الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 25، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع الأول حديثًا نبويًا يبين فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فضل الأعمال الصالحة في الإسلام وكيف يمكن للمسلمين كسب الأجر حتى في الأمور اليومية. يشير إلى أن الله جعل للمسلمين ما يتصدقون به دون الحاجة إلى الأموال الزائدة.
المقطع الثاني يشرح مفهوم الصدقة في الإسلام ويبين أنها تشمل ليس فقط الصدقة المالية بل أيضًا الأعمال الصالحة مثل التسبيح والتهليل. يشير إلى أن الصدقة ليست مقتصرة على المال بل تشمل كل أنواع المعروف والإحسان.
يتناول المقطع الثالث أهمية النية في الأعمال المباحة مثل إتيان الرجل أهله والإنفاق عليهم، حيث يؤكد أن الأجر والثواب يتوقفان على وجود نية صالحة. يشير إلى أن مجرد الفعل بدون نية لا يترتب عليه أجر.
المقطع الرابع يشرح حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم حول صلاة الضحى وبيان أنها تجزئ عن بعض الأعمال الصالحة. يوضح معنى "يجزئ" في الرواية ويبين أهمية هذه الصلاة في تحقيق الأجر.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام يحيى المشرف النووي رحمه الله في كتاب الأربعين النووية: الحديث الخامس والعشرون، عن أبي ذر رضي الله عنه أيضًا، أن ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: «أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة». قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر». رواه مسلم. قال الشارح: فقه الله هذا الحديث، رواه مسلم وحده دون البخاري، فهو من أفراده. رواه في موضعين، أحدهما مطولًا باللفظ المذكور، والآخر مختصرًا بزيادة في أوله وآخره. وقد جاء أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مطولًا، وهو في الصحيحين. قال: وقولهم «الدثور» أي أهل الأموال، «ذهب أهل الدثور» يعني أهل الأموال بالأجور؛ لأن عندهم من الأعمال من الصدقات والإنفاق بالأموال ما لا يستطيع الفقراء الذين ليس عندهم أموال. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم «أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون» إلى آخر الحديث، أولًا نظر إلى تنافس صحابة رضي الله عليهم في أعمال الخير. فهؤلاء الفقراء الذين ما عندهم أموال، لما رأوا أصحاب الأموال ينفقون أموالهم في سبل الخير، سبل البر، وكذلك في الطاعات والقربات، جاءوا يشتكون إلى النبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يعني أهل الأموال، نحن وإياهم سواء في الصلاة والصيام، نحن نصلي كما يصلون، ونحن نصوم كما يصومون، لكن عندهم زيادة في الأعمال، وهي الصدقة بفضول أموالهم، يعني ما زاد من أموالهم، فهم يتصدقون، ونحن لا نتصدق. فهذا من حرصهم على الخير وتنافسهم على أعمال البر، فأرادوا شيئًا من الأعمال يدركون به أهل الأموال. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم «أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون» إلى آخر الحديث، فيه بيان حقيقة الصدقة شرعًا، فهي اسم جامع لأنواع المعروف والإحسان. الصدقة اسم جامع لأنواع المعروف والإحسان، ولهذا في حديث حذيفة في مسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة». كل معروف صدقة، وهذا عام في كل معروف، سواء كان قوليًا أو كان فعليًا أو كان حسيًا أو كان معنويًا، فكله صدقة. قال: وصدقة العبد نوعان، أحدهما صدقة مالية، يعني أن يتصدق على الآخرين بالمال، يتصدق عليهم بماله، سواء كانوا قريبًا له كزوجته وأولاده أو كانوا أجانب عنه، فيتصدق عليهم، فكله من الصدقة التي يؤجر عليها الإنسان. قال: والآخر صدقة غير مالية، كالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه صدقات، يعني ليس الصدقة منحصرة بالمال، الصدقة بالمال هو نوع من أنواع الصدقات، هناك صدقات أخرى غير مالية. قال: وقوله «في بضع أحدكم صدقة»، قال: البضع بضم الباء، كلمة يكن بها عن الفرج، وتطلق على إرادة الجماع أيضًا، وهذا من الأدب من أداب الشريعة، أن تأتي بألفاظ تدل على الشيء الذي يستقبح ذكره بلفظ لطيف. قال: وقوله «أرأيتم لو وضعها في حرام» إلى آخره، ظاهره أنه يؤجر على إتيان أهله ولو لم تكن له نية صالحة، يعني مجرد مجامعة الرجل أهله، وإن لم ينوِ بذلك أن يعف نفسه ويعف زوجته ويرزق الذرية الصالحة، مجرد شهوة أتى أهله، يقول ظاهر هذا الحديث أنه يؤجر على ذلك وإن لم ينوِ. قال: وهذا الظاهر يرد إلى الأصل المقرر في الشرع، أنه لا أجر على مباح إلا بنية صالحة، فمن أتى أهله ناويًا إعفاف نفسه وأهله وابتغاء ولد صالح وتكثيرًا لسواد المسلمين ونحوها من النيات، حصل له الأجر على ذلك. قال: ومما يؤكد هذا أن الأعمال التي يعملها الإنسان، سواء كانت مباحة أو كان مأمورًا بها، أنه لا يؤجر ويثاب عليها إلا بالنية. حديث ابن مسعود في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «والنفقة التي ينفقها الرجل على أهله فهي له صدقة»، جاء في رواية مسلم: «يحتسبها»، تقييد هذا الأجر وكونها صدقة إذا احتسبها. قال: إذن هذه الرواية المطلقة تقيد بهذه الرواية المقيدة، إذا لابد من الاحتساب. فمجرد كونه ينفق على أهله، يقول هذا أمر واجب عليه، أو هذا أمر اعتاده، رأى الناس من تزوج أنفق على زوجته وعلى أولاده، فيقول هذه من أمور العادات، أنه لابد على الزوج وعلى الأب أن ينفق على أولاده، فيفعل هذا من غير نية الاحتساب، هذا ما يؤجر، وإن كان يحصل به الإجزاء وسقوط الواجب، لكن حصول الأجر والثواب لابد من نية ينوي الاحتساب، ينفق وينوي الاحتساب عند الله جل وعلا، فهنا يؤجر. قال: وفي الحديث الآخر: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها»، انظر إلى هذا القيد: «تبتغي بها وجه الله»، إذا لابد من ابتغاء وجه الله في سائر الأعمال، ومن ذلك ما في هذا الحديث من أمر قضاء الوطر وإتيان الرجل أهله، لابد من الاحتساب والنية حتى يحصل له الأجر. قال: ووقع في الرواية المختصرة عند مسلم في آخره: «ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»، يعني عن هذه الأعمال كلها، هذه الصدقات يجزئ أن يركع ركعتين من الضحى. قال: والفعل المذكور يجزئ، رواية بالضم وآخره همز، وبالفتح وآخره ياء، يعني يجزي. فالأول من الإجزاء، والثاني من الكفاية، ذكره المصنف في شرح صحيح مسلم. يعني رواية «يجزئ» من الإجزاء، معنى يجزئ يعني يحصل له الأجر بصلاة هاتين الركعتين عن كل الصدقات المذكورة قبله. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.