شرح كتاب عقيدة الرازيين 2

شرح كتاب عقيدة الرازيين 2

الدرس في شرح كتاب عقيدة الرازيين 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

رحلات أبي حاتم الرازي في طلب الحديث وما لاقاه من مشاق

استعرض الذهبي رحلة أبي حاتم الأولى التي دامت سبع سنوات وقطع فيها أكثر من ألف فرسخ مشياً، ثم رحلته الثانية وثلاث حجات، مبيناً شدة فقره حتى باع ثيابه وابتلع ديناره حيرة بين الورق والطعام، مع الإشارة إلى حال أئمة الحديث كابن معين.

مشاق رحلة أبي حاتم وصحبه في البحر والبر

سرد معاناة أبي حاتم وصاحبيه في سفرهم: نفدت نفقتهم في البصرة، وركبوا البحر من جدة فلبثوا ثلاثة أشهر في ريح عاصف، ثم مشوا ثلاثة أيام بلا طعام ولا ماء حتى كادوا يهلكون، فأنقذهم الله بسفينة سقوهم الماء وأكلوا بيض سلحفاة حتى وصلوا الراية فأكرمهم واليهم.

خاتمة ترجمة الإمام أبي حاتم الرازي ومواقفه العلمية

ختم النص بذكر نشأة أبي حاتم العلمية ورحلاته، ومواقفه في نقد الرواة الوضاعين، وعقيدته السلفية، وثناء الأئمة على ثقته، ووفاته وهو يملي الحديث، مع مرثية الشاعر أبي محمد العياضي.

إعلان عن ترجمة أبي زرعة الرازي في الأسبوع القادم

أعلن المتحدث أنه في الأسبوع القادم سيذكر ترجمة أبي زرعة، عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، داعياً بالرحمة لهم.

  • 26 جمادى الأولى 1447هـ - 16/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نكمل ما ذكره الإمام الذهبي في ترجمة أبي حاتم الرازي. قال رحمه الله: وهو ينقل بعض ما ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»: «سمعت أبي يقول: أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين، أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ». فرسخ: قلت: الذهبي يقول: قلت: مسافة ذلك نحو أربعة أشهر سير الجادة. وعلى: إذا كان على الطريق المعروف سيكون أربعة أشهر؛ لأن ألف فرسخ، الفرسخ ثلاثة أميال، والميل الواحد كيلو ستة من عشرة. معنى الثلاثة: الثلاثة الأميال تكون خمسة كيلو. معنى خمسة آلاف كيلو: قرابة خمسة آلاف كيلو، وهذا مسافة بعيدة جدًا؛ لأنه يتنقل بين المناطق كما سيذكره الآن. قال: «ثم تركت العدد بعد ذلك». أنا بعدما وصل إلى ألف فرسخ ترك العدد. قال: «وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيًا، ثم إلى الرملة ماشيًا، رملة السبعتين وهي في فلسطين، ثم إلى دمشق، ثم إلى أنطاكية وطرطوس، ثم رجعت إلى حمص». هذه كلها في الشام. «ثم إلى الرقة، ثم ركبت إلى العراق». معنى: بين الشام والعراق وهي من الشام. قال: «ثم ركبت إلى العراق، وبعض المناطق الآن تابعة للعراق الآن من ناحية هذا التقسيم الأخير، لكنها هي أصلًا من الشام داخلة في الشام». قالوا: «كل هذا في سفري الأول، وأنا ابن عشرين سنة». خرجت من الري فدخلت الكوفة في رمضان سنة ثلاث عشرة، أو سنة ثلاث عشرة، وجاءني نعي المقرئ وأنا بالكوفة. المقرئ هو عبد الله بن يزيد المقرئ، كان بمكة. قال: «ثم رحلت ثانيًا سنة اثنتين وأربعين». ثم كانت رحلته الأولى سبع سنوات. رحلته الأولى سبع سنوات: خرج من الري وهو ابن عشرين سنة، ورجع وهو ابن سبع وعشرين. قال: «ثم رحلته ثانيًا سنة اثنتين وأربعين، ثم رجعت إلى الري سنة خمس وأربعين». عن ثلاث سنوات. «وحججت رابع حجة في سنة خمس وخمسين، وحجة فيها عبد الرحمن ابنه». أنا حجة أربع حجج. ذكر ابن أبي حاتم أنه حج أربع حجج، والحجة الأخيرة كانت معه ابنه عبد الرحمن. وكان العلماء إذا ذهبوا إلى الحج يستفيدون، يجدون هناك علماء، يستمعون منهم ويأخذون عنهم. فقال: «ذهبت إلى محمد بن يحيى العدني، وهو من مكة». وقال: «وكان رجلًا، وكان من المصلين». معنى: كثير الصلاة. قال: «فجعته بين المغرب والعشاء، وكان يصلي، فلما حس بي خفف صلاته، وقال: ماذا تريد يا أبا حاتم؟» قال: «فذاكرته، أو أخذته منه حديثًا». قال: «سمعت أبي يقول: كتب عني محمد بن مصفى جزءًا». أنتم خُبّوا. وهؤلاء الأئمة اجتهدوا اجتهادًا عظيمًا. هذه الرحلة ليست تهوينًا. الآن الإنسان لما يسافر إلى بلد يتعب جدًا، وهذا بالمواصلات: بالسيارات أو بالطائرة أو بغيرها. وهؤلاء على الأقدام، يمشون على الأقدام مسافات كثيرة جدًا، وسيأتي ما يلاقونه من الشدائد في سفرهم. قالوا: «أكلمني دحيم في حديث أهل طبرية، وكانوا سألوني التحديث، فقلت: بلدة يكون فيها مثل دحيم القاضي أحدث أنا بها». دحيم هو عبد الرحيم، أو عبد الرحمن الدمشقي. عبد الرحمن الدمشقي يسمى دحيمًا، وهذا لقب له، وكان حافظًا من حفاظ أهل دمشق، لكن كان قاضيًا في طبرية. فقال: «قال: كلمني دحيم في حديث أهل طبرية». معنى: أن يحدثهم. قال: «بلدة يكون فيها مثل دحيم القاضي أحدث أنا بها». قال: «فكلمني دحيم، فقال: إن هذه بلدة نائية عن جادة الطريق، فقل من يقدم عليهم يحدثهم. أنا فيها طلبة علم يحتاجون إلى من يحدثهم. ودحيم، وإن كان حافظًا، لكن قد يفوته أحاديث، فإذا جاءهم المحدث أحدثهم أحاديث فاستفادوا». قال: «سمعت أبي يقول: بقيتُ في سنة أربع عشرة ثمانية أشهر بالبصرة، وكان في نفسي أن أقيم سنة». فانقطعت نفقتي، أن انتهت النفقة التي معه. قال: «فجعلت أبيع أثوابي حتى نفذت، وبقيتُ بلا نفقة: لا نفقة ولا ثياب». يعني يبيع ثيابه واحدًا واحدًا حتى انتهت ثيابه. يعني يحتاج النفقة هذا إلى الطعام. لا شك أن الإنسان لا يستطيع أن يبقى بلا طعام. فهذه النفقة يضعها في الطعام، وكذلك في إيجار البيت أو الغرفة، وكذلك أيضًا في شراء الأوراق، وشراء الكاغد والمحبرة والريشة. يحتاج إلى ريشة ومحبرة وألواح، إلى أوراق. كل هذا يحتاج إلى مال. ولهذا ذكر محمد بن طاهر المقدسي مما معناه طرفة ذكرها محمد بن طاهر المقدسي: قال: «ما بقي معي إلا دينار». قال: «فوضعته في فمي وأنا أفكر: ماذا أفعل بهذا الدينار؟ إن أكلته بقيت بلا أوراق، وإن اشتريت به أوراقًا بقيت بلا طعام». فما درى إيش يفعل. قال: «وهو يفكر وابتلع الدينار». هذا الدينار الذي مع... الدينار معناه ذهب، ابتلعه. فما كان لهذا ولا لهذا. ثم عوضه الله عز وجل ببعض الناس، وأعطاه مالًا حتى يشتري أوراقًا، وأيضًا يشتري طعامًا. وتجد أن هذا الحديث: غالبًا ما يفكرون في الطعام إلا لأجل أن يقيم صلبهم، وإنما أكثر همهم أن يأخذوا العلم. فلهذا يغامرون هذه المغامرات. الآن الواحد منا قد لا يذهب إلى مكان إلا وهو مطمئن أن عنده مالًا، أو أن هناك من سيبعث له مالًا، إلا من رحم الله، يتوكل على الله فيسر الله عز وجل له المال. وكان أهل الحديث هكذا: أهل الحديث تجدهم، وإن كان معهم مالًا يصرفونه في الحديث، في الرحلات، في كذا. ابن معين رحمه الله: ورث من أبيه مالًا كثيرًا، أنفقه كله في الحديث حتى نفد عليه. أنفق هذا المال في الحديث حتى انتهى عليه هذا المال الكثير. ولهذا كان شعيب يقول: «قل لطالب الحديث أن يبشر أهله بالإفلاس». أن يبشر أهله بالإفلاس: أي أنه هذه النفقة كلها سيذهب بها في الحديث. من أحب الحديث وذاق طلب العلم فيه، فإنه سينفذ ماله. لكن الرب جل وعلا يسر له أموالًا من حيث لا يحتسب. وقد ذكر الأصمعي رحمه الله قصة عظيمة وطريفة في هذا الباب أيضًا: وأنه كان في الكوفة، وكان مستأجرًا عند رجل بقال. وكان هذا البقال كلما رآه... رآه أي يقول: كلما رآني معي كتبي، يقول: يا فلان، ما هذا؟ هذه الكتب لا تغديك ولا تسمنك. أنا ما ستأتي لك بطعام ولا بشراب. وكلما دخلت... حتى قال: ضجرت من كلامه، فكنت أخرج في الصباح ولا آتي إلا في الليل. حتى إذا ضاق بي الحال، جاءني رجل من عند الأمير. من معناه: كان في دولة بني العباس، في دولة العباسيين، فجاءه من الأمير، طلبه إلى البصرة لأجل أن يؤدب أبناء... يؤدب أبناء هناك. فخرج، وأغدق الله عز وجل عليه المال. وكان الظاهر هارون الرشيد. وأغدق الله عز وجل عليه المال. فمن صبر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كان همه الدنيا، شتت الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يؤته من الدنيا إلا ما كتب له». قال أبو حاتم: «بقيتُ في سنة أربع عشرة ثمانية أشهر بالبصرة، وكان في نفسي أن أقيم سنة». قال: «فانقطعت نفقتي، انتهت، فجعلت أبيع ثيابي حتى نفد، وبقيتُ بلا نفقة». ومضيت أطوف مع صديق لي إلى المشايخ، أن يطوفون عند الشيوخ يطلبون العلم. وهناك الشيوخ في البصرة وغيرها، كل واحد يخصص له وقتًا. كل واحد يخصص له: هذا بعد الفجر، وهذا في الضحى، وهذا بعد الظهر، وهكذا. كل واحد من الشيوخ يخصص له وقتًا، أو طلبة العلم يعيدونه: «متى تريدنا أن نأتي كذا؟» يذهبون إلى الشيخ، معناه يعيدهم في وقت غير وقت هذا الشيخ، وهكذا. قال: «أطوف مع صديق لي إلى المشايخ، وأسمع إلى المساء، فانصرف رفيقي، ورجعت إلى بيتي، فجعلت أشرب الماء من الجوع». ثم أصبحت، ما معي إلا ماء. قال: «فغدى علي رفيقي، فجعلت أطوف معه في سماع الحديث على جوع شديد، وانصرفت جائعًا». فلما كان من الغد، غدى علي أنا. جاء الصباح، فقال: «مر بنا إلى المشايخ». فقلت: «أنا ضعيف، لا يمكنني، أنا ما أستطيع اليوم أن أمشي؛ لأنه ثلاثة أيام لم آكل». قال: «ما ضعفك؟» قلت: «لا أكتمك أمري، قد مضى يومان ما طعمت فيهما شيئًا». وهذا من عفتهم، أو من عفتهم أنهم ما يسألون الناس، ولو سألوا لكان جائزًا لهم، لكن من باب التعفف. قال: «فقد قال: قد بقي معي دينار». يقول صاحبه: «قد بقي معي دينار، فنصفه لك، ونجعل النصف الآخر في الكراء». قال: «فخرجنا من البصرة، وأخذت منه نصف الدينار». قال: «وسمعت أبي يقول: خرجنا من المدينة، مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من عند داود الجعفري، وصرنا إلى جدة، وركبنا البحر». أنا إلى جدة، ونظهر إلى الساحل. وأنا جاء إلى الساحل، ساحل جدة، وركبوا البحر. قال: «فكانت الريح في وجوهنا، فبقينا في البحر ثلاثة أشهر». أنا قد ضرب بهم الأمواج من هنا إلى هنا. وكانت السفن فيها شراع، والشراع غالبًا يتوجه حيثما وجهته الريح. قال: «وضاقت صدورنا، وفنى ما كان معنا، وخرجنا إلى البر نمشي أيامًا». أنا حتى خرجوا إلى البر، سلمهم الله، فمشوا أيامًا حتى فنى ما تبقى معنا من الزاد والماء. فمشينا يومًا لم نأكل ولم نشرب، ويوم الثاني كمثله، ويوم الثالث. فلما كان يكون المساء صلينا. وهذا لأنهم اعتادوا الجوع، اعتادوا الجوع، وإلا الواحد منا ما يستطيع أن يصبر يومًا واحدًا، سيهلك في يوم واحد؛ لأنه تعود على الطعام. لكن هؤلاء لما تعودوا على الجوع قد يصبرون ثلاثة أيام أو أكثر. الآن تجد الواحد منا، بسبب أنه تعود على الطعام، ما يستطيع أن يصبر اليوم الثاني. إن صبر اليوم الثاني، اليوم الثالث خلاص آخر شيء. فتجد أنه ينزل عنده السكر، وينزل كذا. لكن هو أمر الله جل وعلا، ما يموت أحد إلا بأجله. فقد يجلس الإنسان أيامًا بدون طعام ويحييه الله. قال: «فلما أصبحنا في اليوم الثالث جعلنا نمشي على قدر طاقتنا، وكنا ثلاثة أنفس: شيخ نيسابوري، وأبو زهير المروزي». فسقط الشيخ مغشيًا عليه. شيخ معمر، رجل كبير. قالوا: مضى. قال: «فجئنا نحركه وهو لا يعقل معنا من كثرة الجوع والعطش». ما استطاع أن يتحرك. ولو بقوا معه لماتوا جميعًا، لكن تركوه. قال: «ومشينا قدر فرسخ، فضعفت وسقطت مغشيًا عليه، ومضى صاحبي يمشي، فبصر من بعد قومًا ضربوا سفينتهم من البرد، ونزلوا على بئر موشا». فلما عاينهم لوح بثوبه إليهم. لما رأى السفينة قريبًا لوح بثوبه، فرأوه، فجاءوا معهم ماء في إداوة، فسقوه، وأخذوا بيده. فقال لهم: «الحقوا رفيقَيَّ لي». فما شعرت إلا برجل يصب الماء على وجهي. قد غشي عليّ، فصب الماء على وجهي، فقمت. قال: «ففتحت عيني، فقلت: فسقني». وصب من الماء في مشربة قليلة فشربت. لأنه لو أعطاه كثيرًا، يقولون: إنه قد يموت الإنسان عندما يكون عنده ظمأ شديد. لا تعطيه الماء كله، وإنما تعطيه شيئًا يسيرًا حتى يقيم نفسه فقط. ثم إن طلب الماء أعطيه شيئًا يسيرًا، لا تعطيه الماء كله. لو أعطيته الماء كله لشربه كله، وقد يؤثر فيه ويموت. فلهذا كان هؤلاء أيضًا يفعلون هكذا. قال: «قال: قال: ورجعت إلي نفسي، ثم سقاني قليلا، وأخذ بيدي. فقلت: ورائي شيخ ملقى». فذهب جماعة إليه، وأخذ بيدي، وأنا أمشي وأجر رجلي، حتى إذا بلغت عند سفينتهم، وأتوا بالشيخ، وأحسنوا إلينا. فبقينا أيامًا حتى رجعت إلينا أنفسنا. ثم كتبوا لنا... رجعت إلينا أنفسنا: معنا ذهب التعب وذهب ذلك الإعياء. قال: «ثم كتبوا لنا كتابًا إلى مدينة يقال لها: رَايَة، إلى واليهم، وزودونا من الكعك والسويق والماء». قال: «فلم نزل نمشي حتى نفد ما كان معنا من الماء والقوت». والظاهر أن المدينة كانت بعيدة. قال: «فجعلنا نمشي جياعًا على شط البحر، حتى دفعنا إلى سلحفاة مثل الترس، فعمدنا إلى حجر كبير فضربنا على ظهرها، فانفلقت، فإذا فيها مثل صفرة البيض». أن الصفار البيض حقه يكون في بطنها. فإذا ذبحت أو كسر هذا العضد يظهر هذا البيض أو صفاره. قال: «فتحسّيناه حتى سكن عنا الجوع». أن يأخذون أجوافها وأصدافها، ويأخذون بالصدف ويشربون. قال: «فضربنا على ظهرها فانفلقت، فإذا فيها مثل صفرة البيض، فتحسّيناه حتى سكن عنا الجوع». ثم وصلنا إلى مدينة الراية، وأوصلنا الكتاب إلى عاملها، فأنزلنا في داره، فكان يقدم لنا كل يوم القرع. القرع الذي يسمونه هنا الدباء، ويقول لخادمهم: «أتيهم باليقطين المبارك». أنا مثل ما جاء في القرآن: ﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: 146]. أنبت على نبي الله يونس. فيقدمه مع الخبز أيامًا. فقال واحد منا: «لا تدعو باللحم المشعوم». واحد منهم قال: «لا تدعو باللحم المشعوم، أنا نريد لحمًا، كل يوم دباء، دباء». قال: «فسمع صاحب الدار، فقال: أنا أحسن الفارسية». أنا يظنون أنه لا يحسن، هو عربي، يظنون أنه لا يحسن الفارسية. قال: «أنا أحسن الفارسية، فإن جدتي كانت هَرَوِيَّة، آية من هَرَاة». قال: «فطاب لنا باللحم». ثم زودنا إلى مصر. قال: «وسمعت أبي يقول: كتبت الحديث سنة تسع، وأنا ابن أربع عشرة سنة. وكتبت عن عتاب بن زياد الميروزي سنة عشر». أنا كتب الحديث أول ما كتب، وهو صغير، ابن أربع عشرة سنة. وأول ما خرج، خرج مع خاله محمد بن يزن، خرج إلى سجستان. أنا هو في الري، وخرج إلى سجستان عند قاضيها، وكان ابن ست عشرة سنة، وقد كان يعرف الحديث. قال: «فلما قدم علينا حاجًا، وكنت أفقه الناس عن أبي عبد الرحمن المقرئ». أي: عبد الله بن يزيد. قال: «وأنا بالري، فيخرج الناس إليه فيسمعون منه ويرجعون، وأنا بالري». قال: «وسمعت أبي يقول: كتبت عند عارم وهو يقرأ، وكتبت عند عمرو بن مرزوق وهو يقرأ». وسامعنا كتب: إما يكتب حديثه، أو يكتب النسخ. قال: «وسرت من الكوفة إلى بغداد ما لا أحصي كم مرة». قال ابن حبان: «أخبرني محمد بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن جريس، وهو أبو حاتم، قال: كان أبو نعيم يومًا جالسًا، ورجل في ناحية المجلس يقول: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا ابن جريس». قال: «فنظر إليه أبو نعيم، وقال: كذب الدجال، ما سمعت من ابن جريس شيئًا». أنا لعل هذا من القصاص الذين يكذبون. قال ابن حبان: «أخبرني محمد بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن إدريس، قال: حدثنا مؤمل بن إهاب، عن يزيد بن هارون، قال: كان بواسط رجل يروي عن أنس بن مالك أحرفًا. ثم قيل إنه أخرج كتابًا عن أنس، فأتيناه، فقلنا له: هل عندك من شيء من تلك الأحرف؟ فقال: نعم، عندي كتاب عن أنس. فقلنا: أخرجه. فأخرجه، فنظرنا، فإذا هي حديث شريك بن عبد الله. فجعل يقول: حدثنا أنس. فقلنا: هذه حديث شريك. وهذا رجل مغفل. أنا أين أنت من أنس؟ إن مالك أنس قد توفي، أنا في سنة تسعين أو ما بعدها. فكيف يأتي إلى مثل هذا؟ أنا طهر سنة مئة، مئة واثنين لما توفي أنس. وهؤلاء كانوا في سنة بعد المئتين، بعد المئتين. وهذه القصة التي أذكرها أنا في نفس هذا الوقت. فكان يقول: حدثنا أنس. قال: فنظرنا، فإذا هي حديث شريك بن عبد الله النخعي. قال: فجعل يقول: حدثنا أنس. فقلنا: هذه حديث شريك. فقال: صدقت، حدثنا أنس بن مالك عن شريك. أنا جعل الصحابة يروي عن التابعي التابع. قال: فأفسد علينا تلك العرف التي سمعناها منه، وقمنا عنه». قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية» له: «حدثني أبي وأبو زرعة، قال: كان يُحكى لنا أن هنا رجلًا من قصاص...». هذا فحدثني أبو زرعة، قال: «كان بالبصرة رجل، وأنا مقيم سنة ثلاثين ومئتين، فحدثني عثمان بن عمر بن ضحاك عنه أنه قال: إن لم يكن القرآن مخلوقًا، فمحا الله ما في صدري من القرآن». أنا أنظر إلى الحماقة: يقول: «إن لم يكن القرآن مخلوقًا»، أي على قول الجهمية، فمحا الله ما في صدري من القرآن. قال: «وكان من قراء القرآن، فنسي القرآن، حتى كان يقال له: قل: بسم الله الرحمن الرحيم، فيقول: معروف، معروف، ولا يتكلم به». أنا يقول: أعرف، أعرف هذا الكلام، لكن ما يستطيع أن يتكلم بهذا. قال أبو زرعة: «فجهدوا بي أن أراه، فلم أره». قال: «وقال الحافظ أبو القاسم اللالكائي: وجدت في كتاب أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي مما سمع منه يقول: مذهبنا واختيارنا اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين، والتمسك والتمذهب بمذاهب أهل الأثر، مثل الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد». إلى آخر ما ذكر. وذكر أشياء أيضًا سيذكر. نقرؤها إن شاء الله في كلامه في العقيدة التي سنقرؤها إن شاء الله. قال: «وإذا وثق أبو حاتم رجلًا فتمسك بقوله، فإنه لا يوثق إلا رجلًا صحيح الحديث. وإذا لين رجلًا أو قال فيه: لا يحتج به، فتوقف حتى ترى ما قال غيره فيه». هذا كلام الذهبي. قال: «وأخبرنا أحمد بن إسحاق بن المؤيد، قال: أخبرنا زيد بن يحيى بن هيبة الله ببغداد». إلى أن قال: «حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا أبو مسهر، قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا أبو حجر بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: قال الله عز وجل: يا ابن آدم، اركع لي أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره». وهذا حديث صحيح، أخرجه الإمام الترمذي أيضًا من طريق أبي مسهر. وجاء أيضًا كذلك الحديث من حديث شرحبيل بن عبي عن أبي الدرداء، فالحديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: يا ابن آدم، اركع لي أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره. ثم ذكر حديث احتجاج آدم وموسى. ثم قال: «أبو الحسين بن المنادي، وغيره: مات الحافظ أبو حاتم في شعبان سنة سبع وسبعين ومئتين». أنا مات سنة مئتين وسبع وسبعين. وقيل: عاش ثلاثًا وثمانين سنة. وموته ذكره ابنه عبد الرحمن: كان فلما نزل به الموت، أو مرض الموت، قال: «كنت أقرئ عليه». قال: «فسألته عن طاهر، عن غافر، أو عن عبد القادر بن عبد الغافر: هل هو صحابي؟» قال: «فأشار إلي: لا، فلا». قال: «لم تفهمني يا أبي، ارفع صوتك». قال: «هو تابعي». قال: «ثم قضى». قال: «هو تابعي، ثم مات». وهذا كما قال أبو حاتم رحمه الله، لأن أبا حاتم عاش وهو في الحديث، فلهذا أراد الله عز وجل أن يموت وهو يدارس الحديث. كان يدارس الحديث، فمات في ذلك الوقت، وهذا من علامات حسن الخاتمة. قال: «أولي أبي محمد العياضي شاعر مرثية طويلة في أبي حاتم، رواها عنه ابن أبي حاتم، أولها: أنفسي مالك لا تجزعين وعيني مالك لا تدمعين هلم تسمعي بتسفيع العلوم من شهر شعبان محقًا مدين هلم تسمعي خبر المرتضى أبي حاتم أعلم العالمين». وذكر عبد الرحمن منظومة كبيرة جدًا، أثنى فيها أبو محمد العياضي على أبي حاتم وعلى أبي زرعة. فبهذا، إن شاء الله تعالى، انتهينا من ترجمة الإمام أبي حاتم. وإن شاء الله في الأسبوع القادم نذكر ترجمة أبي زرعة، عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، رحمة الله عليهم أجمعين.