الدرس في أدب الطلب 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد السلف على العناية المستمرة بالحفظ كسبيل أساسي لطلب العلم، ويوصي بالبدء بحفظ القرآن الكريم ثم الأذكار النبوية والمتون العلمية بشكل متدرج. كما يُنبه إلى أفضل الأوقات للحفظ كوقت السحر وانتصاف النهار.
ينصح باختيار أوقات الهدوء كوقت السحر أو بعد الفجر مستنداً إلى حديث بركة البكور، مع التركيز على الجد والمواظبة وتقليل الطعام وقيام الليل كأقوى أسباب الحفظ. ويحذر من موانع الحفظ كالمعاصي والهموم الدنيوية والمجالس الفارغة، مشدداً على استغلال مرحلة الشباب.
يشدد الخطيب البغدادي على أن أولوية طالب العلم هي حفظ القرآن ثم مراجعته باستمرار، مع عرض المحفوظ على شيخ متقن لتجنب الخطأ. وينبه إلى عدم الاكتفاء بالكتابة الجميلة دون الحفظ والفهم، مقدماً الحفظ على الكتابة كقاعدة أساسية.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فمما يوصي به العلماء طلاب العلم العناية التامة بالحفظ والاستظهار، فإن هذا الأمر هو الذي يجعل الطالب ذا علم غزير، فيكون علمه في صدره، بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم. فمدح الله عز وجل أهل العلم بأن القرآن في صدورهم. ولقد أحسن من قال: «فاحفظ، فكل حافظ إمام». وقد جاءت الآثار عن السلف في حثهم على هذا الأمر، فقد جاء عن الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: «كن على مدارسة ما في صدرك أحرص منك على مدارسة ما في كتبك». ثم اعلموا أن الطالب إذا عوّد نفسه على الحفظ المستمر فإن عقله ينفتح، ويسهل عليه الحفظ بعد ذلك. أما إذا عوّد نفسه على الركود وعلى عدم الاهتمام بالمحفوظات فإن عقله يجمد ولا ينفتح للحفظ، ويصعب عليه بعد ذلك الحفظ. فهذا أمر مهم جدا لطالب العلم أن يجعل له محفوظات يومه. وأول ما ينبغي أن يعتني الطالب بحفظه القرآن الكريم، فيجتهد ما استطاع إلى ذلك سبيلا أن يحفظ القرآن بإتقان، ولو في اليوم نصف صفحة. وهكذا إن استمر في الحفظ يسهل عليه حفظ القرآن، ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر. ثم بعد ذلك يهتم بحفظ ما يحتاجه في يومه وليلته من الأذكار النبوية في الصلاة وفي العبادات الأخرى، وفي مدخله ومخرجه، وفي بيته، وفي أثناء نومه، وإلى غير تلك الأذكار التي صحت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد ذلك يختار له من المتون المهمة، وكما تقدم في نصائح متقدمة أن الطالب يبدأ بصغار الكتب وصغار المتون، ويتدرج في الطلب. فيحفظ ما يسر الله له من علم الحديث ابتداء بالأربعين النووية، وهكذا ينتقل بعد ذلك إلى بعض المتون الأخرى المختصرة في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام كعمدة الأحكام في الفقه، وكذلك غير ذلك من كتب المتون. وهكذا إن استمر في هذا الباب ما يدري إلا وقد سهل عليه الحفظ. ثم بعد ذلك يحفظ ما يسر الله له من بقية العلوم كعلوم الآلة وغيرها. ولقد نبه العلماء على مواطن وكذلك أوقات يكون الحفظ فيها أسهل، ويكون العقل فيها أوعى. فقد جاء عن الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى أنه قال: «اعلم أن للحفظ ساعات ينبغي لمن أراد التحفظ أن يراعيها، وأن للحفظ أماكن ينبغي للمتحفظ أن يلزمها». فأجود الأوقات الأسحار، ثم بعدها وقت انتصاف النهار، وبعدها الغدوات دون العشيات، وحفظ الليل أصلح من حفظ النهار. قيل لبعضهم: بما أدركت العلم؟ قال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح. وقيل لآخر فقال: بالسفر والسهر والبكور في السحر. فأنت تختار الأوقات الهادئة، إن استطعت أن تقوم بالأسحار وقت الهدوء وغفلة الناس وعدم الضوضاء، لا في البيت ولا في الشارع، فافعل، فإن هذا وقت مبارك. وإلا فبعد الفجر أيضا وقت طيب، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - والحديث ذكره الشيخ الألباني في الجامع الصحيح أو في الصحيح الجامع -: «اللهم اجعل بركة أمتي في بكورها». هكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأكد: تجلس بعد الفجر تحفظ من كتاب الله وما تيسر لك من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا تنشغل في حفظك بالنظر إلى الداخل والخارج وإلى المار، ولكن انشغل بالحفظ، كن مركزا على ما تحفظ، وجامعا ذهنك فيما تحفظ. فهذا أيضا أمر مهم جدا يعين على الحفظ. وقال الزرنوجي رحمه الله: «وأقوى أسباب الحفظ الجد». بعض الطلبة ربما يقول: أنا ما أستطيع أن أحفظ. وإذا نظرت في أعماله وفي حركاته تجده لا يعرف الجد ولا يعرف الاهتمام ومجاهدة النفس، يريد أن يحفظ وهو نائم، أو أن يحفظ وهو مازح. فالحفظ يحتاج إلى جد واهتمام. قال: «وأقوى أسباب الحفظ الجد والمواظبة وتقليل الغذاء وصلاة الليل وقراءة القرآن». ومن أسباب الحفظ: وأما ما يورث النسيان فالمعاصي، وكثرة الذنوب، والهموم والأحزان في أمور الدنيا، وكثرة الأشغال والعلائق. فطالب العلم لا يشغل نفسه بالخصومات والقيل والقال والمجالس الفارغة، يشغل نفسه بحفظ العلم من كتاب السنة، ويشغل نفسه كذلك بالدعوة إلى الله والطاعة والاهتمام بالذكر والصلاة. فلا تشغل نفسك بالهموم والأحزان والتشعب في أمور الدنيا، وهكذا المشاغل التي ربما أنت في غنى عنها، في غنى عن هذه المشاغل، لأن النفس تحب الدخول والخروج والجلوس في القيل والقال، لأن هذه شهوة تميل إليها النفس: جلوس في المقاهي والطرقات. لكن إذا ألزمتها بالجلوس في المسجد في حلقة علم في ساعات تحفظ فيها القرآن تجد مشقة، والنفس أمارة بالسوء. فأنت يا أخي ابتعد عن المشاغل التي أنت في غنى عنها، أنت في غنى عنها. أما الأمور التي لا بد أن تقوم بها من أمور معيشتك فلا بأس بهذا مع اهتمامك بالعلم، والبعد عن كل ما يشغل عن طلب العلم مما أنت في غنى عنه. وقال علي مخي الدين: «وعلى طالب العلم أن يحفظ العلوم، فإن الحفظ ولا سيما في الصغر كالنقش في الحجر». فمن المؤسف أن يكون شابا صغيرا يشغل نفسه بغير العلم وبغير الحفظ، هذه المرحلة مرحلة الصغر من أنفع المراحل في تثبيت الحفظ وترسيخ الحفظ، فلا تضيع هذا العمر وهذه المرحلة في القيل والقال، الدخول والقرود. شغل هذه النفس بحفظ الكتاب والسنة. قالوا: مما ينبغي له اختيار الأوقات والأماكن للحفظ والدرس. قال الخطيب البغدادي رحمه الله: «أجود أوقات الحفظ الأسحار، ثم نصف النهار، ثم الغدوات، وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع». وأجود أماكن الحفظ الغرف، وكل موضع بعيد عن الملهيات. وليس بمحمود الحفظ بحضرة النبات والخضرة والأنهار وقوارع الطريق، لأنها تمنع غالبا خلوة القلب. فأنت تمسك لك جدار أو سارية وتحفظ. أما هكذا تتكئ وتنظر إلى الداخل والخارج فهذا فيه انشغال الذهن، فيه انشغال الذهن. فأنفع أماكن الحفظ الغرف ما فيها ملهيات، ما فيها ما يشغلك، ما فيها من النبات ومن الأنهار ومن البحار وغير ذلك. فكلما كان البصر أبعد عن الملهيات كلما كان الحفظ أسرع وأنفع. وقال أيضا: «وينبغي لطالب العلم أن يعتني بدرسه، فيقوم بتحضيره ومراجعته، ثم فهمه وهضمه، أو بواسطة شيخه، ويعتني بتصحيح درسه الذي يحفظ تصحيحا متقنا على الشيخ، ثم يحفظه حفظا محكما». وهذا فيه أن الحفظ الذي تحفظه ينبغي أن تعرضه على متقن طالب علم أو شيخ حتى لا تحفظ بالخطأ، خصوصا في القرآن لا بد من الاعتناء بالتلقين في القرآن والقراءة الصحيحة، لأنك إذا حفظت بالخطأ سار معك هذا الخطأ وتمكن منك هذا الخطأ، فأنت تقرأ دائما بهذا الخطأ. لكن مع القراءة على محقق ومجود للقرآن يصوب لك الأخطاء. وكذلك في الأحاديث التي تحفظها، يا حبذا لو تقرأ هذا الحديث أو هذه الأحاديث التي تحفظها على طالب علم قد صار عنده من علم النحو وكذلك معرفة اللغة، حتى لا يكون حفظك بالخطأ. وقال: «وينبغي أن يبدأ في درسه وحفظه ومذاكرته بالأهم فالأهم، فأول ما يبتدأ به القرآن الكريم». وكان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن. وإذا حفظ فليحذر من الانشغال عنه بالحديث والفقه وغيرهما. وهذا قد تقدم في دروس ماضية أن طالب العلم يبدأ في طلبه للعلم بالأهم فالأهم، فأهم العلم القرآن: حفظ القرآن. ثم بعد ذلك كما سمعتم انتقل إلى الحديث والفقه. وإذا حفظ القرآن وانتقل إلى الحديث لا يترك القرآن، بل ينبغي عليه أن يراجعه حتى لا ينساه. فهذه نصائح ثمينة من العلماء لطالب العلم، وينبغي الانتباه لأول ما ذكرناه وهو العناية، وهو العناية بالحفظ والاستحضار والاستظهار، استظهار المحفوظات. ولقد أحسن من قال: «جامع العلم تراه أبداً ليس ذا حفظ ولكن ذا غلط، وتراه حسن الخط إذا كتب الخط بصيراً بالنقط، وإذا فتشته عن علمه قال: علمي يا خليلي في الصفط، في كراريس جياد أحكمت، وبخط أي خط، أي خط. وإذا قيل له: هاتي لنا حك، لعق لحييه جميعاً وانتقط». أي معنى هذا؟ أنه يهتم بالكتابة ما شاء الله، الخط الجميل والإتقان في الكتابة، لكن ما يحفظ شيئا. فإذا اختبر وقيل له: أعطنا فائدة، ما عندك في هذه المسألة؟ قال: انتظروا، سأذهب للبيت آتي بالدفاتر وكراريسي حتى أعطيكم هذه المسألة. سبحان الله! هذا ليس هو المطلوب. المطلوب: نعم تكتب، ولكن أيضا لا تهمل جانب الحفظ، بل تجعله مقدما على الكتابة، كما سمعت من نصائح السلف الصالح رحمهم الله تعالى. فالحفظ أمر مهم جدا. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرا لكم