التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 24

الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 24، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تحريم الظلم وبيان عظمة الله تعالى وملكه التام

يُحرم الله الظلم على نفسه وعلى خلقه، ويُظهر الحديث القدسي عظمة الله وملكه التام وغنى الله عن عباده ووجوب توكلهم عليه. يُبين أن الله حرّم الظلم مع قدرته عليه، فكيف بالعبد الضعيف.

تعريف الظلم وتحريم الله له وبيان فقر العباد

يُعرّف الظلم بأنه وضع الشيء في غير موضعه، ويُحرم الله الظلم على نفسه وعلى خلقه، ويُظهر فقر العباد إلى ربهم وعدم غناهم عنه. يُذكر جملا من الحديث القدسي التي تؤكد هذا الفقر وغنى الله تعالى.

بيان العدل الإلهي في يوم القيامة وجزاء العباد

يُحصي الله أعمال العباد ويوفيهم إياها يوم القيامة، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. هذا يدل على عدل الله وعدم ظلمه للعباد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام يحيى بن شرف النووي رحمه الله، في كتابه الأربعين النووية، الحديث الرابع والعشرون، قال: عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما روى عن ربه عز وجل، أنه قال: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». رواه مسلم. قال الشارح -رفقه الله-: هذا الحديث أخرجه مسلم وحده، دون البخاري، فهو من أفراده عنه. وأوله في النسخ التي بأيدينا: «عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما روى عن الله تبارك وتعالى»، إذا الحديث هذا حديث قدسي. والحديث القدسي: ما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العالمين، إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى»، فهو حديث قدسي. قال: وقوله «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» إلى آخره، فيه بيان تحريم الظلم من وجهين: أحدهما كون الله حرمه على نفسه، فإذا كان محرما عليه مع كمال قدرته وتمام ملكه، فحرمته على العبد أولى؛ لظهور عجزه ونقص ملكه. الله عز وجل حرم الظلم على نفسه مع كمال قدرته وتمام ملكه، يعني حرمه على نفسه، هو قادر جل وعلا على فعله، لكن تنزه عن ذلك، وحرم ذلك على نفسه. فإذا كان هذا في حق الخالق سبحانه وتعالى، مع كمال قدرته وتمام ملكه، فحرمته على العبد باب أولى؛ لأن العبد يعني ضعيف وعاجز، فكيف أن يظلم غيره؟ فيكون الظلم على العبد أولى تحريما. والآخر: أن الله جعله بيننا محرما، ونهانا عنه، في هذا الحديث الإلهي، فقال: «فلا تظالموا». والنهي للتحريم، أي الأصل في النهي أنه للتحريم. فالله عز وجل نهى عن الظلم، قال: «فلا تظالموا»، إذن دل هذا على أن الظلم محرم. إذن محرم في هذا الحديث من جهتين: من تحريم الله عز وجل الظلم على نفسه، والأمر الآخر نهي الله عز وجل عن الظلم في قوله: «فلا تظالموا». قال: فأكد تحريمه علينا بطريقين: الأول التصريح بحرمته في قوله: «وجعلته بينكم محرما». والثاني: النهي عنه، المفيد حرمته في قوله: «فلا تظالموا». قال: «والظلم: وضع الشيء في غير موضعه»، هذا أحسن ما قيل فيه، حققه ابن تيمية الحفيد في رسالة مفردة في شرح هذا الحديث. وضع الشيء في غير موضعه هذا من الظلم، يعني تفسير الظلم بهذا التفسير: كل شيء وضع في غير موضعه، فهذا من الظلم. سواء كان حسيا أو معنويا، مثلا المعنوي: وصف الإنسان لغيره بأنه كذاب، أو بأنه فاجر، أو بأنه زان، وهو ليس كذلك، هذا من الظلم، وضع هذا الوصف في غير موضعه. وهذا الوضع أو الوصف يعني معنوي، ليس بحسي. أو كان حسيا، بأن يتهم يعني مثلا يظلم فيما يجب فيه العدل، كالظلم بين الأولاد، وعدم العدل بينهم، أو بين الزوجات، سواء كان في النفقة أو كان في القسمة أو غير ذلك، فهذا من الظلم. أو كذلك أيضا أن يضرب من لا يستحق الضرب، أو يعذب، أو يقيم الحد على من لا يستحق الحد، هذا من الظلم، وضع هذه العقوبة -وهي حسية- في غير موضعها. قال: لأن حقيقة الظلم لها مآخذ متفرقة، وفيها أنظار متعددة، وكلامه من أحسنها سبكا، وأتمها موافقة للخطاب الشرعي، يعني تعريف شيخ الإسلام رحمه الله للظلم بهذا التعريف: هو وضع الشيء في غير موضعه. قال: ثم أتبعت الجملة الأولى بتسع جمل، وهي منقسمة إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول: في تحقيق فقر المخلوق، وبيان ما يغنيه، وهو في أربع جمل، في قوله: «يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم». فهذه الجمل الأربع فيها فقر المخلوق إلى خالقه سبحانه وتعالى، وأنه لا غنى له عن ربه جل وعلا. قال: والقسم الثاني: في بيان غنى الله، وهو في أربع جمل أيضا، في قوله: «يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني». وهذا لغنى الله عز وجل وكماله سبحانه وتعالى. ففعل الإنسان المعصية والذنب لا يضر الله عز وجل أبدا، وكذلك أيضا فعل الإنسان العبادة والطاعة لا ينفع الله عز وجل بذلك شيئا. وإنما الذي ينتفع بذلك هو الإنسان، إن فعل الطاعة نفع نفسه بذلك، وإن فعل المعصية فإنه يضر نفسه بذلك. وأما الله جل وعلا فلا تضره معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة الطائعين. قال: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئا». وهذا مما ذكرنا: أن طاعة العابدين، أو معصية العاصين، أن ذلك لا يضر الله عز وجل، ولا ينفعه شيئا. قال: والقسم الثالث: في بيان الحكم العدل في يوم الفصل بين المفتقرين إلى الله والمستغنين عنه، وهو في قوله: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، الله عز وجل يحصي أعمال العباد، أحصاها الله، ونسوه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، إلى آخر ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على هذا المعنى: أن الله عز وجل أحصى أعمال العباد، وكتبها، وسجلها عليهم؛ حتى لا تكون لهم حجة يوم القيامة. ثم يوفيهم إياها، يوفي لهم أعمالهم، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. قال: فمن وجد خيرا في جزاء أعماله، فليحمد الله، يحمد الله عز وجل على هذا الخير الذي وفقه الله له، وأعانه، وثبته عليه. ومن وجد غير ذلك -يعني غير هذا الخير- وجد أعمالا سيئة، وذنوبا، وقطيعة، وسيئات، وترك واجبات، وارتكابا للمحرمات، فلا يلومن إلا نفسه؛ هو الذي فرط، وهو الذي ضيع، وهو الذي ترك، وهو الذي فعل، فهو يتحمل عاقبة أمره. قالوا: هذه الجملة تحتمل معنيين صحيحين: الأول: أنها أمر على حقيقته. فمن وجد خيرا فليحمد الله على ما عجل له من جزاء عمله الصالح. ومن وجد غير ذلك، فهو مأمور بلوم نفسه على الذنوب التي وجد عاقبتها في الدنيا. فتكون الجملة على إرادة الأمر مبنا ومعنى. والثاني: أنها أمر يراد به الخبر. وأن من وجد في الآخرة خيرا فسيحمد الله. ومن وجد غير ذلك، فإنه يلوم نفسه. ولا يندم -يعني وليس الوقت وقت ندم- قد فات وقت الندم والحسرة، ولا ينفع حينئذ هذا الندم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.