الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 69، ألقاها
يتناول هذا الفصل أهمية النية في طلب العلم وكيف أن السلف الصالح كانوا يهتمون بإصلاح نيتهم في طلب العلم. يشير إلى أن النية قد تتغير مع مرور الوقت ودراسة الأدلة.
هذا الفصل يحذر من الفتن الثلاث: الدخول على السلاطين، الخلوة بالمرأة، ومجالسة أهل الأهواء والبدع. كما يشدد على خطورة مجالسة أهل الأهواء وتأثيرها السلبي على طلبة العلم.
يُظهر هذا الفصل أهمية طلب العلم في إصلاح النية وإخلاصها، حيث يساعد العلم على تحسين نوايا الفرد وتصحيحها. يُبين الأثر الإيجابي لطلب العلم على النية الصالحة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب من طلب العلم بغير نية، فرده العلم إلى النية. سيذكر في هذا الباب بعض الآثار عن السلف، محمدهم الله، في بيان أن طلب العلم قد يطلبه الإنسان في أول الأمر من غير نية، يعني نية صادقة. قد يكون مراده الحصول على الرفعة وعلى الشرف والمنزلة، ربما لما يرى لأهل العلم من الفضل والمنزلة والرفعة، فيطلب العلم لأجل هذا الغرض. فلما يطلب العلم، وتمر عليه الأدلة من الكتاب والسنة في الأمر بالإخلاص في طلب العلم والصدق فيه، فتصلح نيته، وحينئذ يخلص النية في طلبه للعلم، فيكون العلم سببا في إصلاح نيته. قال رحمه الله: أخبرنا عبد الله بن عمران، قال: حدثنا يحيى بن يمان، قال: سمعت سفيان منذ أربعين سنة، قال: ما كان طلب الحديث أفضل منه اليوم. قالوا لسفيان: إنهم يطلبونه بغير نية. قال: طلبهم إياه نية. وهذا الأثر صحيح. يقول سفيان الثوري رحمه الله، وهو إمام من أئمة أهل الحديث والفقه، قال يحيى بن يمان: سمعت سفيان منذ أربعين سنة، قال: ما كان طلب الحديث أفضل منه اليوم. قالوا لسفيان: إنهم يطلبونه بغير نية. قال: طلبهم إياه نية. يعني هذا الكلام من سفيان الثوري رحمه الله، وهو قد طلب العلم نحو من أربعين سنة، ثم يقول: ما كان طلب الحديث أفضل منه اليوم. فقيل له: إنهم يطلبونه بغير نية، يعني كثير ممن يطلب الحديث ويجلس في مجالس العلم، ما عنده نية صادقة في طلب العلم والإخلاص فيه، قد يريدون بطلب العلم شيء من أمور الدنيا. فيقول رحمه الله: طلبهم إياه نية، يعني طلبهم للعلم وحضورهم مجالس العلم، هذا مما يصلح لهم النية، مما يصلح لهم النية في طلبه. وثبت عنه رحمه الله أنه قال: طلبنا العلم لغير الله، فأبى العلم إلا أن يكون لله. طلبنا العلم لغير الله، فأبى العلم إلا أن يكون لله. وهذا كما ذكرنا سابقا، أنه ربما يطلب طالب العلم العلم ابتداء، وتكون نيته لغير الله، تكون نيته لغير الله، يريد شيء من عرض الدنيا من رفع أو مدح أو ثناء أو غير ذلك من أمور الدنيا. لكن تصلح نيته عند طلبه للعلم، لما يتعرف على فضل العلم وشرف العلم، عظيم منزلة العلم، ووجوب الإخلاص فيه، حينئذ يخلص النية وتصلح نيته بعد ذلك، فيكون طلبه للعلم نية نية صادقة، وسبب لإخلاص النية في طلبه، وإرادة ما عند الله جل وعلا من الأجر والثواب. قال رحمه الله: أخبرنا عبد الله بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن الأجلح، قال: حدثني أبي، عن مجاهد وابن جبر، إمام من أئمة الحديث والتفسير، قال: طلبنا هذا العلم، وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله بعد فيه النية. وهذا الأثر فيه ضعف، فالأجلح فيه ضعف، لكن معنى هذا الأثر كما سمعنا، دل عليه أو قال به جمع من السلف، من أن طالب العلم، وربما العالم الذي قد تحصل على العلم وبرز في العلم، كان في ابتداء الأمر لم تكن عنده تلك النية الصادقة، ثم مع طلبه للعلم والاستمرار في ذلك تصلح نيته. قال رحمه الله: أخبرنا بشر بن ثابت البزار، قال: حدثنا حسان بن مسلم، عن يونس بن عبيد. ويونس بن عبيد وثقه أحمد بن معين، وكان صاحب عبادة، وكذلك أيضا كان صاحب سنة، كان يقول: ثلاثة احفظوها عني. ثلاثة احفظوها عني. لا يدخل أحد على سلطان فيقرأ عليه القرآن، يعني ولو كان دخوله عليه من أجل أن يقرأ عليه القرآن، خشيت أن يفتن بما عنده من متاع الدنيا، ولا يخلونا رجل بامرأة، ولو أن يقرأها القرآن، ولا يخلونا رجل بامرأة، ولو أن يقرأها القرآن، لأن الخلوة كذلك بالمرأة فتنة، ولو كان لأجل قراءة القرآن أو تعليم القرآن. والأمر الثالث قال: لا يمكن أحدكم سمعه من أهل الأهواء، لأن ذلك أيضا من أسباب الفتنة. فكان رحمه الله يحذر من هذه الأمور الثلاث، والتحذير من الدخول على السلطان قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث من عباس، وهو في الأدب المفرد للإمام البخاري رحمه الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى السلطان افتتن». فالدخول على السلاطين من أسباب الفتنة، ولهذا كان السلف رحمهم الله يحذرون من ذلك أشد التحذير من الدخول على السلاطين والأمراء، بل حتى كانوا ربما يذمون الرجل بسبب دخوله على السلطان، إلا إذا استدعى الأمر واضطر إلى ذلك، أن يدعوه السلطان، ولم يستطع أن يعتذر أو يتخلف عن الحضور فحضر، فإنه في الغالب إذا حصل ذلك، إذا دخل على السلطان، فإنه يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ويذكره بالله جل وعلا، ويخوفه من عقاب الله سبحانه وتعالى. أما أن يذهب بنفسه، فهذا من أسباب الفتنة به. وهكذا أيضا الخلوة بالمرأة قد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما»، فهو من أسباب الفتنة، وفتنة النساء كما نعلم فتنة عظيمة، «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»، هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضا فتنة أصحاب الأهواء، فإن المرء إذا جالس أهل الأهواء، فهذا سبب عظيم لتأثره بهم، وكذلك دخول الشبه إلى قلبه، فتخطف قلبه، والقلوب ضعيفة، والشبه خطافة، كما قال الإمام الذهبي رحمه الله. فلذلك المسلم، طالب العلم، يحذر من الجلوس مع أهل الأهواء، لا تجلس معهم، ولا تحضر مجالسهم، أصحاب البدع والأهواء والتحزبات. ما تقول: والله أنا عندي علم، وعندي معرفة، فأنا آمن على نفسي، لا، هذا من الجهل أن تقول مثل هذا، بل ينبغي أن تكون خائفا على نفسك، ولا تأمن على نفسك من دخول شبهة إلى قلبك. الإمام بن سيرين رحمه الله يأتيه رجل من أهل الأهواء، يقول: أقرأ عليك القرآن، يقول: لا. يقول: آية، يقول: ولا نصف آية. طاوس بن كيسان يأتيه رجل من أهل الأهواء يريد أن يحدثه، فيضع أذنيه، أصبعيه في أذنيه، ويقول لابنه: ضع أصبعيك في أذنيك، واشدد، فإن القلوب ضعيفة. فإن القلوب ضعيفة، ما يريد أن يسمع منه. وأنت تذهب بنفسك إلى أهل الأهواء وتجالسهم، وتقول: أنا أناصحهم، وأنا أجادلهم، ثم ما تمر الأيام إلا وقد صار يدافع عنهم، هذا حال كثير من طلبة العلم، ومن كان على المنهج السلفي، تسهل في هذا الأمر، ثم إذ به يتأثر بهؤلاء من أهل الأهواء بسبب مجالسته لهم. ولهذا كان من منهج السلف عدم الجلوس مع أهل الأهواء، حتى للجدال والخصومة، لم يكن من هدي السلف الذهاب إلى أهل الأهواء ومجادلتهم أبدا، بل كانوا يحذرون من ذلك. كما ذكر الإمام الآجري في كتابه «الشريعة» أن من منهج السلف عدم الجلوس مع أهل الأهواء، وعدم مجادلتهم، إلا إذا طرأ العالم إلى ذلك، من عنده علم، وعنده رسوخ في باب العلم، وطرأ إلى مجالسة أو مجادلة أهل الأهواء، كان يطلب منه السلطان ذلك، ورأى في ذلك المصلحة لبيان الحق ودحض الباطل، أو يحصل له لقاء مع أحد أهل الأهواء، ورأى المصلحة، ويعني مترجحة في بيان الحق وبيان شبه هذا المبطل، فحينئذ لا بأس. أما أن يكون ديدنه يذهب إلى هذا وإلى ذاك، وينتقل من شخص إلى آخر لأجل مجادلتهم، ليس هذا يعني من طريق وهدي السلف، بل ينبغي لصاحب السنة أن ينأى عن أهل الأهواء، ويكون على حذر منهم، ويبتعد منهم سلامة لقلبه ولدينه. قال عن الحسن، الحسن البصري، وهو إمام من أئمة أهل البصرة، عالم فقيه زاهد رحمه الله، كان يقول: ما أعز أحد درهما إلا أذله الله. ما أعز أحد درهما إلا أذله الله، يعني إذا اغتر الإنسان بالمال، وجعل له منزلة ورفعة وتعلق به، إلا حصلت له الذلة، إلا حصلت له الذلة من أجل وسبب الحصول على هذا المال والدرهم، فهو إذا رفعه كان ذلك سببا في ذلته وسقوطه. وهكذا يقول رحمه الله: أهين الدنيا. يقول: أهين الدنيا، فوالله لأهنى ما أكون إذا أهنتها. أهين الدنيا، فوالله لأهنى ما أكون إذا أهنتها، يعني إذا ذم الدنيا واستحقرها كما ذمها الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام، فإن هذا مما يهنأ به القلب، وتطيب به حياة الإنسان، لأنه إذا ذم الدنيا فإنه يعز الآخرة، وإذا حقر الدنيا فإنه يعظم الآخرة، وإذا عظم المرء الآخرة فإنه سيعمل لها، ويتعلق بها، ويسارع فيما عند الله سبحانه وتعالى، ولا شك أن هذا من الأسباب التي تجعلهم من أهل السعادة في الدنيا وفي الآخرة. قال عن الحسن، قال: لقد طلب أقوام العلم، ما أرادوا به الله، ولا ما عنده، قال: فما زال بهم العلم حتى أرادوا به الله وما عنده. وهذا الأثر في الباب، وهو أيضا بمعنى ما ذكر من الآثار السابقة، من بيان أن طلب العلم مما يعين طالبه على إخلاص النية، وعلى إصلاح النية في طلبه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.