها طالب العلم وأن يحرص أن يكون ماذا ممن لا يحرص عليها وممن لا يبحث عنها، بل يبتعد منها غاية البعد ويكون على خوفه وجل من أن يبتلى بها. قال «وفإن وقع في شيء من ذلك من غير قصد واختيار»، أظن كأنه «واختبار» يشير إلى أن الأصح «واختيار»، قد يقع للإنسان شيء من الرئاسة والشهرة والمدح من غير قصد منه، هو ما قصد ذلك ولا أراد ذلك ولا طلب ذلك أن يكون رئيسًا أو أن يشتهر أو أن يمدح، لكن يبتلى بذلك، يكون في بلد مثلًا لا يوجد من هو أفضل منه علمًا وديانةً فيطلب منه أن يتصدر، يتصدر للتدريس أو للفتوى فيشتهر وهو يهرب من هذا الأمر فيبتلى بذلك من غير قصد ولا أيضًا اختيار منه. قال «كان صاحبه في خوفٍ شديد من عاقبته»، بحيث أن يخشى أن يكون مكرًا واستدراجًا كما كان أحمد يخاف ذلك على نفسه عند اشتهار اسمه وبعد صيته، وهذا من علامة صدقه رحمه الله، فهو يقول: العالم الصادق إذا الأصل أنه يبتعد من الرئاسة والشهرة وحب المدح، لكن قد يبتلى بذلك ويحصل له شيء من ذلك من غير قصد ومن غير أن يختار ذلك، فيترأس ويشتهر ويثني عليه الناس ويمدحوه، فإن حصل ذلك ينبغي أن يكون على خوف، أي أن لا يغتر بما حصل له من هذه الأمور، بل ينبغي أن يكون على خوف ووجل من الله جل وعلا، لعل ذلك استدراج من الله سبحانه وتعالى له ومكر به، فلذلك يكون على خوف شديد من الله سبحانه وتعالى. قال «ومن علامات العلم النافع»، هنا كلام ذكره الإمام البيهقي رحمه الله في كتابه «الزهد الكبير» في الكلام على الشهرة والرياسة، قال «وأما وجودها من جهة الله»، أي الشهرة من غير طلب الإنسان «فليس بمذموم»، إذا حصلت له من غير قصد منه ولا طلب، فهذا ليس بمذموم في حقه. قال «غير أن في وجودها فتنة على الضعفاء»، قد يكون ضعيف يغتر بما يحصل له من هذه المنزلة ومن هذا المدح والثناء، فتنقلب عليه الأمور يفتتن بذلك، لكن كما قال رجب رحمه الله: ينبغي أن يكون على خوف شديد من عاقبة ذلك. قال «ومن علامات العلم النافع أن صاحبه لا يدعي العلم ولا يفخر به على أحد، ولا ينسب غيره إلى الجهل إلا من خالف السنة وأهلها، فإنه يتكلم فيه غضبًا لله لا غضبًا لنفسه ولا قصدًا لرفعتها على أحد». من علامات العلم النافع أن صاحبه لا يدعي العلم، يقول «أنا عالم» «أنا أعلم من الناس» ونحو ذلك من هذه الألفاظ، ولا يفخر بعلمه على أحد؛ لأنه ما طلب العلم إلا لأجل أن يعمل به، لأجل أن يعلم الناس ويفقههم، فما يفتخر بما أتاه الله سبحانه وتعالى من علم، فالافتخار بالعلم وترفع به على الناس هذا من علامات العلم الذي ليس بنافع. ولا ينسب غيره إلى الجهل، يقول «أنت جاهل» «ما تعرف شيء» من باب التنقص والاستحقار، لا، إلا إذا كان ماذا ردًا على من خالف السنة وبيان الحق، فيرد على من تكلم في دين الله جل وعلا بجهل، فيبين ما وقع فيه من الخطأ وما وقع فيه من الضلال، ويبين جهله في هذه المسائل، ذبًا عن دين الله وحمية لدين الله جل وعلا وغضبًا لله جل وعلا ونصرة لسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، فمثل هذا الحال لا بأس، أما على وجه التنقص والاستحقار والاستهزاء بالناس. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.