الخطبة بعنوان وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، والتي كانت بمسجد عثمان بن عفان بروكب 29 ربيع الأول 1448هـ الموافق 11 سبتمبر 2026م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
توضح الخطبة أن نصر الله مشروط بتحقيق التوحيد والإيمان الصادق والأعمال الصالحة وصدق التوكل والدعاء، مستشهدة بآيات قرآنية وقصة غزوة بدر وقصة طالوت وجالوت حيث نصر الله المؤمنين بصبرهم ودعائهم. وتؤكد أن استجابة الله لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في بدر وإمداده بالملائكة نموذج عملي لهذا الوعد الإلهي.
يبيّن المقطع أن النصر بيد الله وحده ويأتي بأسباب منها اللجوء إليه والدعاء والتمسك بالجماعة ونبذ الفرقة ونصرة دين الله ظاهراً وباطناً وإعداد القوة المادية مع الإيمانية. ويحذر من الاستعانة بالمنافقين الذين لا يزيدون المؤمنين إلا ضعفاً وتخديلاً.
يبيّن المقطع الفرق بين المنافقين الذين يفرون ويخذلون والمؤمنين الصادقين الذين يثبتون على العهد مستشهداً بآيات سورة الأحزاب وأحداث أحد. ويؤكد أن ما يصيب المؤمنين من جراح هو ابتلاء ليميز الصادق من الكاذب وأن النصر حتمي في الوقت الذي يقدره الله داعياً بالنصر للمجاهدين.
يدعو المتحدث الله بأن يعجل بتطهير اليمن من رجز الرافضة الحوثيين وزوالهم ثم يختم بآيات من سورة الصافات وصلاة على النبي محمد ويأمر الحاضرين بالقيام إلى الصلاة. ويشكل هذا الدعاء ختاماً عملياً للخطبة ربطاً للنظرية بالواقع المعاش.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. وقال الله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. وقال عز وجل: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. فأخبر الله جل وعلا أنه ينصر عباده المؤمنين، ويجعل لهم الغلبة والتمكين، وذلك قد يكون في حين دون حين لحكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى، ولكن العاقبة للمتقين، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. إذا أخذ أهل الإيمان بأسباب النصر نصرهم الله ومكنهم في الأرض، وجعل لهم القوة والغلبة، وإذا أخلوا ببعض تلكم الأسباب وارتكبوا ما يضاد ذلك من أسباب الهزيمة والضعف، حصل لهم من تأخير النصر بقدر ما وقعوا فيه من تأخير أسبابه. لذلك عباد الله، ينبغي لأهل الإسلام أن يستعينوا بالله، وأن يحرصوا على الأخذ بالأسباب التي بها ينال نصر الله سبحانه وتعالى. ومن أعظم تلكم الأسباب: تحقيق التوحيد، ونبذ أسباب الشرك بجميع صوره وكذلك أنواعه، وتحقيق الإيمان لله، والإقبال الربي إليه جل وعلا بالأعمال الصالحات. قال الله جل وعلا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. بهذا الشرط العظيم وهو عبادة الله وتوحيده سبحانه وتعالى، وعدم الشرك بالله عز وجل، فإن بذلك يتحقق نصر الله لأهل الإيمان على أعدائهم، ويكون لهم التمكين في الأرض. ومن تلكم الأسباب عباد الله: صدق التوكل على الله، والاعتماد عليه، واللجوء إليه سبحانه بالتضرع والدعاء والاستنصار، وكذلك بالاستغاثة به، فإن ذلك سبب عظيم من أسباب نزول نصر الله سبحانه وتعالى. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي كافيه سبحانه وتعالى. وقال عز وجل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. وهذا نبينا عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر، حين اجتمع جيش المسلمين مع جيش المشركين، وكان جيش المشركين مضاعفًا عددًا على جيش المسلمين، ما كان من النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن توجه إلى الله، ورفع يديه، وجعل يدعو ربه ويستنصره ويستغيث به، ويقول: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة» أي الجماعة «لا تعبد في الأرض». فما زال يناشد ربه ويدعوه ويستغيث به حتى سقط رداؤه من على كتفيه، فجاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه من خلفه، فرفع رداءه إلى كتفيه وضمه، وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، إن الله منجز لك ما وعدك. فأنزل الله عز وجل قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. بعث الله عز وجل الملائكة ردًا تأتباعًا، بعضهم بعضًا، حتى قاتلوا مع النبي عليه الصلاة والسلام ومع أصحابه، فحصل لهم النصر على المشركين. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. اتقوا الله بلزوم أمره واجتناب نواهيه، واشكروه على نعمه، فإن ذلك سبب عظيم من أسباب النصر والتمكين. وقال الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. انظروا يا عباد الله كيف يأتي نصر الله عند اللجوء إليه، وعند دعائه والاستغاثة به، لأن النصر بيد الله سبحانه وتعالى، فهو القوي، وهو الجبار، وهو القهار، وهو الذي بيده الأمر سبحانه وتعالى أولًا وآخرًا. ومن أسباب النصر كذلك: الحرص على الاجتماع، ونبذ أسباب الفرقة والاختلاف، فإن الاجتماع رحمة والفرقة عذاب، والاجتماع قوة والفرقة ضعف وخور. قال الله جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. نعم، لا تنازعوا، لا تختلفوا، فإنكم إذا اختلفتم حصل لكم الضعف، وحصل لكم الهزيمة، فتذهب ريحكم أي قوتكم، وحينئذ يتسلط عليكم الأعداء ما لا يقدرون مع اجتماعكم. إن الرماح إذا اجتمعن تكسرا، وإذا افترقن تكسرت أفرادا. فلذلك ينبغي على أهل الإسلام أن يكونوا يدًا واحدة، وأن يكونوا جماعة واحدة معتصمين بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نابذين لأسباب الفرقة والاختلاف من عصبيات جاهلية، ومن حزبيات مقيتة، بل يكونوا تحت راية واحدة وشعار واحد هو كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ومن أسباب النصر عباد الله: أن ننصر الله جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. فالله جل وعلا أخبر أنه من نصره ينصره الله، من حقق هذا الشرط وهو نصرة الله، فسيأتيه النصر من الله. ونصرة الله عز وجل بنصرة دينه، بإقامة هذا الدين توحيدًا وعقيدة وعبادة، وكذلك سلوكًا وأخلاقًا، وغير ذلك من أمور هذا الدين، أن نأخذ بهذا الدين من جميع جوانبه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، أي خذوا الدين من جميع جوانبه. فإن إذا أقمنا دين الله جاء نصر الله سبحانه وتعالى. ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. العاقبة لله، فالله جل وعلا قد يعجل النصر لحكمة يعلمها سبحانه، وقد يؤخره لحكمة يعلمها جل وعلا، ولكن أهل الإيمان مأمورون بالأخذ بأسبابه، وكذلك تحقيق ذلك بإقامة دين الله وتحقيق شريعة الله، والتحاكم إلى الله، إلى كتابه، وإلى سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فإن ذلك سبب عظيم لتحقيق النصر من الله جل وعلا. ومن أسباب النصر: بعد أن يحقق أهل الإيمان الأسباب المعنوية، وتحقيق ذلك في قلوبهم وفي أعمالهم وجوارحهم، كذلك أيضًا تحقيق القوة الحسية. وقال الله جل وعلا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. فإذا حصلت القوة الحسية مع القوة الإيمانية، حصل نصر الله، وظفر المؤمنون بتمكين الله سبحانه وتعالى، إلا أن يحصل لهم خذلان أو تأخير بحكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن من أسباب النصر كذلك: ألا يركن أهل الإيمان إلى أهل النفاق والشقاق، فلا يستعينوا بهم ولا يعتمدوا عليهم، فإنهم لا يزيدون أهل الإيمان إلا ضعفًا وخورًا، وتشتيتًا لصفوفهم، وإيقاعًا للضعف وانشقاق الصف. فلذلك ينبغي الحذر منهم. ولذلك قال ربنا عز وجل عن أمثال هؤلاء من المنافقين: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾، ما زادوكم إلا خبالًا، أي تفرقًا وتشتيتًا وتخذيلًا. هذا شأن أهل النفاق في كل زمان ومكان. وقال الله عز وجل: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾. هذا شأن المنافقين، وما حصل منهم يوم الأحزاب، كيف كانوا في خور وفي جبن وضعف وهلع، حتى إنهم لتمنوا أن لو كانوا في الأعراب، أي في البادية، بعيدين عن مواضع القتال وعن مواضع الجهاد، يسألون عن أنبائكم وعن أخباركم، ولو كانوا معكم ما قاتلوا إلا قليلاً. فليسوا بأهل للمبارزة وللقتال، ولتلك مشاهدة المعارك والخوض فيها، وإنما ذلك لأهل الإيمان الصادقين المؤمنين الذين يريدون ما عند الله سبحانه وتعالى من أجر وثواب، إما النصر وإما الشهادة. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. وقال الله عز وجل فيهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا * وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾. يريدون الهروب لأنهم ليسوا بأهل شجاعة وأهل إقدام وأهل إيمان وأهل ثبات، وإنما هم أهل الدنيا. لو تيسرت المغانم لجاءوا يضاربون عليها، وكذلك كلموا أو تكلموا مع أهل الإيمان بألسنة حداد وبألسنة شديدة، يتظاهرون بالشجاعة وبالقوة، وأنهم الذين انتصروا والذين فعلوا وقدموا، وليس لهم من الأمر شيء، فهم أهل الخوار والضعف، وأهل الجبن، وكذلك القهقه. هذا شأن أهل النفاق. عباد الله، ولذلك انظروا ما الذي فعله عبد الله بن أبي بن سلول في غزوة أحد، حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم بألف من المسلمين، فما كان من هذا المنافق المخذول إلا أن رجع بثلث الجيش، رجع بثلاثمئة، من أجل أن يخذل المؤمنين، وأن يوقع في صفوفهم الضعف والهوان، وقال: «لو علمنا قتالا لاتبعناكم». قال الله عز وجل: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾. قال الله جل وعلا في شأنهم: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾، أي ردهم إلى الكفر، وردهم كذلك إلى الضلال، لأنهم أهل لذلك، ليسوا أهلا للإيمان ولا أهل كذلك للهداية، بل هو ذنبهم وهذا مصيرهم، أن يكونوا من الكافرين وأن يكونوا من الضالين. لذلك عباد الله، لا ييأس أهل الإيمان إذا قاتلوا الأعداء، وما قد يحصل لهم في بعض الأحيان من أمر الخذلان، أو وقوع بعض الخيانات، كما حصل لإخواننا في الساحل الغربي، فإن ذلك ابتلاء وامتحان من الله، لا ينبغي أن يصيبهم في ذلك الضعف أو الخور أو كذلك الهزيمة، بل ينبغي أن يعلموا أن ذلك ابتلاء من الله، يبتل الله عز وجل به عباده المؤمنين، ليعلم الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، وكذلك ليتخذ الله عز وجل من عباده شهداء فيكرمهم بذلك. وانظروا ما قال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام وأصحابه مما حصل لهم في غزوة أحد، فلنا بذلك أسوة عظيمة: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. انظر يا عباد الله، لما حصل أن قتل من الصحابة سبعون في غزوة أحد، ووقع ذلك في نفوسهم، فقال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾، لا يصيبكم الهوان، ولا يصيبكم الحزن، ولا يصيبكم الضعف، ولا يصيبكم كذلك الخذلان، بل أنتم الأعلون، لكم العلو، ولكم الرفعة، ولكم النصر والتمكين، وإن تأخر إلى وقت وحين يعلمه الله سبحانه وتعالى. ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾، ما أصابكم من جراح، وما أصابكم من قتل في غزوة أحد، فقد أصاب المشركين منهم مثله في غزوة بدر، حين قتل منهم سبعون وأسر سبعون. ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، فتارة يكون نصرًا وتارة تكون هزيمة، وذلك لحكمة يعلمها الله، ليتحقق ما جرى وما كان من علم الله عز وجل الأزلي، وأن يتخذ الله من عباده شهداء يكرمهم بالشهادة. فهذه سنة الله سبحانه وتعالى في عباده وأوليائه. ولكن ينبغي أن يعلموا وأن يوقنوا بأن النصر لهم، وأن الظفر لهم، فذلك وعد الله، والله عز وجل لا يخلف الميعاد، لا يخلف جل وعلا وعده بنصر عباده، لكنه في الوقت وفي الزمن الذي يريده الله سبحانه وتعالى. نسأل الله جل وعلا بأسمائه وصفاته أن ينصر عباده المؤمنين، وأن يخذل الكفرة والمشركين. اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اللهم اهزم الروافض الحوثية وأعوانهم يا رب العالمين، اللهم اقذف الرعب في قلوبهم، اللهم وفرق كلمتهم، اللهم واشتت جموعهم، اللهم واجعلهم وعتادهم غنيمة للإسلام والمسلمين، اللهم وانصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم وانصرهم في جميع الجبهات يا رب العالمين، اللهم ثبت أقدامهم، وسدد رميهم، واربط على قلوبهم، اللهم وانزل عليهم نصرك يا قوي يا متين، اللهم أيدهم بنصرك، وأيدهم بتأييدك، اللهم واجعل لهم نصرًا مؤزرًا يفرح به كل مؤمن وكل موحد وسني، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وعجل بتطهير بلادنا اليمنية من رجز الرافضة الحوثية، اللهم وعجل بزوالهم يا قوي يا متين. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وقوموا إلى صلاتكم.