أدب الطلب 6

أدب الطلب 6

الدرس في أدب الطلب 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

وجوب العمل بالعلم وخطر تركه على طالب العلم

يؤكد المقطع أن من آداب طالب العلم الأساسية العمل بما يعلم، وأن ترك العمل بالعلم يجلب مؤاخذة شديدة ومضاعفة للوزر، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تبين أن عقوبة العالم الذي لا يعمل بعلمه أشد من عقوبة الجاهل. كما يوضح أن عدم العمل بالعلم من صفات الذم التي وصف الله بها اليهود.

وعيد من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله

يسوق النص أحاديث نبوية تبين عقوبة شديدة في النار لمن يأمر الناس بالمعروف ولا يأتيه، وينهاهم عن المنكر ويأتيه، حيث تندلق أقتابه أو تُقرض شفاهه بمقاريض من نار. ويؤكد على خطورة العلم بلا عمل، مستشهداً بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من علم لا ينفع.

محاسبة النفس على العمل بالعلم في ميادين الحياة

يستهل المتحدث بحديث يحذر من تعليم الخير مع نسيان النفس، ثم يدعو إلى محاسبة النفس بموازنة الأعمال بالعلم في شتى الميادين: الصلاة، البر بالوالدين، صلة الأرحام والجيران، معاشرة الزوجة، تربية الأولاد، حفظ اللسان، معرفة قدر النفس، استغلال الوقت، الموقف من الفتن، والعبادات. ويؤكد أن النجاة في تطبيق العلم لا في مجرد حفظه.

محاسبة السلف لأنفسهم والعمل بالعلم

يذكر المقطع كيف كان السلف يحاسبون أنفسهم، مستشهداً بأبي الدرداء الذي كان يؤنب نفسه على التقصير في العمل بالعلم. ويختتم بالدعاء بالتوفيق والسداد لجميع المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فمن الآداب التي ينبغي لطالب العلم أن يتحلّى بها وأن يتصف بها: العمل بالعلم، العمل بالعلم. فإن ترك طالب العلم للعمل تكون المؤاخذة عليه شديدة، وتضاعف الوزر أيضًا شديد. وهذه القاعدة لها أدلة كثيرة من القرآن ومن السنة؛ لأن الذي يعلم ولا يعمل فقد قامت عليه الحجة، قامت عليه الحجة. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث أبي مالك أو أبي عامر الأشعري في الصحيح: «والقرآن حجة لك أو عليك، حجة لك إذا عملت به، وحجة عليك إذا لم تعمل به». فعقوبة من يعلم ولم يعمل أشد من عقوبة من لا يعمل ولا يعلم. ولذلك قلنا: لهذه القاعدة أدلة كثيرة من القرآن ومن السنة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: 74-75]. قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى عند هذه الآية: وقوله تعالى ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ أي: على الحق وعصمناك من موافقتهم، ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ أي: تميل شيئًا قليلًا، أي: ركونًا قليلًا. وقال عند قوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ أي: لو ركنت لأذقناك مثل عذاب الحياة في الدنيا، ومثلي عذاب الممات في الآخرة، قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وهذا غاية الوعيد، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يميل إلى أهواء أهل الأهواء، ولكن هذه الآية تبين أن العقوبة على العالم أضعف وأشد من العقوبة على غير العالم. وقال تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ * أَوْ يَأْتِينَ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: 30-31]. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: لما كانت منزلتهن رفيعة، أي: أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظًا، صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع. وحاشاهن رضي الله تعالى عنهن جميعًا من ذلك، ولكن يبين لنا ربنا كيف أن الذنب يتضاعف، والعقوبة تضاعف على من علم ولم يعمل. وقد جاءت الأدلة أيضًا الكثيرة من الكتاب ومن السنة التي فيها الوعيد الشديد والعقاب الأليم لمن علم ولم يعمل. قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]. كبر عند الله مقتا عظيمًا أن تقولوا ما لا تفعلون. وقال تعالى في كتابه الكريم مبينًا لنا أن عدم العمل بالعلم إنما هو من صفات اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة. قال الله تعالى في كتابه الكريم مخاطبًا لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. سبحان الله. وقال سبحانه وتعالى أيضًا في شأنهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: 5]. شبّههم ربنا عز وجل بالحمير التي يوضع على ظهورها الأسفار (الكتب)، فهل تنتفع الحمير بما على ظهورها من كتب؟ لا، ما تنتفع. فكذلك من لم يعمل بعلمه. وأما الأحاديث فهي كثيرة جدًا جاء فيها الوعيد الشديد لمن علم ولم يعمل، وإنما نذكر ذلك ذكرى وموعظة للمتكلم أولًا ثم للسامعين ثانيًا. فقد روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما، واللفظ لمسلم، من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فتجتمع أهل النار عليه فيقولون: يا فلان، ما شأنك؟ ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن الشر وآتيه». انظروا إلى عقوبته في النار: تندلق أقتاب بطنه، أي: أمعاؤه تخرج من بطنه، فيدور بها، يدور بهذه الأمعاء في النار، العياذ بالله، كما يدور الحمار برحاه عندما يطحن الرحى، الحمار يدور عليها حتى تطحن هذه الآلة ذلكم الحق. فهكذا الذي لا يعمل بعلمه: تندلق أمعاؤه فيدور حولها كما يدور الحمار برحاه. فهذا وعيد شديد. ومن الأحاديث في ذلك ما أخرجه البيهقي وابن حبان، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار، تقرض شفاههم بمقاريض من نار. قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء أمتكم الذين يقولون ما لا يفعلون». وفي رواية: «ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به». تقرض شفاههم لأنهم يقولون ما لا يفعلون. وأخرج كذلك الإمام الترمذي وغيره، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، من حديث أبي برزة الأسلمي، وجاء من حديث ابن مسعود، من حديث معاذ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه». الشاهد من هذا الحديث: «وعن علمه فيما فعل فيه، فيما فعل فيه». وأخرج الإمام البيهقي وغيره، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يقول -موقوف على أبي الدرداء-: «إنما أخشى من ربي يوم القيامة أن يدعوني على رؤوس الخلائق فيقول لي: يا عويمر، فأقول: لبيك ربي، فيقول: ما عملت فيما علمت؟ ما عملت فيما علمت؟». كان السلف يحاسبون أنفسهم، ويؤنبون أنفسهم، ويذكرون أنفسهم. وأخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها». فانظر كيف أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو رسول الله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وأفضل الأنبياء والمرسلين، يدعو بهذا الدعاء، يستعيذ بالله من علم لا ينفع. ومن صور العلم الذي لا ينفع: عدم العمل بالعلم. فأنصح إخواني بحفظ هذا الحديث، فإنه حديث عظيم، كان يدعو به النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها». وروى البزار، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، عن أبي برزة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة التي تضيء للناس وتحرق نفسها». وإن ضعفه بعض أهل العلم لكن معناه صحيح: الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه ولا يعمل بهذا الخير وهذا العلم، مثل الفتيلة، هذه الشمعة التي تضئ للناس وتحرق نفسها حتى تنتهي وتذهب. وأخرج الطبراني في الكبير، وصححه العلامة الألباني، عن جندب بن عبد الله الأزدي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه، أو يحرق نفسه». فبعد هذا، إخواني في الله، فلنتفقد أعمالنا ولنزنها، ونزنها بعلمنا. كيف أنت يا أخي مع الصلاة؟ هل تؤدي الصلاة في جماعة لأنك تعلم أن صلاة الجماعة واجبة؟ هل تؤدي الصلاة من أولها، من تكبيرة الإحرام، لأنك تعلم فضل تكبيرة الإحرام وتعلمت ذلك؟ هل تعمل بالصلاة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنك تعلم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي»؟ اسأل نفسك مثل هذه الأسئلة، وهكذا قس واسأل نفسك في أبواب كثيرة: هل أنت عامل بعلمك فيها؟ اسأل نفسك: كيف أنت مع والديك؟ فقد تعلمت من كتاب ربك ومن سنة نبيك عظم قدر الأبوين، وكذلك وجوب طاعة الوالدين. كيف أنت مع والديك؟ اسأل نفسك: هل عملت بهذا العلم الذي تعلمته؟ اسأل نفسك: كيف أنت مع جيرانك ومع أرحامك؟ فقد تعلم الحق العظيم الذي فرضه ربنا سبحانه وتعالى تجاه الجار وتجاه الأرحام. أفأنت تصلهم بأنواع الوصل: كلمة طيبة، زيارة، معاملة حسنة؟ اسأل نفسك: كيف أنت مع زوجتك؟ تعلم وصية النبي عليه الصلاة والسلام لك بالنساء خيرًا: «استوصوا بالنساء خيرًا». كيف أنت مع أهلك؟ كيف أنت في معاشرتهم؟ لأنك تعلم قال الله عز وجل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]. هل أنت تعاشر أهلك بالمعروف؟ اسأل نفسك: كيف أنت مع أولادك؟ تعلم الحق العظيم الذي ألقاه على عاتقك الشرع في تربية الأولاد. اسأل نفسك: هل أنت مهتم؟ هل أنت مهتم بتربية الأولاد؟ اسأل نفسك مثل هذه الأسئلة، وزنها على علمك، وإلا فالأمر شديد كما سمعت في هذه الأدلة من كتاب الله ومن سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. اسأل نفسك: كيف أنت مع إخوانك، مع علمائك، مع كذلك أصدقائك؟ اسأل نفسك مع أهل حارتك: هل أنت ممن يغتاب؟ هل أنت ممن يفسد بين الأحبة؟ اسأل نفسك هذه الأسئلة. كيف أنت مع الشائعات؟ هل أنت ممن لا تشيع الشائعات ولا تسعى بها؟ اسأل نفسك، فإنك تعلم قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19]. اسأل نفسك، اسأل نفسك: كيف أنت مع معرفة قدر نفسك؟ هل عرفت قدر نفسك؟ هل عرفت أن لك حدًا ولك مرتبة لا ينبغي لك أن تتجاوزها؟ اسأل نفسك: كل ذلك من العلم الذي تعلمته. اسأل نفسك: كيف أنت مع وقتك؟ هل ممن يثرثر ويجلس الجلسات الطويلة في القيل والقال؟ والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». اسأل نفسك. فما أحوجنا أيها الإخوة إلى أن نعمل بعلمنا، وأن كذلك نطبق ما معنا من علم. اسأل نفسك مثل هذه الأسئلة: كيف أنت في استغلال لوقتك؟ كيف أنت في موقفك أثناء الفتن؟ أنت تعلم كلام أهل العلم من القرآن والسنة: كيف يكون المسلم أثناء الفتن؟ هل عملت بما جاء في القرآن والسنة؟ اسأل نفسك. فما أحوجنا أيها الإخوة إلى أن نعمل بعلمنا، وإلى أن نسترشد بهذا العلم في جميع شؤون حياتنا: في عباداتنا، وفي معاملاتنا، وفي قيامنا وجلوسنا، وخروجنا ودخولنا، وكلامنا، وفي جميع شؤوننا. اسأل نفسك: كيف أنت مع عبادة ربك؟ هل أنت ممن يقوم الليل؟ هل أنت ممن يحافظ على النوافل؟ هل تعلم فضل هذه العبادات الجليلة؟ اسأل نفسك، حاسب نفسك. كان السلف هكذا يحاسبون أنفسهم، كما مر معنا فيما تقدم عن أبي الدرداء، كيف كان يحاسب نفسه ويؤنبها ويذكرها بهذا الأمر العظيم، ألا وهو العلم، بالعمل بالعلم. فنسأل الله التوفيق والسداد. إلى هنا، والحمد لله أعلم.