الدرس في التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش أهمية التمييز بين الخالق والمخلوق وعبادة الله وحده، ويفرق بين مذهب الأنبياء والصالحين ومذهب فرعون والذين يسوون بين الله وخلقه.
يشرح مفهوم الفناء في الصوفية، حيث يشير إلى الفناء عن إرادة سوى الله وعن شهود السواء، ويبين تأثير ذلك على العابدين واختلاف الناس في هذه الحالة.
يناقش مفهوم الفناء والاتحاد في التصوف، ويفرق بين الفناء الحقيقي والاتحاد الذي يعتبره خطأ، ويشرح موقف الصحابة والتابعين والصوفية المتأخرين من هذه المفاهيم.
يشرح معنى قول المشايخ الصالحين 'ما أرى إلا الله' ويوضح الطريقة الصحيحة للفناء وهي شهود الربوبية والألوهية في العبادة، ويفرق بين الفناء الصحيح والفناء الباطل.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله. أما بعد، قال الله تعالى في إبراهيم: ﴿وهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وجعلنا جميعا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين﴾. يريد أن يبين أن قلوب هؤلاء الأنبياء والصالحين قلوبهم منيبة إلى الله جل وعلا، وقلوب الأنبياء والصالحين من أعظم القلوب عبادة لله جل وعلا. قالوا: لهذا يصيرون أتقياء، لا يتبعون فرعون أولًا إلى أن لا يميزوا بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما قدر وقضاه، بل ينظرون إلى المشيئة المطلقة الشاملة. ثم في آخر الأمر لا يميزون بين الخالق والمخلوق، لا يجعلون وجود هذا وجود ذاك. ويقول محقق ويقول محققوهم: "الشريعة فيها طاعة ومعصية، والحقيقة فيها معصية بلا طاعة، والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية، لا طاعة ولا معصية". كله يعني يخرج من التحقيق معنى منزلة التحقيق خروجًا عن الشريعة كلها. قالوا: هذا التحقيق مذهب فرعون وقومه الذين أنكروا الخالق وأنكروا تكليمه لعبده موسى وما أرسله به من الأمر والنهي. يقول الشيخ: إن مذهب هؤلاء المحققين الذي يذكره الصوفية هو مذهب فرعون نفسه؛ لأنه إنكار للخالق. قالوا: أما إبراهيم وآل إبراهيم الحنفاء والأنبياء، فهم يعلمون أنه لا بد من الفرق بين الخالق والمخلوق، ولا بد من الفرق بين الطاعة والمعصية. وإنما سمي مذهبهم مذهب فرعون لأنهم قالوا مثل ما قال فرعون، بل أيدوا ما قاله فرعون. ابن عربي أيد ما قاله فرعون لما قال: "أنا ربكم الأعلى". قال هذا: "الصحيح هو رب". قالوا: "العبد كلما ازداد تحقيقًا ازدادت محبته لله وعبوديته له وطاعة له، وإعراضًا عن عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره". وأولئك المشركون الضالون يسوون بين الله وبين خلقه. والخليل يقول: ﴿فرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وأباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾. قالوا: "يتمسكون بالمتشابه من كلام المشايخ كما فعلت النصارى". مثال ذلك اسم الفناء، فإن الفناء ثلاثة أنواع: للكاملين من الأنبياء، ونوع للقاصرين من الأولياء والصالحين، ونوع للمنافقين الملحدين. المشبهين أن الفناء المراد به خروج العقل عن المشاهدة. الفناء هو خروج العقل عن المشاهدة وعن الإحساس، معنى ما يحس بمن حوله ولا يعقل بمن حوله. هذا فيه هناك فناء صحيح وفناء غير صحيح. وفناء للكاملين من الأنبياء والصالحين الذين أخذوا بشريعة الله، وفناء لصالحين لكنهم ليس عندهم علم، فأدخلوا أشياء ليست صحيحة، فصار عندهم الفناء ناقص. وأما الثالث الفناء فهو فناء الملحدين، وهو فناء بن عربي وابن سبعين وغيرهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى في كلام مؤلف. قال: "فأما الأول فهو الفناء عن إرادة ما سوى الله، بحيث لا يحب إلا الله، ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يطلب غيره". وهو المعنى الذي يجب أن يقصد بقول الشيخ ابن زيد حيث قال: "أريده". ابن زيد عندك، ابن زيد أبو يزيد البسطامي حيث قال: "أريد أن لا أريد إلا ما يريد". معنى: "أريد أنا أني ما أريد إلا ما أراد الله". معنى مثل قول الله عز وجل: ﴿كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به﴾. معنى يوفق في أعماله، فهو لا يحب إلا الله عز وجل. والمراد هنا الفناء أيضًا، الفناء الكامل. هذا هو إرادة ما سوى الله، إرادة ما سوى الله ومراد في الأعمال، وكذلك في المحبة، فهو لا يحب إلا الله، لا يذكر إلا الله، لا يكون شاغل باله إلا الله. حتى إنه لا يخرج عن طور، لا يخرج عن ما يحسه ويشاهده. معناه إذا تفكر في الله عز وجل وفي عظمة الله وأنشغل بهذا الذكر، وكذا هذا يحصل له شيء من الهمة، حتى إنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أبيت ربي يطعمني ويسقين". فإني أبيت ربي يطعمني ويسقين، هذه المناجاة العظيمة والخلوة العظيمة، لا يذكر فيها غير الله. معناه قلبه وعقله كله مع الله. ولهذا تحصل أشياء، مثلًا لبعض الصالحين تحصل أشياء ما يحسونها. معناه معروف أن عروة بن الزبير قطعت رجله وهو يصلي، قطعت رجله وهو يصلي. وسليمان بن يسار انهدم المسجد، نصف المسجد انهدم، وخرج الناس وهو يصلي، ولا يدري ما حصل. معناه كيف هذا؟ لما قالوا له: "كذا المسجد يسقط فيك؟" قال: "والله ما دريت". معناه مسجد كامل يسقط، وكذا كيف ما درى؟ معناه هذا من كثرة خشوعه مع الله عز وجل. ولهذا سليمان بن يسار يقولون: إنه إذا دخل بيته سكت أولاده، خلاص يسكتون، ما يتكلم أحد احترامًا لله. فإذا أخذ في الصلاة قاموا وصاحوا ولعبوا، خلاص ما يسمعهم، ولا يدري ما يشي يفعلون. معناه خلاص ينعزل عن الناس انعزالًا كله. هذا يحصل لكثير من السلف رحمة الله عليهم. لكن المتأخرين منهم زاد مثل هذا الشيء زاد عليهم، حتى إنه يدخل في غيبوبة. منهم من يغشى عليه. معناه بعضهم ما استطاع أن يدفع النفس كما قال الإمام أحمد: "كان يحيى بن سعيد القطاد يغشى عليه أحيانًا يسمع قرآن يغشى عليه". فقال الإمام أحمد: "لو كان أحد يستطيع أن يدفعه لدفعه يحيى بن سعيد". يحيى بن سعيد رجل متبع من نهى الحديد، لكن قال: "لو يستطيع أحد يدفعه لدفعه يحيى، لكن ما استطاع". أحيانًا الإنسان يتعلق بهذا الشيء بدون ما يقصده، حتى سبب موته هذا الشيء سبب موت يحيى بن سعيد. كان يعرض الحديث، معناه كان يجلس في مكان مرتفع ويجعل الحديث يمرون عليه، كل واحد يمر يعطيه خمسة حديث، ستة حديث على حسب الذي يتيسر. فمر إسماعيل الترمذي، ليس هذا صاحب "الجامع" أكبر منه وأقدم منه، معناه من مشايخه يعتبر إسماعيل بن محمد الترمذي. فقال له يحيى بن سعيد: "لا أحدثك حتى تقرأ القرآن". كان معناه يقرأ عنده صوت، معناه قال: "ما سأحدثك حتى تقرأه من القرآن". فقرأ عليه الزلزلة، فما انتهى حتى سقط يحيى بن سعيد، فحملوه إلى بيته، غشي عليه، فبقي أيام ثم مات رضي الله عنه ورحمه الله. فهذا شيء أحيانًا يهجم على القلب، لكن حصل للمتأخرين كثيرًا كما قال الشيخ الإسلام: حصل للمتأخرين ولم يحصل للمتقدمين. ولا شك أن الصحابة رضي الله عنهم أتقى لله عز وجل من هؤلاء المتأخرين. معناه هذا مثل ما يحصل كما قلنا: لعروة حصل، لسليمان بن يسار حصل، أيضًا لأبي العالية. أبي العالية لما أرادوا أن يقطعوا رجله، قالوا: "وكيف تفعلون؟" قالوا: "نأتيك بدواء ونقطع". قال: "الضياء هذا يغيب عقلي". قال له: "نعم". قال: "لا، ما أريد أغيب عقلي عن ذكر الله". قالوا: "كيف نفعل؟" قال: "هاتوا قارئ يقرأ القرآن". هاتوا عندي قارئ يقرأ القرآن، فإذا رأيت أني خفضت رأسي افعلوا ما بدأ له. فجاءوا بقارئ يقرأ القرآن عنده، حتى خفض رأسه، فنشروا رجله، نشروها. معناه قطعوا. فقال الطبيب: "هذا الذي نشر". معناه أنه كان متعجبًا. قال: "حتى الألم ما وجد ألم". معناه حتى مثلًا يجد يغمض عينيه، وكذا كان ينظر إلى وجهه، حتى الألم ما وجد ألم قطع رجله وما حس أبو العالية إلا ورجله مقطوعة. فهؤلاء أناس صالحون، ليسوا من أهل الدجل أو أهل البدع، وكذا لكن هذا الشيء يحصل من كثرة المحبة والطاعة. لكن هؤلاء متبعون على طاعة الله عز وجل. وجاء بعض المتأخرين لم يسلك سبيل الطاعة، وإنما سلك سبيل المحبة وغلا فيها، حتى ورثهم ذلك إلى الزندقة. قال: "فهذا الأول وهو الفناء عن إرادة سوى الله". الفناء عن إرادة سوى الله، معنى أنه ما يريد إلا الله. وهذا معنى كلام أبي يزيد البسطامي: "أريد أن لا أريد إلا ما يريد". قال: "أي إلا المراد المحبوب المرضى". المرضى وهو المراد بالإرادة الدينية. كما للعبد أن لا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وأحبه. معنى يكون قلبه مع الله، كل ما يحب الله فهو يحبه، وكل ما يرضي الله عز وجل فهو يرضيه. وهذه منزلة قد تكون صعبة جدًا. الإنسان ما يحب المصائب التي تصيبه، ما يرضى مثلًا. قد يكون يرضى، لكنها يكره مثل هذه الأشياء. حتى جاء في الحديث القدسي قال الله عز وجل: "وما ترددت في شيء ترددي في قبض عبد المؤمن، يكره الموت وأكره مساءة". يكره الموت وأكره مساءة، مع أن الله عز وجل يكره مساءة هذا المؤمن، لكن الموت شيء كتبه الله، فهو مما كتبه الله عز وجل على الناس. فقال: "يكره الموت وأكره مساءة". فبعض الأشياء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من كره لقاء الله كره الله لقاء". قالت عائشة: "يا رسول الله، ما من أحد إلا وهو يكره الموت". معناها هذا شيء طبيعي في الإنسان، يكره الموت، يكره أن يموت. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "ليس هذا معناها". ذكر أن من مات وهو مؤمن أحب لقاء الله، فحب الله لقاء. وإذا كان عاصيًا كره لقاء الله، فكره الله لقاء. قال: "وكمال العبد لا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وحبه". وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب. هذا الأول وهو الفناء الأول، الفناء عن إرادة ما سوى الله. قال: "وهذا معنى قوله: ﴿إلا من أتى الله بقلب سليم﴾". قاله: "هو السليم مما سوى الله، ومما سوى عبادة الله، أو مما سوى إرادة الله، أو مما سوى محبة الله". فالمعنى واحد. وهذا المعنى إن سمي فناء أو لم يسمى، هذا اصطلاح صوفي، الفناء اصطلاح صوفي. لكن المعنى صحيح، سواء كان سمي فناء أو لم يسم فناء. لكن سموه فناء الآن، مثلًا صاحب "منازل السائرين"، الشيخ الإسلام الهاروي، ذكر هذا أنواع الفناء، هو يعتبر من أهل السنة، لكن فيه تصوف، فسموه فناء. لكن هل هو صحيح؟ صحيح. لكن سواء كان سمي فناء أو لم يسم، كما قال الشيخ الإسلام: "هو أول الإسلام وآخره، وباطن الدين وظاهره". وأما المعنى الثاني، وهو الفناء عن شهود السواء، هذا فناء عن إيش؟ عن إرادة السواء. وهذا فناء عن شهود السواء. وهذا يحصل لكثير من السالكين، فإنه لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته، وضعف في قلوبهم أن تشهد غير ما تعبد، وترى غير ما تقصد، لا يخطر بقلوبهم غير الله، بل ولا يشعرون به. كما في قوله تعالى: ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا﴾. فارغًا من كل شيء إلا ذكر موسى. هذا يحصل لبعض العابدين، أنه كما قلنا في إرادة السواء، أنه يحصل له حالة ما يرى إلا الله، ولا يقصد ما يذكر إلا الله، كل شيء يغيب عنه، كل شيء يغيب عنه من أمر الدنيا. لكن الناس هنا يختلفون، فمنهم من يكون عنده إرادة سوى الله، فهذا غالبًا منزلة الأنبياء والصالحين. لكن أحيانًا بعضهم يحصل له فناء عن شهود السواء، معنى كأنه حتى هو ما يشاهد نفسه، معنى ينسي نفسه، معنى هو نفسه ينسى نفسه من كثرة المحبة والانجذاب، وضعف قلبه عن هذه الأمور، فينسي نفسه. فأحيانًا يتكلم بكلام خطأ، بكلام غير صحيح. وهذا الذي يحصل لكثير من المتأخرين. فلهذا الشيخ هنا أراد أن ينبه على هذا. قال: ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا﴾. قالوا: "من كل شيء إلا ذكر موسى". وهذا كثير مما يعرض لمن يهمه أمر من الأمور، يحصل هذا إما حب وإما خوف، إما رجاء. معنى يحصل مثلًا للعاشقين كما ذكر قيس بن الملوح في أشعاره، وكثير عزة، ومعمر جميلة، وكذا. المهم هؤلاء الأشقياء، فمن الذي يقرأ في أشعارهم يجد أنهم كأنهم ما يعرفون شيء إلا محبوبتهم. أراد أن ينبه الشيخ مثل هذا أنه يحصل أحيانًا، مثلًا شدة الخوف في موقف من المواقف ينسيك كل شيء، ينسيك كل شيء، ما تذكر إلا هذا الشيء الذي عندك. بل حتى قد لا ينسى الإنسان نفسه إن شاء الله. قال: "وإما رجاء يبقى قلبه منصرفًا عن كل شيء إلا عما قد أحبه أو خافه أو طلبه". هذا الكلام ما كان العلماء يدخلون فيه، لكن حصل هذا الأمر من الصالحين فضلًا عن غيرهم. لكن الصالحون كانوا متبعين للأوامر، وهذا شيء خارق عن إرادتهم، لكن بطريقة شرعية. معنى الأنبياء والصالحون طريقتهم طريقة شرعية. أما ما حصل لهؤلاء المتأخرين، قال الشيخ: "لضعف قلوبهم حصل لهم شيء غريب". فمنهم من يغشى عليه ويغيب، ومنهم من يصيح، ومنهم من يحصل له أشياء أخرى. قال: "فيبقى قلبه منصرفًا عن كل شيء إلا عما قد أحبه وخافه وطلبه، بحيث يكون عند استغراق في ذلك لا يشعر بغيره". وإذا قوي على صاحب الفناء هذا، فإنه "يغيب بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته". حتى يفنى "من لم يكن" وهي المخلوقات المعبدة فمن سواه، "ويبقى من لم يزل" وهو الرب تعالى. هذا الكلام: "يغيب بموجوده عن وجوده"، بموجود من؟ بموجود الله عز وجل عن وجوده هو نفسه. وبشهوده عن شهوده، أي شهود الله أن الله عز وجل شاهد معه ومطلع عليه، عن شهود نفسه هو، هو ينسى نفسه وينسى حضوره. قاله: "بمذكوره عن ذكره"، معنى بمذكوره من كثرة ذكر الله عز وجل حتى إنه صار له عادة. وبمعروفه عن معرفته، قاله: "حتى يفنى من لم يكن" وهي المخلوقات المعبدة فمن سواه، "ويبقى من لم يزل" يفنى كل المخلوقات، يعني ما يذكر شيء أبدًا، ما عنده إلا الله. قاله: "ويبقى من لم يزل وهو الرب تعالى". والمراد فناؤها في شهود العبد وذكره، وفناؤه عن أن يذكرها أو يشهدها، أو فناؤه عن أن يذكرها أو يشهدها. فهذا الفناء هو الفناء اللي عن وجوده، معنى وجوده بموجوده، وشهوده بمشهوده. قال: "إذا قوي هذا أو ضعف المحب حتى اضطراب في تمييزه، فقد يظن أنه هو محبوبه". كما يذكر أن رجلًا ألقى نفسه في اليم، فألقى محبة نفسه خلفه، فقال: "أنا وقعت، فما أوقعك خلفي؟" قال: "غبت بك عني، فظننت أنك أنا". فأنا ذاك. ارتمى في البحر، هذا تبعه ما يدري بدون شعور، ارتمى معه في البحر. حتى يقال: لنا في رجل بدوي هكذا، كان يحب أخاه يحب حبًا شديدًا، وكان دائمًا يخرجون ويدخلون معًا، ويأكلون معًا، ويرعون معًا، معنا في كل شيء معًا. فذات مرة جاء السيل في الوادي، فأرادوا أن يخرجوا، أحدهما خرج والآخر لم يستطع أن يخرج. فذات غرض فرآه يقول صاحبه: "خلاص أنا استودعك الله". وكذا. فمن شدة وجده بأخيه، وحتى ما درى. قال: "لا، لا تتركني". ورمى بنفسه في السيل، معناه يريد أن يموت مع أخيه. وهذا المراد مثل هذه القصة، معناه صاحبه هذا رمى نفسه في اليم في البحر، فهذا ما شعر إلا وقد رمى بنفسه. قالوا: "أنا سقطت، أنت أش الذي أسقطك؟" قال: "ما دريت إلا أني سقطت، فظننت أن كأني". قالوا: "هذا الموضع زلت فيه أقدام أقوام، وظنه أنه اتحاد، وأن المحب يتحد بالمحبوب حتى لا يكون بينهما فرق في نفس وجودهما". وهذا غلط، فإن الخالق لا يتحد بشيء أصلًا. معناه ظن كثير من المتأخرين أن هذا اتحاد. فلهذا قالوا: "أن العبد يغيب بموجوده عن وجوده"، أي أنه لا شيء يوجد أصلا إلا وجود الله. فجاءوا بعد ذلك بفكرة وحدة الوجود، قالوا: "حتى لا يكون بينهما فرق في نفس وجودهما". وهذا غلط، فإن الخالق لا يتحد به شيء، بل لا يتحد شيء بشيء إلا إذا استحالا ففسدا، وحصل من اتحادهما أمر ثالث، أمر شيء ثالث. هذا يسمى اتحاد. معناه اتحاد مثلًا اللونين معًا، لون أحمر، لون أصفر، وقع مرتقالي مثلًا. أو اتحاد مثلًا شيء من العسل بكذا، صار شيء آخر. هذا الاتحاد. أما اتحاد: وهذا شيء، وهذا شيء، هذا ليس اتحادًا. قال: "لا هو هذا ولا هذا". كما إذا اتحد الماء واللبن صار لبنًا، والماء والخمر ونحو ذلك. ولكن يتحد المراد والمحبوب والمكروه، ويتفقان في نوع الإرادة والكراهة، فيحب هذا ما يحب ذاك، ويبغض ما يبغض، ويرضى ما يرضى، ويسخط ما يسخط. وهذا مثلًا قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو قول الله عز وجل: ﴿حتى يكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به﴾. قالوا: "أكابر الأولياء كأبي بكر وعمر، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، لم يقعوا في هذا الفناء، فضلًا عن من هو فوقهم من الأنبياء". أي الفناء الثاني هذا، وهو الفناء عن شهود السواء، هذا لم يقع فيه هؤلاء. لكن وقعوا في الأول. قالوا: "إنما وقع شيء من هذا بعض الصحابة". وكذلك كل ما كان من هذا النمط مما فيه غيبة العقل والتمييز، لما يراد على القلب من أحوال الإيمان، فإن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أكمل وأقوى وأثبت في الأحوال الإيمانية من أن تغيب عقولهم. ما تغيب عقولهم، لكن هؤلاء لضعف قلوبهم غابت عقولهم، غابت عقولهم، حتى إنهم جاءوا بأشياء غير صحيحة، وجاءوا بأشياء غير صحيحة، واتكلموا بأشياء غير صحيحة. فقالوا: "هذا سكر، وهذا فناء". معنى من كثرة الفناء عن شهود السواء، صار ما يعقل، يتكلم هكذا بكلام قد يكون هذا الكلام كفر. قال: "فإن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أكمل وأقوى وأثبت في الأحوال الإيمانية من أن تغيب عقولهم، ويحصل لهم شيء أو يحصل لهم غشي أو ضعف أو سكر أو فناء أو جنون". وإنما كان مبادئ هذه الأمور في التابعين، من عباد البصرة. ويقال: "أول من كان حصل منه ذلك الغشي هو أبو حمزة الصوفي، رجل يقال له أبو حمزة الصوفي من أهل البصرة". فإنه كان فيهم من يغشى عليه وهم أكثرهم طلاب الحسن البصري إذا سمع القرآن. ومنهم من يموت كأبي جهم الضرير، وزرارة بن أبي أوفى قاضي البصرة. وكذلك صار في الشيوخ الصوفية. وقلنا أيضًا في يحيى بن سعيد: من يعرض له من الفناء والسكر ما يضعف معه تمييزه، حتى يقول في تلك الحالة من الأقوال ما إذا صح عرف أنه غالط فيها. كما يحكى نحو ذلك عن أبي يزيد وأبي الحسن النوري وأبي بكر الشبلي، وأمثالهم. بخلاف أبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وفضيل بن عياض، هؤلاء ما حصل لهم مثل هذه الأشياء. وهؤلاء مع أنهم أكثر اجتهادًا في هذا الباب من المتأخرين، لكن ما حصل مثل هذا الباب، مثل هذا الشيء لقوة قلوبهم. قال: "بل وبخلاف الجنيد وأمثال من كانت عقولهم وتمييزهم تصحبهم في أحوالهم". حتى في أحوالهم تصحبهم عقولهم. الجنيد لما جاء له الشيطان وقال: "يا عبد القادر الجيلاني افعل ما أقصد". قال: "اخسأ، والله". لكن هؤلاء يخلط عليهم الشيطان، يخرج لهم يقول: "أنا ربك، أنا ربكم، أنا كذا". قال: "فلا يقعون في مثل هذا الفناء وسكره نحو". بل الكمال لكون قلوبهم ليس فيها سوى محبة الله وإرادته. قال: "وأما النوع الثاني" طيب. ولهذا لما عرج به للسموات وعاين ما هناك من العجائب، أي النبي صلى الله عليه وسلم. وأوحى إليه ما أوحى من أنواع المناجاة، أصبح فيهم وهو لم يتغير حاله. وهذا نبينا عليه الصلاة والسلام لقوة إيمانه وقوة عقله عليه الصلاة والسلام ما تحرك ولا تغير، مع أن هذه المشاهد مشاهد عظيمة، مع أن ما يستطيع أحد في الدنيا يشاهد مثل هذه المشاهد. لكن الله عز وجل قوى قلب نبيه حتى رأى مثل هذه المشاهد العظيمة، لكنه لم يتغير، صار قلبه نفسه القلب الذي طلع به السماء، رجع به إلى الأرض. وإنما قد يكون زادت روحانيته وكذا، لكن لم يخرج عن حاله أبدًا. وأما كما قلنا ما يذكر في بداية دعوته صلى الله عليه وسلم، ولما فتر عليه الوحي كاد أن يرمى، فهذا لم يثبت بإسناد صحيح، إنما قاله الزهري مرسلًا. ومراسيل الزهري كما قال يحيى بن سعيد: "شبه الريح". فهو لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يريد أن يترجى من الجبل، وكذا. فهذا كله غير صحيح. بل النبي صلى الله عليه وسلم خاف، وهذا طبيعة. وقال: "زملوني، زملوني". أما أنه تغير لم يتغير أبدًا، بل قال: "خفت على قلبي أو عقلي أن يذهب". خاف النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يذهب شيء، بل قواه الله عز وجل وأيده. قالوا: "أما النوع الثاني ما قد يسمى فناء، فهو أن يشهد أن لا موجود إلا الله، وأن وجود الخالق هو وجود المخلوق، فلا فرق بين الرب والعبد". فهذا فناء أهل الضلال والإلحاد. هذا فناء إيش؟ الثالث، وهو فناء الوجود، أو ما يسمى وجود السواء. هذا فناء وجود السواء، معناه لا موجود إلا الله. هذا فناء فناء من فناء، فناء الوحدة الوجود. قال: "الواقعين في حال الحلول والاتحاد". والمشايخ المستقيمون إذا قال أحدهم: "ما أرى غير الله، أو لا يرى غير الله، أو لا ينظر غير الله، أو نحو ذلك". فمراد بذلك: "ما أرى ربا غيره، ولا خالقا غيره، ولا مدبرا غيره، ولا إلها غيره، ولا أنظر إلى غيره محبة له أو خوفا منه أو رجاء له". معنى ما كان يقصدون أن وجوده صار وجود الخالق. لهذا ما كان عند أحد من الصالحين ما وجد هذا إلا عند الزنادقة. قال: "فإن العين تنظر إلى ما يتعلق به القلب". فمن أحب شيئًا أو خافه أو رجاه التفت إليه. فإذا لم يكن في قلبه محبة له ولا رجاء له ولا خوف منه ولا بغض له، ولا غير ذلك من تعلق القلب له، لم يقصد القلب أن يلتفت إليه ولا أن ينظر إليه ولا أن يراه. وإن رآه اتفاقًا، رؤية مجردة كما لو رأى حائطًا ونحوه مما ليس في قلبه تعلق به. قالوا: "المشايخ والصالحون رضي الله عنهم يذكرون شيئًا تجريد التوحيد وتحقيق إخلاص الدين كله". بحيث لا يكون العبد ملتفتًا إلى غير الله. ثم ذكر الشيخ رحمه الله مسألة تجريد التوحيد، وأن هذا التجريد كان هو دأب الأنبياء والصالحين الذين مشوا على طريقة صحيحة. معناه الآن خلاصة ما أراد أن يذكره الشيخ في هذا الكلام كله: أن الطريقة الصحيحة هو شهود الربوبية والألوهية، شهود الربوبية والألوهية في العبادة. معناه يدخل العبادة في الربوبية. أما إخراج العبادة عن الربوبية فهذا ضلال، فهذا ضلال. ولهذا ذكر هذه الأشياء تابعة لهذا. فهذا الفناء الذي ابتدعاه الصوفية خاصة، فناء ما سوى الوجود، فهذا فناء باطل. وهو من شهود الربوبية دون الألوهية. ثم ذكر الشيخ هنا أراد أن يبين أن المذهب الصحيح هو مذهب الأنبياء والصالحين، هو شهود الربوبية والألوهية. معناه فلا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله. قال: "وأما النوع الثالث" معناه هنا ظاهر قسم ثاني. هنا النوع الثاني قسم، معناه النوع الثاني وهو شهود السوى قسمه إلى قسمين: قسم يدخل فيه الصالحين، وقسم يدخل فيه للضلال. ثم الفناء الثالث وهو فناء في الوجود، في تحقيق آل فرعون ومعرفتهم وتوحيدهم، كالقرامطة وأمثالهم. وهذا الفناء الذي عليه أتباع الأنبياء، وهو الفناء المحمود الذي يكون صاحبهم من أثنى الله عليه من أولياء المتقين. وسواء سمي فناء أو لم نسميه، وليس مراد المشايخ الصالحين بهذا القول أن الذي أراه بعيني من المخلوقات هو رب الأرض والسماوات. فإن هذا لا يقول إلا من هو في غاية الضلال والفساد، إما فساد العقل. معناه لما قالوا: "ما أرى إلا الله". ما أرى إلا الله، معنى إيش؟ ليس أني ما أرى كل هذه الأشياء هي الله، لا. وإنما ما أرى الله، أي لا أحب إلا الله، وما أرى أمامي إلا الله عز وجل، فأعبده. وأيضًا مثل ما يقول مثلًا بعض العشاق: "وكذا لمعشوقي، والله ما أرى إلا أنت". ما أرى إلا أنت، كيف ما أرى إلا أنت؟ معنى قلبي وعقلي معك. فهذا المراد، وليس أن المراد الاتحاد والوجود. قالوا: "ويدخل في ذلك من العبادات المتلفة نظير ما دخل في الفناء". فإن العبد إذا شهد التفرق والكثرة في المخلوقات، معناه أحيانًا نمر على كلام لأن المقصود واحد. قالوا: "إذا انتقل إلى الجمع اجتمع قلبه على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له". فالتفت قلبه إلى الله بعد التفاته إلى المخلوقين، فصارت محبته لربه وخوفه من ربه ورجاءه لربه واستعانته بربه. وهو في هذه الحال قد لا يتسع قلبه للنظر إلى المخلوق. معنى إذا زاد قلبه لله عز وجل عبادة وتضرعًا ومحبة، قد لا يلتفت إلى محبة المخلوقين. وهذه الخلة التي عند النبي عليه الصلاة والسلام، وعند إبراهيم خليل الله. قالوا: "هذا نظير النوع الثاني من الفناء". ولكن بعد ذلك الفرق الثاني، وهو يشهد عن المخلوقات قائمة بالله مدبرة بأمره، ويشهد أن كثرتها معدومة بوحدانية الله. فالفرق بين الصالحين في هذا الفناء الثاني وبين غيرهم: أن هؤلاء يعلمون الصالحون يعلمون أن هذه الأشياء مدبرة وأنها غير الله. لكن هؤلاء الفاسدون ما فرقوا بين الخالق والمخلوق. قالوا: "أنه سبحانه رب المصنوعات وإلهها وخالقها ومالكها". فيكون مع اجتماع قلبي على الله إخلاصًا له محبة وخوفًا. وفي حديث الولي قال الله عز وجل: ﴿وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه﴾. ففرق بين الخالق والمخلوق، فهناك سائل ومسؤول ومعطي ومعطى وهكذا. فهو شيء آخر ليس ما قصده المؤلف، أقصد ما قصده الصوفية أهل وحدة الوجود أنه اتحاد واحد. قال: "بعدما ذكر أنه يميز بين هذا وهذا، ويشهد بفرق المخلوقات وكثرتها مع شهادته أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه". وأنه هو الذي لا إله إلا هو. قال: "وهذا هو الشهود الصحيح المستقيم". وذلك واجب في علم القلب وشهادته وذكره ومعرفته. وفي حال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته ومعاملته وطاعته. وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. فإنه يفنى عن قلب إلهية ما سوى الحق، ويثبت في قلب إلهية الحق. فيكون فناء إلهية كل شيء من المخلوقات مثبتًا لإلهية رب الأرض والسماوات. وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله ومفارقة ما سواه. فيكون مفرقًا في علمه وقصده وشهادته. إن شاء الله عاد بكرة إن شاء الله. ومفارقة ما سواه، ومفارقة ما سواه، ومفارقة ما سواه.