الخطبة بعنوان اغتنام الفرص، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 11 رمضان 1442هـ الموافق 23 أبريل 2021م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُعد شهر رمضان فرصة للتوبة والإنابة، حيث تُفتح أبواب الجنة وتُغلق أبواب النار. يُعتبر رمضان شهرًا للطاعات مثل الصيام والقيام وتلاوة القرآن.
يُحذر من التفريط في مغفرة رمضان ويُنبه إلى عظم الحرمان لمن يخرج من الشهر دون مغفرة. يُشجع على زيادة الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان.
يُذكر اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان خاصة في العشر الأواخر. يُحفز المسلمين على اغتنام الشهر بالطاعات مع الدعاء للتوفيق والقبول والعتق من النار.
يتضمن المقطع عبارات للصلاة على النبي محمد ودعوة للصلاة والإشادة برسالة النبي. يُكرر التأكيد على شهادة أن محمدا رسول الله والدعوة للصلاح والفلاح.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، كنا في الأيام القريبة ننتظر قدوم شهر رمضان المبارك بقلوبٍ متشوقة وأفئذةٍ متطلعة إلى بلوغه وإدراكه، فها قد منَّ الله جل وعلا علينا وأطال في أعمارنا حتى بلغنا إياه، فنحن نتقلب في أيامه ولياليه، نشم من رياحينه ونقطف من زهوره ونأكل من ثماره، فما أعظمها من نعمة وما أجلها من منَّه. نعم، عباد الله، هذا الشهر الذي فيه الخير من أول ليلةٍ من لياليه. روى ابن ماجة والبيهقي من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان أول ليلةٍ من رمضان فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله جل وعلا عُتقاء من النار وذلك في كل ليلةٍ من رمضان». انظروا، عباد الله، في أول ليلة من ليالي هذا الشهر تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. إذن، هذا الشهر شهر خيرٍ من أوله إلى آخره، فهو شهر الصيام، وشهر القيام، وشهر القرآن، وسماع وتلاوة كلام الرحمن، شهر الصدقة والإنفاق، شهر الدعاء، شهر التوبة والإنابة إلى الله جل وعلا. نعم، عباد الله، شهر المغفرة، ومن حرم المغفرة في هذا الشهر فقد حرم خيراً عظيماً. جاعد أبي يعلى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام صعد على المنبر فقال: «آمين، آمين، آمين». فسئل عن ذلك، فقال: «إن جبريل عليه السلام أتاني فقال: يا محمد، من أدرك رمضان ثم خرج فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل آمين. فقلت: آمين». انظروا، عباد الله، إلى هذا الحرمان العظيم أن يدرك المرء هذا الشهر المبارك الذي جعل الله عز وجل فيه من أسباب المغفرة والرحمة ما ليس في غيره من الشهور، ثم يخرج من هذا الشهر ولم يغفر له، فهذا بعيد عن رحمة الله وعن فضل الله جل وعلا، فربما أدى به ذلك أن يكون من أهل النار عياذا بالله. عباد الله، إن إدراك هذا الشهر فرصة عظيمة من فرص العمر والحياة التي لا ينبغي أن يضيعها المرء وأن يضيعها المسلم، فلربما لا يجدها مرة أخرى. وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. عباد الله، قد مضت العشر الأولى من هذا الشهر، فمنا من قد أحسن فيه فليزدد إحسانا، ومنا من أساء وفرط فليتدارك ما بقي من هذا الشهر، فإنما بقي خيرٌ مما مضى، وإن آخر هذا الشهر خيرٌ من أوله. عباد الله، إن من المظاهر السيئة التي نراها في كل شهرٍ من هذا الشهر المبارك التقاعس والتكاسل والرجوع إلى القهقرة من كثيرٍ من الصائمين، تجد في أول هذا الشهر هذا الشهر يُقبل إقبالاً كلياً وإقبالاً حسناً في المحافظة على الصلوات والمحافظة على صلاة التراويح والقيام والإقبال على تلاوة القرآن وإعمار وقته بما ينفعه، فما إن يتناقص هذا الشهر إلا وقد تجده تتناقص في الأعمال ويتكاسل في أعمال البر والطاعة والإحسان. ألا عباد الله، ينبغي أن يزيد جودنا وأن يزيد اجتهادنا في أواخر هذا الشهر أكثر من أوائله، فإن هذا هو هدي نبينا عليه الصلاة والسلام. قال ابن عباس: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان». أجود الناس عليه الصلاة والسلام في الصلاة والعبادة، أجود الناس في تلاوة القرآن، أجود الناس في البذل والإعطاء والإنفاق، أجود الناس في تعليم الناس أمور دينهم، أجود الناس في كل باب من أبواب الخير، أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة. رواه البخاري. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، ويجتهد في العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في أوله». متفق عليه. هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أهل العلم والفضل والصلاح يتسابقون ويجتهدون في إدراك هذا الشهر وفي إعمار أوقات هذا الشهر بطاعة الله جل وعلا، وهكذا ينبغي أن نكون، عباد الله، أن نجاهد أنفسنا، وأن نأخذ بزمامها إلى ما فيه رضا الله جل وعلا وما فيه نجاتنا في الدنيا والآخرة وما يكون لنا زادا في الآخرة. والله عز وجل يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، ويقول ربنا عز وجل: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. هذه فرصة، أيها المسلم، من فرص حياتك وعمرك، فاحذر أن تضيعها وأن تفرط فيها فتندم ندما لا تستطيع استدراكه فيما بعد، فلربما لا تدرك رمضان آخر، ولربما كان هذا الشهر المبارك هو من آخر الأشهر التي تدركها في حياتك. فكم من أناس كانوا معنا فيما مضى في العام الذي انتهى وانقضى، وهاهم اليوم تحت التراب، انتهت أعمالهم وطويت صحائف أعمالهم، وأنت من الله جل وعلا عليك حتى أحياك وبلغك هذا الشهر العظيم، ألا فلا تضيع هذه الفرصة من حياتك. عباد الله، أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته. اللهم تقبل منا الصيام والقيام وسائر أعمال البر والإحسان. اللهم اجعلنا من عتقائك من النار في هذا الشهر المبارك. اللهم اعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وأبنائنا. اللهم أصلح لنا ديننا وعصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أشهد أن محمد رسول الله. حيا على الصلاح، حيا على الفلاح. وصلى الله وسلم، أشهد أن محمد رسول الله.