شرح كتاب عقيدة الرازيين 4

شرح كتاب عقيدة الرازيين 4

الدرس في شرح كتاب عقيدة الرازيين 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

افتتاح الدرس وسند كتاب عقيدة الرازيين

افتتح الشيخ بشرح كتاب عقيدة الرازيين لأبي حاتم وأبي زرعة مبيناً سنده وأهمية السؤال عن العقيدة مستدلاً بالقرآن والسنة. وأكد أن عقيدة أهل السنة موروثة متصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم عبر الأجيال تُتلقى بالنقل عن الكتاب والسنة وأقوال السلف بخلاف البدع المحدثة.

عقيدة أهل السنة في الإيمان قول وعمل وإجماع الأئمة

يبيّن المقطع أن عقيدة أهل السنة الثابتة عن أئمة الأمصار هي أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية مستدلين بآيات الزيادة. ويرد على مرجئة الفقهاء الذين زعموا ثبات الإيمان مبيناً الفرق بين أصل الإيمان وكماله وأن الفاسق يذهب عنه كمال الإيمان ويبقى له أصله.

تفصيل زيادة الإيمان ونقصانه والرد على الفرق المخالفة

يقرر المقطع أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي مستدلاً بأقوال الإمام أحمد وآيات القرآن وأحاديث الشفاعة. ويرد على المرجئة والخوارج والمعتزلة مبيناً أن أهل السنة يرون الإيمان قولاً وعملاً واعتقاداً يتفاضل أصحابه.

بطلان القول بأن الإيمان مجرد نطق أو تصديق قلب دون عمل

يناقش المقطع بطلان قول من يجعل الإيمان مجرد النطق بالشهادتين حتى مع الكفر القلبي أو العملي. ويرد على الأشاعرة القائلين بأن الإيمان مجرد تصديق القلب مستدلين بحال أبي طالب وعبد الله بن جدعان أن العمل لا ينفع دون الإيمان الصحيح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فنبدأ في هذه الليلة -إن شاء الله تعالى- في شرح هذا الكتاب العظيم، كتاب عقيدة الرازيين: أبي حاتم الرازي وأبي زرعة الرازي، رحمهما الله. أبو حاتم، قلنا: اسمه محمد بن إدريس الرازي، ومعناه يعتبر الحمد... وأبو زرعة، وبيض الله، ابن عبد الكريم، أيضًا الرازي. وهذه ذكرها عبد الرحمن بن أبي حاتم عنهما؛ أي هذه العقيدة: سأل أبو محمد، أبو عبد الرحمن بن أبي حاتم، أباه وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين. قال رحمه الله: "معناه وجد في النسخة: قال: أخبرنا أبو زيد الشامي قراءة عليه". ومن هذا الذي يقول: "أخبرنا"؟ الله أعلم. أنا وجدت النسخة هكذا: قال: أخبرنا الشيخ أبو طالب عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف قراءة عليه وهو يسمع، وأنا أسمع، فأقرّ به أنه قرأ عليه هذا الكتاب، وأقرّ هذا الكتاب، قال: إنه من سماعه. قال: أخبرنا الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي، رحمه الله تعالى، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن مردك بن أحمد البردعي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، أسعده الله ورضي عنه، وكان أبو محمد إمامًا من أئمة الحديث، رحمه الله. قال رحمه الله: قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدرك عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك. فقال: والعلم يأتي إما بأخبار، والعالم... وذكره لهذه الأمور، أو كذلك بالسؤال. السؤال العالم هو من الدين، وقد قال الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7]. وابن أبي حاتم سأل أباه وسأل أبا زرعة عن هذه العقيدة. وهذا كما قلنا يبين أهمية السؤال، وأنه لا بد منه. لهذا كان الصحابة يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما ذكر الله عز وجل في المناجاة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: 12]، ذلك خير لكم. فـ هناك من الصحابة رضي الله عنهم من ليس عنده شيء... ليش بعيدون؟ أنتم تروحون تايما، تذهبون بعيدًا، وتجعلون هذا المجلس ما في حد... كلما قربتم كلما كان أفضل. النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ثعلبة الخشني رأى الصحابة هكذا متفرقين، فقال: "ما لي أراكم عزين تفرقون هكذا؟ ما لي أراكم عزين؟" عزين: معناها متفرقين. "اجتمعوا". قال أبو ثعلبة الخشني: فاستمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يكادوا يحيون بساطًا، لو جاء حصير لحوى من في المجلس. فكانوا يقربون من النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا هو الأفضل، أفضل من التباعد في المجلس. المجلس يحتاج إلى معنى تقارب. ولهذا في الحديث: الثلاثة الذين جاءوا إلى المسجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخبر الثلاثة؟ أما أحدهم فوجد فرجة فآوى، فآواه الله. والآخر وجد مكانًا قريبًا فجاء إليه. والآخر استحى، جلس بعيدًا، فاستحى الله منه. والآخر الثالث أعرض، فأعرض الله عنه". فالذي أواه الله هو أفضلهم، والذي استحى الله عز وجل منه أيضًا له مكانه، لكنه لما كان بعيد لم يجد العذر... وكذلك الذي وجده الأول... الذي وجده الأول فاستحيى منه، أي لم يقل... بعض العلم: أي أن الله عز وجل لم يجع... لم يأثمه، لكن هل أعطاه أجرًا؟ قد يكون أعطاه أجر الجلوس في الحلقة، لكن لم يعطيه أجرًا مثل ذاك الذي أواه، فقال: "فآواه، فآواه الله، فآواه الله". فانتبهوا أيها الإخوة، فالأفضل أن الحلقات تكون متقاربة، يكون تقارب طلبة العلم. طيب، فلهذا قلنا: السؤال سؤال أهل العلم من العلم، من الدين. وحسن السؤال كما جاء عن عبد الله بن مسعود قال: "حسن السؤال نصف العلم". حسن السؤال نصف العلم. فلهذا فالسؤال طيب. وكما قلنا أيضًا: إن الصحابة لم يكونوا يسألون... لأنه قد جاء في المناجاة مثل هذا، وكانوا فقراء، فكان كما قال أنس: "كنا إذا جاء الأعراب يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم نفرح بذلك". كنا نفرح، يأتون ويسألون النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا تجد أن العلماء في كتبهم ألفوا الأسئلة. هناك كتب تسمى بالسؤالات: سؤالات الدارقطني، سؤالات الحاكم أبي عبد الله، لأبي عبد الرحمن السلمي، وهكذا سؤالات كثيرة: سؤالات البرقاني، الصغير للدارقطني. وألفت كتب كثيرة في السؤالات. معنى: يسأل الطالب، أو أن المؤلف نفسه يجعلها على طريقة سؤال وجواب. فهذه العقيدة أيضًا سأل عنها الإمام أبو محمد بن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، سأل أباه وأبا زرعة. قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدرك عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك. فقال: والسؤال هنا عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، المراد به أصول الدين، معناه في العقائد، المراد به في العقائد. وقوله: "ما ذهب أهل السنة"، أي: ما ذهب إليه أهل السنة، ما ذهب إليه أهل السنة في هذه الاعتقادات، العقائد التي انتشرت بين أهل السنة. قالوا: "أدركتم، وما أدرك عليه العلماء"، لأن العبرة بالعلماء. لأن علم السنة موروث، وعلم البدع فإنه مبتدع. عن أهل البدع تجد أن أقوالهم تقتصر على زمن معين، زمن محدد، بخلاف عقائد أهل السنة فهي موروثة من الصحابة، ومن التابعين الذين أخذوا العلم... أي قصدوا الصحابة من النبي عليه الصلاة والسلام، وأعطوه للتابعين، والتابعون أخذوا العلم من أتباع، وأخذ أتباع التابعين من التابعين، وهكذا سلسلة إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فعلم أهل السنة علم موروث. ولهذا تجد أنهم يهتمون في كتب العقائد بالنقل، يهتمون في كتب العقائد بالنقل: نقل هذه العقيدة، إن كان لها دليل من الكتاب ذكروا الدليل، إن كان أيضًا له أدلة من السنة ذكروا ما جاء في السنة، وإن كان ليس له دليل في الكتاب ولا في السنة أي واضح، ذكروا أقوال الصحابة رضي الله عنهم في تقرير هذه المسألة. ولهذا إذا نظرت إلى كتب عقائد أهل السنة تجد هذا واضحًا في كتبهم. انظر إلى كتاب التوحيد لابن خزيمة، كتاب التوحيد والإيمان لابن مندة، أبي عبد الله بن مندة، كتاب أيضًا الرد على الجهمية لعبد الله بن أحمد، وغيرهم ممن كتب في هذا الباب. ممن كتب في هذا الباب فإنهم استدلوا على أهل البدع بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأقوال التابعين. ولهذا قال هنا: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار"، فالأخذ بقول علماء السنة الذين عرفوا بالسنة وعرفوا بالأخذ عن السلف، فهذا يدلك على أن هذا العلم يقوم له لأنه علم موروث، علم من يأخذه المتأخر عن المتقدم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أو إلى الصحابة. وهذا هو سبيل المؤمنين الذي جاء في الآية: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]. قال رحمه الله: سألت... قال: "وما يعتقدان من ذلك، وما أدرك عليه العلماء في جميع الأمصار". الأمصار: معنى المناطق الكبيرة. المصر هو المنطقة الجامعة الكبيرة، التي عرفت عند العرب: الحجاز، العراق، الكوفة، البصرة. أحيانًا يجعلون الكوفة والبصرة داخلها في العراق، والشام، ومصر، وغيرها، واليمن، وغيرها من هذه الأمصار الكبيرة التي جمعت جماعات من الناس. قال: "فقال: أدركنا العلماء في جميع الأمصار: حجازًا، وعراقًا، ومصرًا، وشامًا، ويمنا. فكان من مذهبهم أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته". ثم ذكر فسردوا عقيدة أهل السنة والجماعة. وهذه العقيدة هي ثابتة عن الإمام أبي حاتم وأبي زرعة، وممن اهتم بهذه العقيدة وسجلها وكتبها في كتابه الإمام، الإمام اللالكائي، عبد الله اللالكائي، رحمه الله، في كتابه "شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة"، "شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة". وهذا الإسناد الذي ذكره المؤلف، الظاهر أنه إسناد اللالكائي، نقل إسناد اللالكائي في كتابه "شرح السنة". ذكر فقال: "أخبرنا أبو زيد الشامي". ولكن الذي موجود في شرح السنة أنه قال: "أخبرنا محمد بن مغفر المقرئ، قال: حدثنا الحسين بن محمد بن حبش المقرئ"، ثم أسنده إلى عبد الرحمن بن أبي حاتم. وجاء أيضًا أو كتب هذه أيضًا المسائل الإمام الذهبي، رحمه الله، في "السير"، كتب شيئًا من هذا كما قد ذكرنا قبل. فهي ثابتة عن هذين الإمامين، عن هذين الإمامين، رحمة الله عليهما. فلهذا قال: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار: حجازًا، وعراقًا، ومصرًا، وشامًا، ويمنا. فكان من مذهبهم"، أي: هؤلاء كلهم، "أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص". فاهتم العلماء بهذه المسألة اهتمامًا عظيمًا، لأنه وجد في زمن التابعين، وجد من ضل فهمه في هذا الباب، وضل عن الطريق الصحيح، فجاء بمذهب ليس من مذاهب أهل السنة، ومخالف لمذهب أهل السنة. فلهذا انتشرت هذه المسألة عن السلف، حتى قال البخاري، رحمه الله: "قد رويت عن هذا في كتاب... هذا عن أكثر من مئتي محدث وشيخ، أنا من مئتي محدث، كلهم يقولون: أن الإيمان قول وعمل". كلهم مشايخ البخاري، وهم أكثرهم أيضًا مشايخ أبي حاتم وأبي زرعة، لأن البخاري وأبا حاتم وأبا زرعة كانوا في عصر واحد، كانوا في عصر واحد، وأيضًا كانوا متقاربين في المناطق. معنى: الري هي منطقة من مناطق خراسان، ونيسابور أيضًا، وبخارى أيضًا منطقة من مناطق خراسان. لكن لما حصلت الفتنة التي بين البخاري ومحمد بن يحيى، كأنهم لم يلتقوا بعد ذلك بالبخاري، لكن اتفقوا في بعض الأشياء في الرجال، يعني في علم الرجال. وقد ألف الإمام ابن أبي حاتم كتابًا عن أبيه وعن أبي زرعة، سماه "كتاب أخطاء البخاري في كتاب التاريخ". انتقد بعض الأشياء، بعضها صحيح انتقاده، وبعضها ليس صحيحًا. والإمام البخاري كان جبلًا في هذا الباب، وكذلك أبو حاتم وأبو زرعة. والإنسان مهما بلغ فإنه وارد عليه الخطأ، الإنسان مهما بلغ من العلم فإنه وارد عليه الخطأ. فلهذا قد يكون حصل شيء من هذا. فقلنا: أن السلف، رحمهم الله، اهتموا بهذه المسألة، وخاصة في زمن آخر، زمن أتباع التابعين، وزمن التابعين... بينوا، أو أتباع التابعين بينوا ضلال من خالف هذا القول. فقالوا: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد وينقص. واستدلوا بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وكذلك بأقوال بعض الصحابة وبعض التابعين. وإن كانت هذه المسألة لم تطرد في عهد الصحابة، وقد ذكر ابن بطة في الإبانة عن رجل من الصحابة أنه قال: الإيمان قول وعمل، لكن لم يضر اسمه عمير أو كذا، لكن الإسناد فيه ضعف. وأكبر من ذكر هذه المسألة، أو ذكرت عنه من التابعين، هو عمرو بن دينار. عمرو بن دينار يعتبر من التابعين، ممن روى عن عبد الله بن عمر، وكذلك روى عن ابن عباس، وعن غيرهم من الصحابة. فعمرو بن دينار أدرك هذه الفتنة لما حصلت في الكوفة، وعمرو يعتبر من أهل مكة، لكنه سمع بهذه الفتنة في الكوفة، وأن ناسًا يقولون بأن الإيمان قول فقط، لا يدخلون العمل في مسمى الإيمان، ولهم شبهات في ذلك. فلهذا كما قلنا: العلماء استدلوا أولاً بأدلة الكتاب والسنة، في الآيات التي جاءت في زيادة الإيمان، وهي آيات كثيرة، ضاربة عشر آيات تدل على زيادة الإيمان وزيادة الهدى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4]، ﴿وَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِمْ﴾ [التوبة: 124]، وغيرها من هذه الآيات التي تدل على زيادة الإيمان، وأن زيادة الهدى والتقوى هو زيادة الإيمان. بخلاف ما قاله مرجئة الفقهاء: قالوا أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإنما الزيادة في التقوى واليقين. وهذا كلام غير صحيح، لأنه إذا قلنا هذا فأين نذهب بالآيات: ﴿وَيَزِيدَهُمْ إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾؟ فأين نذهب بمثل هذه الآيات في زيادة الإيمان؟ وأهل البدع جميعًا عندهم مسألة هي التي أوقعتهم في هذا، فقالوا: أن الإيمان لا يتجزأ. الإيمان لا يكون... هذا مؤمن كامل الإيمان، هذا مؤمن ناقص الإيمان، الإيمان لا... قالوا: هذا ليس في الدين شيء من هذا، إما إيمان وإما كفر. الذي يقر الإيمان يكون كافر، هذا عندهم. طيب، الأدلة دلت على أن الإيمان يتجزأ. هناك بعض الأعمال تجعل المؤمن كامل الإيمان، ونفي عنه الإيمان إنما نفي كماله. مثلاً قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. فهذا هنا الإيمان... الإيمان الكامل. وحيانًا يذكر الله عز وجل الإيمان ويريد به الإيمان أو مطلق الإيمان، أصل الإيمان. مثل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 15]، أو ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: 62]. فالمؤمن هو الذي آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. هذا المؤمن الذي هو أصل الإيمان. وهناك له كمال، يزيد وينقص. الإيمان يزيد وينقص. فهناك مطلق الإيمان، وهناك الإيمان المطلق. هذه عبارات يطلقها بعض العلماء لبيان معنى ما يتكلم به أهل المنطق. مطلق الإيمان: معنى أصل الإيمان. إذا قيل: مطلق الإيمان، فمعنى أصل الإيمان. وإذا قيل: الإيمان المطلق، معنى الإيمان الكامل، الإيمان الكامل. فلهذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: "صاحب الكبائر أو الفاسق الملي، يذهب عنه الإيمان المطلق". الفاسق الملي، الفاسق الملي: معنى أصحاب الملة. لأن الفاسق قد يكون كفرًا، أخرج من الملة. فقال: الفاسق الملي قد يكون... أو قال: الفاسق الملي يذهب، يسلب منه الإيمان المطلق، ويبقى معه مطلق الإيمان، يبقى معه مطلق الإيمان، وهو أصل الإيمان. هل الإيمان يزيد وينقص؟ وهي عن المسألة الثانية، عثر المسألة الأولى. فإذا قلنا أن الإيمان يتجزأ، معنى أن الإيمان يزيد وينقص. ولهذا يقول الإمام أحمد، رحمه الله: "من قال أن الإيمان يزيد وينقص فقد خرج من الإرجاء كله". من قال أن الإيمان يزيد وينقص فقد خرج من الإرجاء كله. معنى: ليس مرجئًا. الذي يقول أن الإيمان يزيد وينقص ليس مرجئًا، وإن وافق أحيانًا بعض الناس. تجد يوافق المرجئة في بعض المسائل، ولكن هذا يأتي أحيانًا جهلا منه بعقائد المرجئة، أو أنه لم يفهم طريقة أهل السنة، أو لم يتبين له طريقة أهل السنة في بعض المسائل. فلهذا تجد بعض المسائل اختلف فيها حتى علماء السنة، بسبب الإيمان... معنى في مسائل الإيمان. مثلًا: الاستثناء، هل يستثنى أولا؟ وأيضًا كذلك أحيانًا يكون اختلاف عند بعض أهل السنة، يوافق المرجئة في قولهم، لكنه يقول: يزيد وينقص، بسبب أنه لم يفهم مثلًا شيء من هذا الاعتقاد. فأحيانًا يوافق هؤلاء، وإلا الأصل أنه يقول: أنه يقول يزيد وينقص. وأما أهل البدع فهم لا يقولون أن الإيمان لا يقبل الزيادة ولا يقبل النقصان. حتى أن جماعة من أهل العلم نقلوا عن بعض المرجئة أنهم يقولون: إيماننا كإيمان جبريل. ولهذا ذكر ذلك البخاري، رحمه الله، فقال: "ولم يقل أحد منهم أن إيمانه كإيمان جبريل". أنا إيمان... إيمان جاز... أنه كإيمان جبريل. لماذا يقولون كإيمان جبريل أو كإيمان النبي عليه الصلاة والسلام؟ قالوا: لأن الإيمان لا يتزعزع ولا يتغير، هذا الإيمان في كل أحد نفس الإيمان. وهذا قول باطل بالأدلة وبالواقع، بالأدلة وبالواقع. وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام: "أنا أخشاكم لله وأتقاكم له"، فليس معنى ذلك أنه لم يذكر الإيمان... معنى أنه إيمانه كإيمان غيره، لا. فالخشية والتقوى كلما زادت كلما زاد الإيمان، كلما زاد الإيمان. فأخشى الناس وأتقاهم هو أكثرهم إيمانًا وأعظمهم إيمانًا. طيب، طيب. أيضًا هناك أحاديث تدل على أن الإيمان يزيد وينقص. منها حديث الشفاعة التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وفيها: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، أو نصف دينار، أو مثقال شعيرة، أو مثقال ذرة، أو أدنى من مثقال ذرة". فلهذا ينقص... بهذا ينقص... بهذا الذي جاءت به الأحاديث في شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. أي شيء الذي ينقصه ينقصه المعاصي، ينقصه المعاصي. جاء في الحديث: "يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، أدنى مثقال ذرة من إيمان". فهذا معنى أن الإيمان يزيد وينقص، لأنه ما دام أنه ينقص إلى ذرة، فمعنى ذلك أن هناك من هو أعلى من الذرة، وهو معنى الدينار أو نصف دينار أو الشعيرة. فهؤلاء أيضًا، وقد يزيد حتى يصير كالجبال، وقد يزيد حتى يصير كالجبل، أي: الإيمان الراسخ. فلهذا فدلت الأدلة على زيادة الإيمان ونقصه، دلت الأدلة على زيادة الإيمان ونقصه. الله عز وجل قسم أهل الإيمان إلى ثلاثة أقسام، قسم أهل الإيمان إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الظالم لنفسه، وهو العاصي الفاسق، أو العاصي الذي نقص إيمانه. والقسم الثاني: المقتصد. والقسم الثالث: السابق بالخيرات. الله عز وجل قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُم سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 32]. هؤلاء ثلاثة أقسام من أقسام أهل الإيمان. لو قال قائل: لا، هذا العاصي ليس من أهل الإيمان، مثل ما يقول الخوارج والمعتزلة. نقول له: سماه الله عز وجل ظالمًا لنفسه. ما معنى ظالم لنفسه؟ هل ظالم لنفسه معنى وهو لم يأت معصية أو ليس عليه معاص؟ لا، أكيد أن ما ظلم نفسه إلا بالمعاصي. فلهذا فالظالم لنفسه يعتبر مؤمنًا، لأن الله عز وجل لما ذكر هذه الأقسام الثلاثة: ﴿وَمِنْهُم سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: 32-33]. أنا كلهم، هؤلاء ثلاثة الأقسام: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾. فلهذا قال الإمام الشنقيطي، رحمه الله: هذه الواو في "يدخلونها"، هذه الواو قال: تكتب بماء الذهب، وبماء العينين... بماء... هذه الواو هي أرجى واو في القرآن، هذه الواو هي أرجى واو في القرآن. في... يدخلونها... هاي... هاي أولاد ثلاثة الأقسام. لو أراد اثنين قال: يدخلانها، أو يدخلوا الجنة، إذا أراد صنفًا واحدًا. لكن قال: يدخلونها، أي: هاي أولاد ثلاثة الأقسام. ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [فاطر: 33]. فلهذا هذه أيضًا الآية تدل على أن من أتى بالمعاصي فإنه أيضًا يدخل في مسمى الإيمان، يدخل في مسمى الإيمان. فجعل الله عز وجل مرتبة، وهي مرتبة الظالم لنفسه الذي وقع في المعاصي، وجعل هناك مرتبة المقتصد الذي أتى بالفرائض وترك المحرمات، وهناك الثالث هو السابق بالخيرات الذي عنده الفرائض والنوافل وترك المحرمات بل والمكروهات، فهو يسابق بالخيرات. وأما من ناحية البدع فهم مختلفون في هذه المسألة: فمنهم من يقول: الإيمان قول، ومنهم من يقول: أن الإيمان قول وعمل، ومنهم من يقول: قصد قول وعمل واعتقاد، لكن يقولون أنه لا يخرج، أو أنه إذا عمل بالمعاصي خرج من الإيمان. وهذا بسبب أنهم يقولون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. الخوارج عندهم الإيمان قول وعمل واعتقاد، مثل قول أهل السنة، لكن لا يقولون يزيد وينقص. عندهم العمل من الإيمان، بل عندهم شرط في الإيمان. لكن هم ما يقولون يزيد وينقص الإيمان. فلهذا خالفوا أهل السنة. فلهذا إذا قالوا: إذا عصى وفسق يعتبر كافر. والمعتزلة مثلهم، المعتزلة قالوا: صاحب الكبيرة في منزلة بين منزلتين، في منزلة بين منزلتين. فلهذا خالف عطاء شيخه الحسن البصري في هذه المسألة، وقال بهذا القول: أنه في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر. وهذا بسبب إيش؟ بسبب أنهم لا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه. وأما قولهم: قول وعمل. القول هو قول القلب واللسان: قول القلب الإخلاص والصدق، واللسان: أي الذكر، لا إله إلا الله، وغيرها. وأما العمل: فهو عمل القلب من الرضا والمحبة، وعمل اللسان أيضًا من الكلام، وعمل الأركان والجوارح كالصلاة وغير ذلك. فلهذا أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل واعتقاد. هناك من أهل البدع من يقول: أن الإيمان قول فقط، أو يقولون: الإيمان قول اللسان فقط، ما يدخلون قول القلب، ما يدخلون قول القلب فيه، يدخلون قول اللسان. وهذا عرف هذا القول عن الكرامية. عن الكرامية: هؤلاء الكرامية هم أناس جهلة، ليس عندهم علم بالكتاب والسنة. يقولون: كل من قال لا إله إلا الله فهو مسلم، وإن جاء بما يناقضه، وإن جاء بما يناقض هذه الكلمة، خلاص يقول: مسلم. أهم شيء يقولها باللسان، أهم شيء يقولها باللسان، خلاص يعتبر مسلم. ولو جاء بما يناقض هذه الكلمة. وهذا قول باطل، هذا قول باطل. بل قال شيخ الإسلام: أن هذا القول لم يقل به أحد قبله، وهو من شر أقوال أهل البدع والملاحدة، من شر أقوال أهل البدع والملاحدة، لأنه يدخل أناسًا كثيرين في الإيمان: كل من قال لا إله إلا الله، ولو كفر بها في اعتقاده أو في عمله وفي كذا، لا يؤثر عنده. لو جاء وسجد لصنم، وصلى لقبر، وغير ذلك، يعتبر عنده أنه مسلم، لأنه قد قال لا إله إلا الله. لو مثلًا أيضًا اعتقد شيء من هذه الاعتقادات أو المذاهب الفكرية الإلحادية، كالشيوعية والبعثية وغير ذلك، أيضًا يقولون: هو مسلم، مدام أنه يقول لا إله إلا الله، مع أنه يعتقد الاشتراكية الشيوعية. فكيف يكون مسلم وهو يعتقد الشيوعية التي تقول: أنه لا إله والحياة مادة؟ فهذا تناقض. وأما الأشاعرة فيقولون: أن الإيمان مجرد التصديق فقط، الإيمان مجرد التصديق، ليس له دخل بالعمل. وهذا كلام باطل أيضًا. ولهذا احتج عليهم العلماء بأبي طالب. أبو طالب كان مصدقًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه خير عنده، أن دين النبي صلى الله عليه وسلم خير الأديان. ولولا المسبة أن الناس يلومونه، لقال، ودخل في هذا الدين. فهو مصدق بهذا الدين بقلبه. فهم يقولون: تصديق القلب يكفي. لكن لم يقل بلسانه: لا إله إلا الله. فقالوا: أنه مؤمن. وأيضًا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما قالت له عائشة رضي الله عنها: "يا رسول الله، عبد الله بن جدعان كان يضيف الضيف، يفعل ويفعل، هل ينفع ذلك؟" قال: "لا". قال: "لا، لم يقل يومًا: اللهم اغفر لي وأصلح... وأصلح أمري، أو وأرشد أمري". لم يقل يوم: اللهم اغفر لي، ما قال يوم: اللهم اغفر لي، حتى يقال أنه ينفعه ذلك. ما سينفعه. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.