الدرس في التعليق على شرح الجامع لعبادة الله وحده 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُعرّف النذر بأنه إلزام المكلف نفسه عبادة غير واجبة شرعاً، وينقسم إلى منجز ومعلق. والراجح جواز النذر المنجز ووجوب الوفاء به، بينما يكره أو يحرم المعلق لاشتماله على المقايضة، مع تأكيد وجوب الوفاء به إن وقع لكونه عبادة عظيمة.
يُبيّن المقطع أن النذر للقبور والأموات شرك أكبر لصرف العبادة لغير الله، كما أن الخوف العبادي المصحوب بالتعظيم لا يجوز إلا لله. ويسرد قصصاً واقعية توضح ترسيخ الخوف من الموتى في النفوس، مميزاً بين خوف السر الشركي والخوف الطبيعي الفطري.
يختص المقطع ببيان أن الخوف المحرم شركاً هو خوف السر المرتبط بعبادة غير الله كالدعاء والذبح لهم. ويختتم بالإشارة إلى ختام الحديث وذكر ترجمة الراوية نانسي قنقر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في ذكره لبعض العبادات: قال: "والنذر النذر". قال الشارح حفظه الله: هو التزام عبادة، هو التزام عبادة لم يلزم بها الشرع. وبعضهم عرف النذر بما هو أدق من هذا، فقال: النذر هو أن يلزم المكلف نفسه بعبادة لم تجب عليه بأصل الشرع، لم تجب عليه بأصل الشرع، هو الذي أوجبها على نفسه ولم يجبها الشرع عليه. حكم النذر: الشرع في النذر اختلف العلماء فيه، وقبل أن نذكر هذا الاختلاف وحتى يتضح لكم، نذكر أولاً أنواع النذر. نذكر أنواع النذر وكيفيته، فالنذر على قسمين: نذر منجز، ونذر معلق. فالنذر المنجز هو عكس النذر المعلق، والنذر المعلق هو النذر المشروط. والنذر المنجز هو النذر الذي ليس فيه شرط. مثال النذر المنجز: كأن تقول: "عليّ أن أتصدق في هذا اليوم بكذا وكذا من المال"، نذرت بدون أن تشترط كما سيأتي في النذر المعلق. أو تقول: "عليّ أن أصوم يوم كذا وكذا"، أو "عليّ أن أعتمر في هذه السنة"، فهذا كله من النذر المنجز بدون شرط. وأما النذر المعلق فهو النذر الذي يعلقه صاحبه بشرط، كأن يقول: "لئن شفى الله مريضي لأتصدقن بكذا وكذا من المال"، هذا نذر معلق. أو تقول: "لئن أو لئن نجحت في هذا العام الدراسي لأتصدقن بكذا وكذا من المال"، فهذا يسمى نذر معلق. بقي حكمهما: اختلف العلماء في ذلك، فمن أهل العلم من حرم النذرين يعني الابتداء بهما، ومنهم من أباحهما جميعاً بدون تحريم ولا كراهة، ومنهم من فصل فأجاز النذر المنجز الذي هو بدون شرط وحرم النذر المعلق. أما المانعون منهما فاستدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن النذر لا يأتي بخير، إنما يستخرج به من البخيل»، إنما يستخرج به من البخيل. والذين منعوا النذر المعلق قالوا: هذا فيه سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى، وفيه التعامل مع الله عز وجل بالمقايضة: "لئن فعلت لي كذا لأتقربن إليك بكذا"، فمنعه جماعة من أهل العلم. ومن أباحه استدل بثناء الله عز وجل على الموفين به، لكن يقال: أن الثناء على الوفاء به إذا وقع من العبد، ولم يأتِ المدح والثناء على من ابتدأ النذر، على من ابتدأ النذر. فالأقرب - والله تعالى أعلم - أن يقال بالتفصيل، أن يقال بالتفصيل: فإن كان النذر منجزاً غير معلق فيباح، وإن لم يكن منجزاً بل معلقاً فيحرم؛ لأن فيه معنى المقايضة، وفيه سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى. وهذا قول بعض أهل العلم. لكن إذا وقع النذر من العبد فيجب الوفاء به، لقول الله عز وجل: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾. قال: وهو نوع من أنواع العبادة. قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾، فأثنى عليهم أنهم يوفون بالنذر. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، قرنه مع النفقة والصدقة، يعني الوفاء به عبادة لأنه قرن مع العبادات، قرن مع الصدقة. ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، فكونه قرن مع الصدقة والنفقة فهذا دليل على أنه من العبادات. قال: والنفقة والصدقة عبادة، فيكون النذر عبادة. قال سبحانه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، قال: قرنه مع الطواف، والطواف عبادة لله عز وجل. ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا﴾، فكما أن الطواف عبادة فكذلك الوفاء بالنذر عبادة. قال: فالوفاء بالنذر عبادة. هذا في نذر الطاعة: إذا نذر أن يتصدق، إذا نذر أن يصلي، إذا نذر أن يصوم، إذا نذر أن يحج، إذا نذر أن يعتمر، يعني يكون النذر حتى يجب الوفاء به في طاعة، في طاعة: صلاة، صدقة، حج، عمرة، إلى غير ذلك. فهنا إذا وقع من العبد يجب الوفاء به. قال: قال صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، والحديث في البخاري من حديث عائشة. قال: أما نذر المعصية فإنه يحرم الوفاء به، كما أنه يحرم من باب أولى الشرع فيه. قال صلى الله عليه وسلم: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». قال: ومن نذر المعصية الآن هذه أمثلة للنذر المحرم الذي لا يجوز، وهو من نذر المعصية: قال: النذر للقبور. فمن نذر لقبر أو نذر لميت فإنه يكون مشركاً شركاً أكبر؛ لأن النذر لا يكون إلا لله. النذر عبادة كما سمعت في الآيات، قرن بالنفقة والصدقة، وقرن بالطواف، فهو عبادة، والعبادة لا يجوز صرفها إلا لله سبحانه وتعالى. فمن نذر لقبر أو لميت، وهذا واقع في مجتمع المسلمين اليوم، تجد هناك من يربي الغنمة أو الكبش الأسود، يقول: "هذا نذر، إذا حانت زيارة الولي الفلاني هذا نذر له، نذبحه في زيارته"، يتقربون بذلك إلى هذا المقبور وإلى هذا الميت. هذا لا شك أنه من الشرك الأكبر؛ لأن النذر عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى. وأكد أن نذور في الصدقات كثيرة، حتى بعضهم ربما ينذرون بالزيت أو بالأرز أو كذلك بالولائم، يقول: "عليّ نذر في مولد الولي الفلاني أن أعمل وجبة للحاضرين"، نذر هذا لا يجوز، هذا نذر شرك والعياذ بالله. أو يقول: "عليّ نذر أن يعني أنفق في زيارة الولي الفلاني بكذا وكذا من التمور أو كذلك من الذبائح أو إلى غير ذلك"، هذا كله من نذر المعصية ومن نذر الشرك، فهو يعد من الشرك؛ لأنه صرف هذه العبادة لغير الله سبحانه وتعالى. وهذا لا يجوز، لا يجوز أن تنذر للقبر الفلاني أو للولي الفلاني، بحجة أنك تتقرب إليه بهذا النذر. قال: فمن نذر لقبر أو نذر لميت فإنه يكون مشركاً شركاً أكبر؛ لأنه صرف نوعاً من أنواع العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، وهذا واضح. قال الشيخ: محمد بن عبد الله، والخوف أيضاً من أنواع العبادات الجليلة. الخوف، قال الشارح: الخوف من أعمال القلوب فهو عبادة قلبية، وكما تقدم معنا تعريف العبادة لشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة، فالخوف من الأعمال الباطنة القلبية. قال: والمراد خوف العبادة، وهو الخوف الذي يكون معه تعظيم ومحبة للمخوف، يحبه ويخافه، هذا خوف العبادة، ويسمى خوف السر، وهو لا يجوز إلا لله عز وجل. وهذا أيضاً واقع في مجتمعات المسلمين، تجد أن كثيراً من الناس ربما يخشون غير الله ويخافونهم أشد من خوفهم من الله، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِّلَّهِ﴾، أي أنهم يعظمونهم ويخافونهم ويحبونهم أشد من محبتهم لله عز وجل. وهذا تجده في أعمالهم وفي حركاتهم وسكناتهم، فتجد عليهم من الرهبة ومن الخوف عند أن يزوروا هذه القبور، عند أن يزوروا هذه القبور، بل وفي كذلك أعمالهم الأخرى، تجد الواحد منهم مستعد أن يحلف بالله كاذباً، أن يحلف بالله كاذباً، وإذا قيل له: احلف بالولي الفلاني وهو كاذب، يخاف، يخاف، وهكذا لا يتجرأ أن يحلف بهذا الولي لاعتقاده في هذا الولي وأنه سيعمل به وسيعمل به، وهذا واقع. وهذا واقع، وعباد القبور يزخرفون القبور، وهكذا يجعلون فيها من الزينة، من أجل هذا، من أجل أن يخاف هؤلاء الرعاع منهم، من هؤلاء القبور. ويحكون أن أحدهم قال لهؤلاء عباد القبور وهو مزعزع ليس بذاك في التوحيد، قال لهم: "أنا ما أخاف من هذه القبور". قالوا: "إنا نتحداك، تعال في منتصف الليل وادخل يدك في الفتحة، فتحة في التابوت، وننظر ماذا سيصير لك، ننظر ماذا سيصير لك". فذهب وهو خائف يرتعد ويرتعش. ومن مكر أولئك القوم جعلوا أحد الناس في ذلك التابوت، فما أن أدخل هذا المسكين يده وهو في خوف متشكك، هو متشكك ليس ذا عقيدة راسخة ثابتة، فما هو إلا أن وضع يده فذاك يمسك بيده، فيصيح ويخاف ويقول: "خلاص، أنا أتوب إلى الله وما سأفعل هذا مرة أخرى". وهذا واقع يذكرونه في بعض كتب أولئك القوم. وهكذا ما يسمى عندنا بالتحويط، قل لك: "فلان سيحوط بك، فلان سيحوط بك". بل أخبرني أحد العوام أنهم كانوا يلعبون كرة، انظر إلى هذه العقائد الموجودة حتى بين الصغار، وكانوا الصغار ممكن ما يتجاوز العشر أو أقل من ذلك، قال: "كنا نلعب كرة، وكان الملعب بجانب مقبرة، فأحد الأولاد ضرب بالكرة فجاءت في مشهد يعني لأحد القبور المجصصة، فانكسر هذا المشهد، فانكسر هذا المشهد، فبعض الناس يريد أن يخوف هذا الولد فيقول له: كسرت شاهد الولي، سيأتي لك في الليل، أنت كسرت هذا المشهد". فكان هذا الصبي يبكي، يخاف أن يأتي له هذا صاحب القبر ويفعل به شيء في الليل، ويقول واحد آخر يسكن ويقول له: "هذه خرافة لا تصدق"، يسكن، ثم يأتي آخر ويقول له: "من قال هذا صحيح، سيأتي لك في الليل"، ويبكي، وهكذا المهم في حاله. فهذا يدل على ماذا؟ على اعتقاد أولئك القوم في هذه القبور. وأخبرناكم بقصة من قبل، وهذا واقع، وقعت في دوع، كان هناك مسجد كبير فيه قبر، والقبر أدخل فيما بعد، وهذا المسجد صاحبه والناظر عليه هداه الله إلى التوحيد، فعزم على أن يخرج القبر من المسجد. كانت هذه القرية يغلب عليها الجهل وكذلك دعاة الشرك، فعزم، فعزم، وكان رجل مغترب ذا مال وأتى من أجل أن ينكر هذا المنكر، فعزم، فعزم على أن يخرج هذا القبر، فأراد من يخرج هذا القبر من العمال، يعني بحث، بحث، لم يجد، كلهم يعتذرون خوفاً من أن يفعل بهم شيء ذلك القبر. المهم أغراهم، قال: "سأعطيكم كذا وكذا من المال، كل عامل له كذا وكذا أضعاف ما يجده العامل في يومه". في النهاية وجد ثلاثة أشخاص، وبدأوا يحفرون، وكان المسجد قد جعل فيه يعني يطين الكثير، فتعمق القبر، فعملوا في اليوم الأول ما استطاعوا أن يصلوا إلى الجثة، فقالوا: "إن شاء الله نكمل اليوم الثاني". جاء الرجل اليوم الثاني يريد العمال يأتون، ما أتى منهم أحد، فتعجب أينهم، ذهب عندهم واحد، قال له: "أنا طيلة الليل ما أتاني النوم، إن شاء الله بسبب هذا"، والآخر قال: "أنا أشعر بآلام في يدي"، وهكذا كل واحد سول له الشيطان شيئاً واعتذر. وجزاه الله خير، كان معه أحد الناس من أهل التوحيد، فأكملوا العمل مع هذا الرجل وأخرجوا هذا القبر. فانظر إلى اعتقاد أهل الشرك وعباد القبور، يخوفون الناس بمثل هذه الخرافات، هذا يدل على خوفهم، وكذلك على أن عندهم خوف السر، خوف العبادة من هؤلاء الأولياء الذين يزعمون أنهم أولياء. يسمى خوف السر، وهو لا يجوز إلا لله عز وجل. فالذي يخاف من مخلوق خوف العبادة فإنه أشرك، وإذا عمل له نوعاً من أنواع العبادة لأنه يخافه، مثل الذي يخاف من الجن فيذبح لهم، أو الذي يخاف من الميت فيذبح له، هذا خوف عبادة، فإنه يكون مشركاً شركاً أكبر. أما الخوف الطبيعي: كأن تخاف من العدو، وتخاف من السباع، وتخاف من الثعابين، فهذا خوف طبيعي ليس هو بعبادة. فالخوف على نوعين: خوف عبادة، وخوف طبيعي، فلا يعد من الشرك؛ لأن هذا من طبيعة الإنسان، إذا فجأه ما يخوفه من الثعابين أو الأسود أو كذلك العدو أو إلى غير ذلك قد يناله شيء من الخوف، فهذا خوف طبيعي، كما أخبر الله عز وجل في القرآن: ﴿وَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى﴾، خاف موسى عليه السلام من ذلك العصا الذي انقلب إلى ثعبان، فهذا من الخوف الطبيعي الذي لا يؤاخذ عليه المسلم. إنما الخوف الذي هو يعد من الشرك: خوف السر، وهو خوف العبادة. طيب، إلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر.