الدرس في التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع ثلاثة أنواع للفناء، ويحدد الشهود الصحيح بأنه تفريق بين الخالق والمخلوق مع انفراد القلب بالله محبة وخوفاً ورجاء، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، مؤكداً أن أفضل الذكر هو "لا إله إلا الله" وناقداً بدعة الاقتصار على الاسم المفرد "الله" أو الضمير "هو".
يناقش المقطع بطلان الاقتصار على ذكر الاسم المفرد مثل "الله، الله" أو "هو، هو" دون معنى أو خبر، مبيناً أنه بدعة وقرب من ضلال الشيطان، ومستدلاً بالآيات والأحاديث الصحيحة التي جاءت بالأذكار التامة المفيدة كالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.
يبيّن المقطع أن الذكر المشروع هو الجمل التامة مثل "بسم الله" و"لا إله إلا الله" لا مجرد الأسماء المفردة، مستدلاً بالقرآن والسنة واللغة، ويختتم بتقرير أن دين الإسلام يقوم على أصلين: إخلاص العبادة لله وحده، واتباع شرعه دون بدع.
اختتم المؤلف كتاب تحقيق العبادة ببيان أن أصل العبادة يقوم على ركنين أساسيين: الطاعة لله والإخلاص له، ثم ختم الكتاب بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله، وصلاة السلام على رسولنا. ومما ذكرنا أول أمس مشارة الفناء، كما ذكر المؤلف، وكما قلنا: ثلاثة أنواع: فناء عن إرادة السوى، وعن شهود السوى، وعن وجود السوى. إرادة السوى، وشهود السوى، وأيضًا كذلك عن وجود السوى. فأما الأول: كما قلنا، فيه قد عمل به الأنبياء وغيرهم. والثاني: فيه ما هو يعمل به الصالحون، وفيه ما يعمل به الزنادقة وأهل التصوف ولا تتصوف. والثالث: هو أيضًا غالبًا، كما سماه الشيخ، يقول به أتباع فرعون. ثم ذكر الشهود الصحيح، وهو الذي يفرق فيه بين الخالق والمخلوق، وهو أن يشهد عن المخلوقات قائمة بالله، مدبرة بأمره، ويكون مع هذا يعتقد هذا، وهو شهود الربوبية مع اجتماع قلبه على الله إخلاصًا له، محبة وخوفًا ورجاء واستعانة، متوكلا على الله، وموالاة فيه ومعاداة فيه. فهذا قال: هو الشهود الصحيح المستقيم، وذلك واجب في علم القلب وشهادته وذكره ومعرفته، وفي حال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته. وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأنه شهود ربوبية وألوهية، فإنه يفني عن قلبه إلهية ما سوى الحق، لا يرى حقًا إلا الله عز وجل، هو الذي استحق العبادة. وهذا هو التوحيد، ويثبت في قلبه إلهية الحق، فيكون فناء إلهية كل شيء من المخلوقات مثبتًا لإلهية رب الأرض والسماوات. الفناء هو الشيء الذي لا يوجد، هذا فناء، فهو الآن يفني عن قلبه إلهية ما سوى الله، لا يرى أنه ما في أحد استحق العبادة إلا الله، وكل هذه الآلهة باطلة، كل هذه الآلهة باطلة، كما قال الله عز وجل: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ﴾. وقال: وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله ومفارقة ما سواه، فيكون مفرقًا في علمه وقصده وشهادته وإرادته، في معرفته ومحبته بين الخالق والمخلوق. بحجده يكون عالمًا بالله تعالى ذاكرًا له عارفًا به، وهو مع ذلك عالمًا بمباينته لخلقه وانفراده منهم وتوحده دونهم، ويكون محبًا لله معظما له عابدًا له راجيًا له خائفًا منه، محبًا فيه مواليًا فيه معاديا فيه مستعينًا به متوكلا عليه، ممتنعًا عن عبادة غيره والتوكل عليه والاستعانة به والخوف منه والرجاء فيه والموالاة فيه والمعاداة فيه والطاعة لأمره وامتثال ذلك، مما هو من خصائص إلهية الله تعالى، وإقراره بإلهية الله دون ما سواه متضمن لإفراده بربوبيته؛ لأن الألوهية تتضمن الربوبية، والربوبية تستلزم الألوهية، وهو أن رب كل شيء ومليكه وخالقه مدبره. فحينئذ يكون موحدًا لله. ويبين ذلك أن أفضل الذكر لا إله إلا الله، فإقراره بإلهية الله دون مسواه متضمن لإفراده بربوبيته؛ لأن ما ينفع إنسانًا مثلاً يقول: أن الله عز وجل هو يستحق العبادة، وهو يعتقد أن هناك من ينفع ويضر غير الله، هذا ما ينفعه. لكن لابد أن يشهد الربوبية، وهو يعتقد أن الله عز وجل هو النافع، هو الضار، هو المدبر، وأيضًا يعتقد أنه لا أحد يستحق العبادة إلا الله وحده لا شريك له. فلهذا الإقرار بالإلهية تضمن الإقرار بالربوبية، والإقرار بالربوبية يستلزم الإقرار بالإلهية. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾، ليش تعبدون ربكم؟ لأنه خلقكم. قال: كما روى الترمذي وغيره، مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله». هذا الحديث لا يصح، لكن صح ما جاء أيضًا في الترمذي: «خير ما قلت أنا والنبيون لا إله إلا الله»، وجاء: «أفضل الدعاء دعاء عرفة»، و«أفضل ما قلت أنا والنبيون لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». وفي الموطأ عن طلحة بن عبد الله بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». ومن زعم أن هذا ذكر العام، وأن ذكر الخاصة هو الاسم المفرد، وذكر خاصة الخاصة هو الاسم المضمر، فهم ضالون غالطون. الاسم المضمر هو: يعني يقولون الاسم المفرد هذا اسم ذكر الخاصة: «الله، الله، الله، الله». إذا تطور صار الاسم الخاصة الخاصة الاسم المضمر: «هو، هو، هو»، يعني يفعلون مثل ما قال الإمام ابن القيم: مثل الكلاب. يأتون بهذا الذكر المضمر. قال: فهم ضالون غالطون. واحتجاج بعضهم على ذلك من قولي: ﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾، من أبين غلط هؤلاء. ﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾، هذا جواب على استفهام، ليس أنه أراد الذكر. وسيبين الشيخ في هذه الصفحات أن الاسم المفرد ليس كلامًا أصلًا، ليس كلامًا، فضلًا أن يكون جملة. لهذا لا ينبغي أنه ينادى الإنسان بالاسم المفرد معنى، حتى المنادى ليست منادى، مثلاً: «فلان، فلان، فلان، فلان»، هذا معنى ليست ليس شيء. قولهم: «الله، الله، الله، الله، الله، الله»، هذا شيء من نوع الاستهزاء. إن شاء الله، الله لو أنه كما قال بعض المشايخ، وذكر الشيخ هنا شيء من هذا: أن لو قال هذا الشخص الذي يقول هذا، لو قال له: «يا فلان»، ثم يقول له: «فلان، فلان»، سيضجر منه. وهؤلاء: «الله، الله، الله، الله، الله، الله»، بس بدون ما يذكر لا دعاء ولا شيء. ولم يأتي في السنة ولا في القرآن أن الإنسان يذكر لفظ الجلالة وحده، بل الأذكار معروفة: الحمد لله، سبحان الله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله، وهكذا الأذكار معروفة. قال: وأما الاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا، قال: قال من أبين غلط، فإن الاسم هو مدلول في الأمر بجواب الاستفهام، وهو قوله: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ إلى قوله: ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾، أنا الجواب: ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى. فالاسم المبتدأ وخبره قد دل عليه الاستفهام، كما في نظائر ذلك: يقول: «من جاء؟» فنقول له: «زيد». وأما الاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا فليس بكلام تام، يقول الشيخ: ليس بكلام تام، ولا جملة مفيدة، ولا يتعلق به إيمان ولا كفر ولا أمر ولا نهي، ولم يذكر ذلك أحد من سلف الأمة، وما شرعه الله تعالى، ولا شرع ذلك رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن الشياطين الذين شرعوا لهم هذا. ولا يعطي القلب بنفسه معرفة مفيدة، ولا حالًا نافعًا، وإنما يعطيه تصورًا مطلقًا لا يحكم عليه بنفي ولا إثبات. فإن لم يقرن به معرفة القلب رجاء وحاله أفات، وإلا لم يكن فيه فائدة. والشريعة إنما تشرع من الأذكار ما يفيد بنفسه، لا ما تكون الفائدة حاصلة بغيره. أنا يقول: أن تحصل الفائدة في هذا إذا كان بالمعنى، أنه مثلاً يكون في القلب يريد يا الله يا الله، أو أراد دعاء، لكن لفظه هنا باللفظ، إذا لم يقترن فيه معنى، فهو ليس كلامًا مفيدًا ولا كلامًا تامًا. أن «الله، الله، الله» ليس كلامًا تامًا. قالوا: قد وقع بعض من واظب على هذا الذكر في فنون من الحدوث وأنواع من الاتحاد، كما قد بسط في غير هذا الموضع. وما يذكر عن بعض الشيوخ من أنه قال: «خفت أن أموت بين النفي والإثبات»، حال لا يقتدى فيها بصاحبها. أنا يقول: خاف، نقول: لا إله، وأموت. طيب، أنت هذا جاءك الموت، هل تعمدت؟ قال: حال لا يقتدى فيها بصاحبها. معنى هذا غلط كلامه، فإن في ذلك من الغلط ما لا خفاء فيه، إذ لو مات العبد في هذه الحال لم يمت على ما قصده ونواه، إذ الأعمال بالنيات. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتلقين الميت لا إله إلا الله، وقال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». فلو كان ما ذكره محذورًا لم يلقن الميت كلمة يخاف أن يحدث في أثنائها موت غير محمود، بل كان يلقن مختاره. هكذا وجد في الأصل من ذكر الاسم المفرد، والذكر بالاسم المفرد المضمر أبعد عن السنة، معناه: «هو، هو»، وأدخل في البدعة. شيطان جرهم إلى أنهم لا يذكرون الله، لأن هذا ليس ذكر الله. قال: وأقرب إلى ضلال الشيطان، فإن من قال: «يا هو، يا هو»، أو «هو»، ونحو ذلك، لم يكن الضمير عائدًا إلا إلى ما تصوره قلبه، والقلب قد يهتدي وقد يضل. وقد صنف صاحب الفصوص كتابًا سماه «كتاب الهو». من صاحب الفصوص هذا؟ تعرفونه؟ ها؟ ذكره عندكم: ابن عربي، الكبريت الأحمر، ابن عربي الطائي. هذا الرجل سمى كتاب الفصوص، وهو سماه «فصوص الحكم»، وهو فصوص الكفر. وقد ألف بعض المعاصرين كتابًا كبيرًا، ظهر... غبش... غبش العجمي، وكذا... ها؟ العجمي، ها، غبش العجمي، ألف كتاب في ذكر أقواله وكذا، ذكر أشياء كفرية واضحة من كتاب الفصوص. قال: وزعم بعض من قوله: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ﴾، معناه: وما يعلم تأويل هذا الاسم الذي هو «هو». قيل: وهذا وإن كان مما اتفق المسلمون بل العقلاء على أنه من أبين الباطل. وقد يظن ذلك من يظن من هؤلاء. قلت مرة لبعض من قال بشيء من ذلك: لو كان هذا كما قلته لكتبت: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا هُوَ ﴾. مفصل. ثم كثير ما يذكره بعض الشيوخ أنه يحتج على قول القائل: «الله»، بقوله: ﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ ﴾، ويظن بأن الله أمر نبيه بأن يقول الاسم مفردًا، وهذا غلط باتفاق أهل العلم. فإن قوله: ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ معناه: الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى. وهذا جواب لقوله: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ﴾، أي: الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى. رد بذلك قول من قال: ﴿ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ﴾، فقال: ﴿ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ ﴾، ثم قال: ﴿ قُلِ اللَّهُ أَنزَلَهُ ﴾، ثم ذروا هؤلاء المكذبين في خوضهم يلعبون. قال: من يبين ما تقدم، ما ذكره سيبويه وغيره من أئمة النحو، أن العرب يحكون بالقول ما كان كلامًا، لا يحكون به ما كان قولًا. فالقول لا يحكى به إلا كلام تام، هذا يسمى قولًا أو جملة اسمية أو فعلية، ولهذا يكسرون إذا جاءت بعد «قال». لا يحكى به اسم. والله تعالى لم يأمر أحدًا بذكر اسم مفرد، ولا شرع للمسلمين اسمًا مفردًا مجردًا. والاسم المفرد المجرد لا يفيد الإيمان باتفاق أهل الإسلام، ولا يأمر به في شيء من العبادات، ولا في شيء من المخاطبات. ونظير من اقتصر على الاسم المفرد ما يذكر أن بعض الأعراب مر بمؤذن يقول: «أشهد أن محمدًا رسول الله» بالنصب: «رسول الله، محمدًا رسول الله»، فقال: «ماذا يقول هذا؟ هذا هو الاسم، فأين الخبر عنه الذي به يتم الكلام؟» معنى: إذا كان اسمًا بلا خبر، مبتدأ بلا خبر، ما يتم الكلام. قالوا: ما في القراءة من قول: ﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ﴾، وقول: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَىٰ ﴾، وقول: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴾، وقول: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في ركوعكم»، هذا جاء في الترمذي لكن إسناده في ضعف. ولما نزل قول: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَىٰ ﴾ قال: «اجعلوها في سجودكم». فشرع له من يقول في الركوع: «سبحان ربي العظيم»، وفي السجود: «سبحان ربي الأعلى». وفي الصحيح أنه كان يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم»، وفي سجوده: «سبحان ربي الأعلى». وهذا معنى قول: «اجعلوها في ركوعكم وسجودكم» باتفاق المسلمين. فـ «سبح اسم ربك الأعلى»، «ذكر اسم ربه»، ونحو ذلك، هو بالكلام التام المفيد، كما في الصحيح عنه رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن»، سماهما كلمتين: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». في الصحيحين أنه قال: «من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كتب الله له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي». ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل قال مثل ما قال، أو زاد عليه. هذا في الصحيحين كما ذكرت. ومن قال في يوم مائة مرة: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، حطت عنه خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر. الحديث: «سبحان الله وبحمده». وفي الموطأ وغيره أنه قال: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». وفي سنن ابن ماجه وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله»، وهو داخل في الحديث الذي تقدم. ومثل هذه الأحاديث كثيرة في أنواع ما يقال في الذكر والدعاء، وكذلك في القرآن. كقول تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾، إنما هو قوله: «بسم الله»، وهذه جملة تامة، إما اسمية على أظهر قول النحاة، أو فعلية، بمعنى: «باسم الله»، والتقدير: «ذبحي بسم الله» أو «أذبح بسم الله». وكذلك قول القارئ: «بسم الله الرحمن الرحيم»، فالتقدير: «قراءتي بسم الله» أو «أقرأ بسم الله». ومن الناس من يضمر في مثل هذا: «ابتدائي بسم الله» أو «ابتدأته بسم الله»، بمعنى: على أساس أنه مضمر. والأول أحسن؛ لأن الفعل كله مفعول بسم الله، ليس مجرد ابتدائه. كما أظهر المضمر في قولي: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾، بمعنى: أظهر «اقرأ». وفي قولي: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾. وفي قولي النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان ذبح قبل الصلاة فليذبح مكان أخرى، ومن لم يكن ذبح فليذبح بسم الله». ومن هذا الباب قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لربيبه عمر: «كل بسم الله، وسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». فالمراد أن يقول: «بسم الله»، ليس المراد ذكر الاسم مجردًا. وكذلك قول الحديث الصحيح: عدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل». معناه: يريد «بسم الله»، و«اسم الله»: «الحمد لله، لا إله إلا الله، بسم الله». المراد به هنا: «بسم الله»، أي: «تبركت بسم الله»، أو «أذبح بسم الله»، أو «آكل بسم الله». قال: وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل الرجل منزله فذكر اسم الله عند دخوله، وعند خروجه، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت ولا عشاء». وأمثال هذا. وكذلك ما شرع للمسلمين في صلاته وأذانه ومحجره وعيادته من ذكر الله. هذا يبين الشيخ أن هذا ذكر الله، ما عرف ذكر الله الاسم المجرد أبدًا. ولهذا سمى الله عز وجل كلمة: «كلمتان خفيفتان»، وقال: «أفضل كلمة قالها شاعر: كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وكل نعيم لا محالة زائل». معناه في الحديث: «إلى باطل». ومنه قوله: ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾، وقوله: ﴿ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾، وأمثال ذلك مما استعمل فيه لفظ «الكلمة» من الكتاب وسنة، بل ومن سائر كلام العرب، فإنما يراد بها الجملة التامة، كما كانوا يستعملون «الحرف» في الاسم، فيقولون: «هذا حرف غريب»، هذه لفظ الاسم غريب. وقسم سيبويه الكلام إلى: اسم، وفعل، وحرف، جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل. وكل من هذه الأقسام يسمى حرفًا، لكن خاصة الثالث: أنه حرف جاء لمعنى، أن يسمى «الكلمة» حرفًا، الفعل يسمى حرفًا، لكن يسمى هذا الثالث: «حرف جاء لمعنى»، وهو حروف الجر وغيرها. فليس باسم ولا فعل. وسُمي «حرف الهجاء» باسم «الحرف»: حروف الهجاء هذه الثمانية وعشرون، وهي أسماء. ولفظ «الحرف» يتناول هذه الأسماء وغيرها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». وهذا جاء من حديث عبد الله بن مسعود موقوفًا ومرفوعًا. والآن يريد الشيخ أن يبين أنه فرق بين تقول: «ألف، لام، ميم»، وتقول: «الم». «ألف، لام، ميم»: ثلاث كلمات، «ألف» كلمة، و«لام» كلمة، و«ميم» كلمة. وأما «الم» فهي كلمة واحدة. لهذا، وكل حرف جاء له معنى، فهذا يعتبر كلمة. قالوا: قد سأل سيبويه أصحابه: «أن نطبع حرف الزاء من زيد؟» فقالوا: «زاء». فقال: «جئتم بالاسم، وإنما الحرف: زاء». ثم النحاة اصطلحوا على أن هذا المسمى في اللغة بالحرف يسمى كله، وأن لفظ الحرف يخص لما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل، لحروف الجر ونحوها. معنى هذا: اصطلح. وأما ألفاظ حروف الهجاء، فيعبر تارة بالحرف عن نفس الحرف من اللفظ، وتارة باسم ذلك الحرف. ولما غلب هذا الاصطلاح، صار يتوهم من اعتاده أنه هكذا في لغة العرب. منهم من يجعل لفظ «الكلمة» في اللغة لفظًا مشتركًا بين الاسم مثلاً وبين الجملة، ولا يعرف في صريح اللغة من لفظ «الكلمة» إلا الجملة التامة. معنى: كما قلنا، فرق بين «ألف، لام، ميم» و«الم». والمقصود هنا: أن المشروع في ذكر الله هو ذكره بجملة تامة، وهو المسمى بالكلام. الكلام لابد أن يكون لفظًا مفيدًا، هذا يسمى كلامًا، والواحد منه بالكلمة، وهو الذي ينفع القلوب، ويحصل به الثواب والأجر والقرب إلى الله، ومعرفته ومحبته وخشيته، وغير ذلك من المطالب. ثم بعدما انتهى، أبين أن هذا ليس بذكر. ذكر رحمه الله أن جماعة الدين أصلان: أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، لا يعبد بالبدع. كما قال: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾. وهذا هو تحقيق الشهادتين: تحقيق الشهادتين الإخلاص في العبادة والمتابعة في الشرع. ثم ذكر الأدلة على ذلك. ثم قال في آخر شيء: وأمثال ذلك. فالرسل أمرت بعبادته وحده، والرغبة إليه، والتوكل عليه، والطاعة لهم. فأضل الشيطان النصارى وأشباحهم، فأشركوا بالله وعصوا الرسول، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، والمسيح ابن مريم. فجعلوا يرغبون إليهم، ويتوكلون عليهم، ويسألونهم، عن معصيتهم لأمرهم ومخالفتهم لسنتهم. وهدى الله المؤمنين المخلصين لله، أهل الصراط المستقيم، الذين عرفوا الحق واتبعوه، فلم يكونوا من المغضوب عليهم ولا من الضالين. فأخلصوا دينهم لله، وأسلموا وجههم لله، وأنابوا إلى ربهم، وأحبوه ورجوه وخافوه، وسألوه ورغبوا إليه، وفوضوا أمرهم إليه، وتوكلوا عليه، وأطاعوا رسله، وعزروهم ووقروهم، وأحبوهم ووالوهم، واتبعوهم واقتفوا آثارهم، واهتدوا بمنازلهم. فهذا حق العبادة، فهذا كمال العبودية لله، وذلك هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل، وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد دينًا إلا إياه، وهو حقيقة العبادة لرب العالمين. فنسأل الله العظيم أن يثبتنا عليه، ويكمله لنا، ويميتنا عليه، وسائر إخواننا المسلمين. والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد خاتم النبيين، وآله وصحبه وسلم. فهذا انتهاء لهذه الرسالة العظيمة. فبدأ بتحقيق العبادة، وانتهى بأن العبادة أصلها أو قائمة على أصلين: الطاعة لله والإخلاص، أو الطاعة والطاعة. فهذا ما ذكره المؤلف رحمه الله في هذا الكتاب، وبه إن شاء الله وتعالى نختم. الحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر