التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 117

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 117

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 117، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

خروج قارون في زينته وانقسام الناس

يخرج قارون في زينته الفاخرة فينقسم الناس إلى فريقين: فريق يتمنى مثل ما أوتي قارون ويجعل الدنيا غاية، وفريق أهل العلم يذكرون بأن ثواب الله خير للمؤمنين الصابرين. ويبين المتحدث أن تمني حال قارون يدل على دناءة الهمة وجهل بالعاقبة، بينما موقف أهل العلم يعكس فضل العلم والبصيرة بالدار الآخرة.

إنكار أهل العلم على مفتوني الدنيا وبيان ثواب الصابرين

ينكر أهل العلم على الذين تمنوا زينة قارون، مؤكدين أن ثواب الله العاجل والآجل خير مما يجمعون، وأن نيل هذا الثواب لا يكون إلا بالصبر على الطاعة وعن المعصية وعلى أقدار الله المؤلمة. ويحذرون من الاغترار بالدنيا الفانية كما اغتر قارون فأخذه العذاب بغتة.

خسف قارون وعبرة المتكبرين

يخسف الله بقارون وبداره جزاءً على تكبره واغتراره بماله، فيتحول من علو في الأرض إلى أسفل سافلين. ويعتبر الذين كانوا يتمنون مكانه بأن بسط الرزق ليس دليل رضا، وأن الفلاح الحقيقي في الإيمان لا في زخرف الدنيا.

ختام الجلسة والتفويض إلى الله

يختتم المتحدث الجلسة بالاكتفاء بما ذُكر، مفوضاً العلم لله تعالى، ويختم كلامه بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الله عز وجل في قصة قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. قوله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾، أي: ذات يوم خرج قارون في زينته، أي: بحالة أرفع ما يكون من أحوال الدنيا، يعني: متزيناً، لابساً ما استطاع لبسه من الجواهر والذهب والحُلي، وأفخر وأفخم اللباس. قد كان له من الأموال ما كان، وقد استعد وتجمل بأعظم ما يمكنه، وتلك الزينة في العادة من مثله تكون هائلة؛ لأنه أعطي كنوزاً وأموالاً هائلة عظيمة. قال: "جمعت زينة الدنيا، جمعت زينة الدنيا وزهرتها وبهجتها وغضارتها وفخرها". فرمقته في تلك الحالة العيون، تعجب الناس من حسن مظهره وملبسه وزينته. فلما رأوا، رمقته في تلك الحالة العيون، وملأت برنة، وملأت بزته القلوب. بزته: أي هيئته. اهتزت لها القلوب من جمال وحسن ما رأت، واختلبت زينته النفوس. فانقسم فيه الناظرون قسمين، كل تكلم بحسب ما عنده من الهمة والرغبة، وكل وعاء بالذي فيه ينضح. فالهمم تختلف: فمنهم من همته في الثرى، ومنهم من همته في الثرية. منهم من همته الدنيا وزينتها وزخرفها، ومنهم من همته الآخرة وما عند الله سبحانه وتعالى. فالناس بجميع أصنافهم وأشكالهم، لما رأوا هذه الحالة التي عليها قارون، انقسموا إلى قسمين. القسم الأول: قال الذين يريدون الحياة الدنيا. هؤلاء أهل الهمم الدنيئة الهابطة، أهل الدنيا. قالوا: ماذا؟ الذين تعلقت إرادتهم فيها، وصارت منتهى رغبتهم، ليس لهم إرادة في سواها، ما همهم للدنيا فكانت أكبر همهم ومبلغ علمهم. ماذا قالوا؟ ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾، أي: من الدنيا ومتاعها وزهرتها. تمنوا أن يكونوا مثل قارون. عندهم الدنيا، وعندهم الأموال والكنوز، لكن على ما عليه قارون من التكبر، ومن البغي، ومن كذلك العصيان. فهل هذه همة عالية أو هابطة دنيئة؟ لا شك أنها همة دنيئة. فقالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي: "وصدقوا، إنه لذو حظ عظيم، لو كان الأمر منتهياً إلى رغباتهم، وأنه ليس وراء الدنيا دار أخرى، فإنه قد أعطي منها ما به غاية التنعم بنعيم الدنيا، واقتدر بذلك على جميع مطالبه، فصار هذا الحظ العظيم بحسب همتهم. وإن همة... وإن همة جعلت هذا غاية مرادها ومنتهى مطلبها لمن أدنى الهمم وأسفلها وأدناها، وليس لها أدنى صعود إلى المرادات العالية والمطالب الغالية". كلام ما أحسنه وما أجمله. نعم، يكون قارون ذو حظ عظيم بهذه الحال، متى؟ إذا كان سيتمتع بهذا المال ثم يموت، ولا يكون وراءه حساب ولا جزاء. لكن هذه الأموال التي جمعها، وهذه الكنوز التي حازها، أليس وراءها عذاب وحساب وسؤال؟ فهل يكون بهذا ذو حظ عظيم؟ كم سيتمتع في هذه الدنيا بهذه الأموال؟ سنوات، ثم بعد ذلك يأتيه الموت والأجل، ثم يقدم على ربه، فتكون هناك الدار الآخرة التي هي دار البقاء ودار كذلك الاستمرار، فسيكون -والعياذ بالله- من أهل النار. فهل يتمنى هذه حال عاقل؟ فهؤلاء قد دنت هممهم، دنت هممهم، فلذلك قالوا هذا القول بسبب جهلهم، وبسبب كذلك عدم إيمانهم بما يكون بعد هذا النعيم الدنيوي. وأما القسم الثاني: هم العقلاء، هم الفطناء، هم أهل العلم. وهنا يتبين لك -أخي المسلم- فضل العلم والعلماء. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، هذا القسم الثاني، أي: الذين عرفوا حقائق الأشياء، ونظروا إلى باطن الدنيا، حين نظر أولئك إلى ظاهرها. القسم الأول نظروا نظرة سطحية، نظرة ظاهرة، وما فكروا ما وراء هذه الدنيا. أما أهل العلم فنظروا نظرة ثاقبة، نظرة من يعرف حقائق الأمور. فماذا قال أهل العلم؟ أنكروا على الصنف الأول، قالوا لهم: ﴿وَيْلَكُمْ﴾، كلمة زجر وردع وتوجع. ﴿وَيْلَكُمْ﴾: أي متوجعين، إما تمنوا لأنفسهم، راثين لحالهم، منكرين لمقالهم: كيف تتمنون مثل حال قارون وهو على هذا الكبر والبغي والعصيان؟ فقالوا لهم: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾، والمراد بثواب الله: العاجل والآجل. يعني: كيف تتركون ثواب الله، وكيف تغفلون عن ثواب الله عز وجل العاجل والآجل؟ فما هو ثواب الله العاجل، وما هو ثواب الله الآجل؟ قال المؤلف هاهنا: ثواب الله العاجل: من لذة العبادة ومحبته والإنابة إليه والإقبال عليه، فهذا من أعظم الثواب، وهي السعادة الحقيقية، كما قال الله عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. وهذا هو ثواب الله العاجل للمؤمن في هذه الدنيا، يجد من راحة البال، ومن طمأنينة القلب، ومن انشراح الصدر بالإيمان والعمل الصالح والإقبال على الله وذكر الله سبحانه وتعالى. وأما الآجل: فمن الجنة وما فيها مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. ولذلك في ختام الآية المتقدمة قال الله عز وجل: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أي: في الآخرة يجزيهم الله عز وجل بأحسن ما كانوا يعملون، من دخول الجنة والتنعم فيها والتنعم فيها والتلذذ بملذاتها. فهذا هو إنكار أهل العلم على أولئك الجاهلين. قالوا لهم: ثواب الله العاجل والآجل خير، أي: من هذا الذي تمنيتم ورغبتم فيه. فهذه حقيقة الأمر. ولكن ما كل من يعلم ذلك يؤثر الأعلى على الأدنى، فما يلقى ذلك ويوفق له إلا الصابر. ربما الآن لو جئت عند كثير من المسلمين وتقول له: أيهما أفضل، الدنيا والآخرة؟ يقول لك: الآخرة. يعلم ذلك، لكن إذا نظرت إلى العمل، لوجدت لسان حاله يقول: إن الدنيا أفضل من الآخرة، لما ترى من تعلقه بها وانشغاله بها. فثواب الآخرة وثواب الدنيا ما يتحصل عليه إلا الصابرون، الذين حبسوا أنفسهم على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة. وهذه أنواع الصبر الثلاثة. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾، جزاهم بما صبروا. فبالصبر ينال المسلم بغيته من الإقبال على الله، ومن إيثار الآخرة على الدنيا. فما يلقى هذه الجنة وهذا الثواب إلا الصابرون، الذين جاهدوا أنفسهم وحبسوا أنفسهم على طاعة الله، قدموا طاعة الله على شهواتهم وملذاتهم ورغباتهم الدنيوية. وهكذا حبسوا أنفسهم عن معصيته، فأخذوا بزمام هذه النفس، فمنعوها عن ارتكاب المحرمات واقتراف السيئات. وهكذا حبسوها على أقدار الله المؤلمة، فإذا ابتلوا بمصيبة أو بما يكرهون من أقدار الله عز وجل المؤلمة، صبروا واحتسبوا، فانقلبت تلك المصيبة إلى نعمة، وتلك المحنة إلى منحة، بصبرهم، بصبرهم وبثباتهم. هذا معنى قوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. قال: "وصبروا على جواذب الدنيا وشهواتها أن تشغلهم عن ربهم، وأن تحول بينهم وبين ما خلقوا له". فهؤلاء الذين يؤثرون ثواب الله على الدنيا الفانية، فكن من هؤلاء -عبد الله-، واحذر أن تغتر بأهل الدنيا. والله، أنت يا طالب العلم أفضل من ذاك الرئيس، ومن ذاك الأمير، ومن ذاك التاجر الذي ملك ما ملك من هذه الدنيا، وهو يعيش في ضيق وهم وغم، يخاف على ماله، وكذلك يكذب ويحتال من أجل أن يبقى له ملكه. وأنت في طاعة الله، طلاب العلم ملوك على الحقيقة، يتنعمون بالعلم والمعرفة، يتنقلون من روضة إلى أخرى، من روضة القرآن إلى روضة السنة، وهكذا من علم إلى آخر. فهذه هي اللذة والراحة الحقيقية. قال: فلما انتهت بقارون حالة البغي والفخر والزينة الدنيا عنده، يرى نفسه لا أحد أعلى منه، ولا كذلك أحسن منه. انتهت بقارون حالة البغي والفخر والزينة الدنيا عنده، وكثر بها عجابه، أعجب بما هو فيه، بغته العذاب، أي: فاجأه العذاب. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. والله عز وجل يمهل ولا يهمل، سبحانه وتعالى. فأمهل الله عز وجل هذا المتكبر المتبختر، ثم بغته بالعذاب. فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾. الخسف: هو غوص من على الأرض إلى باطنها، تنشق الأرض فيسقط في باطن الأرض ويهلك، يموت، يندثر تماماً. فالله عز وجل ما خسف به وحده، بل خسف به وبداره. وماذا في داره؟ الكنوز والأموال. كل ما به تعلق بقارون صار لا شيء على وجه هذه الأرض، لا أمواله، ولا زينته، ولا كذلك ذاته. كل ما يتعلق به صار نسياً منسياً، كأن لم يوجد على وجه هذه الأرض. قال: جزاء من جنس عمله. فكما رفع نفسه على عباد الله، أنزله الله أسفل سافلين. كان في الأرض يرى نفسه في السماء، وهذه هي حال المتكبر. ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾. المتكبر يرى نفسه أعلى ما يكون، لا أحد أعلى منه، فالله عز وجل جزاه من جنس عمله. كما أنه تكبر وترفع في هذه الدنيا، أذله وأنزله إلى أسفل الأرض. والجزاء من جنس العمل. فكما رفع نفسه على عباد الله، أنزله الله أسفل سافلين، هو وما اغتر به من داره وأثاثه ومتاعه. ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾. أي: جاءه العذاب، فما نصر ولا انتصر، لا أحد نصره، ولا انتصر في نفسه. ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾، أي: الذين يريدون الحياة الدنيا، الذين قالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾، وهم الصنف الأول، أهل الجهل وأهل الهمم الدنيئة، ﴿يَقُولُونَ﴾ متوجعين ومعتبرين. لم يخصف الله بهم حتى يأخذوا العبرة والعظة، رأوا ما وقع بقارون بأم أعينهم، فقالوا حينئذ، لما رأوا هذا المنظر الفظيع، ماذا قالوا؟ ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾. يقولون ذلك وهم متوجعون ومعتبرون وخائفون من وقوع العذاب بهم، وأن يكون حالهم كحال قارون، كحال قارون. فقالوا: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾، أن يضيق الرزق على من يشاء، مثل حالهم. فعلموا حينئذ أن بسطه لقارون ليس دليلاً على خير فيه، مع أنهم قالوا في أول الأمر: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. فعلموا هنا أن الحظ العظيم ليس بمجرد جمع المال، وكذلك كثرة الرزق، وإنما بطاعة الله سبحانه وتعالى. فعلموا أن بسطه لقارون ليس دليلاً على خير فيه، وأننا غالطون في قولنا الأول، إنهم أخطأوا في قولهم الأول: ماذا؟ ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. ثم قالوا: ﴿وَلَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾، أي: فلم يعاقبنا على ما قلنا. الله عز وجل لم يعاقبهم، فهم قالوا: ﴿وَلَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، علموا أن الله من عليهم حيث لم يعاقبهم، فلولا فضله ومنته لخسف بنا. فصار هلاك قارون عقوبة له، وعبرة وموعظة لغيره. اعتبروا بذلك، اعتبروا بذلك، والسعيد من اعتبر بغيره. قال: حتى إن الذين غبطوه، سمعت كيف ندموا وتغير فكرهم الأول. ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، أي: لا في الدنيا ولا في الآخرة. فلا يفلح الكافر، لا يفلح الكافر، وإن أعطي ما أعطي من زخرف في هذه الدنيا. وإلى اليوم تجد كثيراً، للأسف، من المسلمين يغتر بما عليه الكفار من زينة هذه الحياة الدنيا، وما هم عليه من الحضارات المزيفة والاختراعات العصرية، فلربما يفضل السكنى بين ظهراني الكافرين، اغتراراً بما هم عليه من هذه الدنيا الفانية. فالمسلم يعلم أن عزه وأن سعادته في تمسكه بهذا الدين، وإن كان فقيراً، وإن كان لا يملك من هذه الدنيا شيئاً، فالله عز وجل يملأ قلبه إيماناً وطمأنينة وراحة وسكينة. وهذا هو النعيم الحقيقي، هذا هو النعيم الحقيقي في الدنيا، وما له من أثر في الآخرة. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه القصة، ولا بأس أن نقرأ في الدرس القادم -إن شاء الله- فوائد هذه القصة. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.