الدرس في شرح كتاب عقيدة الرازيين 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المحور فتنة القول بخلق القرآن التي اشتدت في عهد المأمون بتأثير المعتزلة، وكيف صبر الإمام أحمد وغيره من الأئمة على المحنة وانتصروا بالحجج النقلية والعقلية. ويوضح معنى قول أهل السنة: "القرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته"، محذرًا من قول "لفظي بالقرآن مخلوق" الذي يُعد بدعة جهمية.
يسرد المحور تفاصيل فتنة "اللفظ بالقرآن" التي أثارها الكرابيسي واختلف فيها الأئمة، موضحًا كيف أدت إلى محنة الإمام البخاري وإخراجه من نيسابور. ويخلص إلى أن أهل السنة استقروا على أن هذه المسألة مبتدعة لاشتمالها على حق وباطل، فلا يُطلق القول فيها بأن اللفظ مخلوق أو غير مخلوق.
يشرح المحور القدر كركن من أركان الإيمان الستة، ويبين مراحله الأربع: علم الله الأزلي بكل شيء، وكتابته في اللوح المحفوظ، وخلقه للخير والشر بقدر، ومشيئته النافذة. ويستدل المحور على هذه المراتب بآيات قرآنية وأحاديث نبوية صحيحة.
يبيّن المحور أن معنى الآية هو أن لا شيء يحدث في الكون إلا بمشيئة الله وقدرته المطلقة. كما يشير المحور إلى وجود تفسير مخالف للمعتزلة لهذه الآية دون تفصيل قولهم.
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد قضى في الدرس الذي مضى قول المؤلف رحمه الله: «القرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته». وذكرنا مذهب أهل السنة في هذا الباب، وأنه مؤيد لكلام الأئمة المؤلفين؛ هؤلاء أبو حاتم وأبو زرعة، والناقل عنهم الإمام ابن أبي حاتم رحمه الله، ورحمهم الله جميعًا. وأبنا أيضًا قول أهل البدع في هذه المسألة. ومعلوم أن هذه المسألة حصل فيها خلاف شديد، بل إن المعتزلة صارت لهم صولة وجولة في عهد المأمون؛ تأثر المأمون بابن أبي داوود، وكان معتزليًا، وحمل الناس على القول بخلق القرآن، ومن لم يجبه فإنه يقتله. انظروا إلى هذه الفتنة العظيمة! فتن المأمون بهذه الفتنة. أقل شيء للإنسان إذا اعتقد شيئًا من هذه الأمور أن يعتقده في نفسه، أو أنه إن تعثر بمثل هذا فلا يجوز له أن يحمل الناس على أمر هو مشكوك فيه، ليس فيه نص لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس أيضًا فيه قول صحابة، لكن الهوى وأيضًا الضلال بعد الهدى. فلذلك المسلم يستعاذ من الضلال بعد الهدى، كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]. فهؤلاء كالمأمون وغيره، عرفوا أهل العلم وأهل السنة، وكانوا من أزهد الناس في الدنيا وأعلم الناس، كالشافعي، وكذلك أحمد، وكذلك إسحاق، وغيرهم من أئمة الإسلام. لكن كل هذا قد غشى على قلوبهم قول أهل الاعتزال، فما رأوا إلا هذا القول، مع أنه قول باطل بالدلالة. وقد ذكر أكثر من واحد لهم بعض الحجج، وكذلك ذكروا لإخوانهم الذين من بعدهم ممن حمل راية البدع وراية المعتزلة أيضًا، كذلك بينوا لهم أدلة السنة. بين الإمام أحمد للواثق، بين له السنة. أما المأمون فلم يلتقِ به، المأمون لم يلتقِ به وإنما كان سيلتقي به لكن أماته الله عز وجل في الطريق. كان يقول: يرسل إلى إسحاق صاحبه الذي في بغداد: «قل لأحمد: إن التقيت بك سأقتلك». فلما جاء المأمون يريد أن يدخل بغداد، قام أحمد رحمه الله وهو في السجن في آخر الليل، فقال: دعا ربه جل وعلا وقال: «قد غر حلمك هذا الفاجر، قد غر حلمك هذا الفاجر». فنودي في تلك الساعة أن المأمون قد مات، لم يدخل بغداد إلا وهو ميت. كانوا يقولون لأحمد: إن المأمون سيدخل بغداد ويقتلك، كانوا يقولون له ويهددونه في السجن، فقال: يا رب إن حلمك قد غر هذا الفاجر حتى تسلط على أوليائك، فجاء نعيه في تلك الساعة. ثم استخلف بعده الواثق، وفعل مثل ما فعل بل أكثر، وفتن الناس. والمهم حصلت هذه الفتنة العظيمة، مع أنه قد ناظر أحمد، مع أنه ما كان يناظر إلا أنه اضطر إلى المناظرة، وناظرهم. قال: «ائتوني بآية أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على كلامكم أتبعكم». وناظرهم وناظرهم وناظرهم، وجاء لهم بالأدلة النقلية والعقلية، حتى قال مرة للواثق: «أفترون أن القرآن إذا مات كيف ندفنه أو ماذا نفعل به؟» فقال: «اتق الله، كيف القرآن يموت؟» فقال لهم: «أنتم تقولون مخلوق، وكل مخلوق يموت، مادام أنه مخلوق فهو يموت». فهذه حجة عظيمة. وحجة كثيرة وقد ذكر أيضًا عبد العزيز الكناني في المناظرة التي حصلت بينه وبين الواثق، والتي في كتابه الذي سماه «الهداية»، وناظرهم وأفحمهم وأفحمهم في هذه المناظرة، وقال لهم: «هذا الذي تقولونه». وكذلك أيضًا محمد بن نوح، وأيضًا الدارمي، وغيره. قال لهم عبد العزيز الكناني: «هذا الذي تقولونه، هل علمه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لم يعلمه؟» وكان يسأل ابن أبي داوود، قال: «أقول: علمه». فقال: «إن كان علمه، هل وسعه أن يتكلم به؟» فأراد أن يشكك، يقول: «أنا...» قال: «لا، لم يعلم». قال: «فشيء لم يعلمه رسول الله أعلمته أنت؟» قال: «بل أقول: علمه». قال: «إذا كان شيء علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل وسعه أن يتكلم به؟» أنا هل في أحد هناك طاقة أو مثلاً أجبره على لا يتكلم، أو كان في سعة؟ قال: «بل وسعه». قال: «وهل علمه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟» قال: «نعم، علموه». قال: «وهل وسعهم أن يتكلموا به؟» قال: «نعم». ثم ذكر التابعين، فقال: «شيء وسع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه والتابعين من بعدهم، فلم يسعك أنت يا لكع بن لكع؟» أنا ما دام أنه قد وسعهم أن يتكلموا فلم يتكلموا، فلماذا أنت تتكلم؟ أقل شيء أنك تسكت مثل ما سكت، ما دام أنهم علموا هذا وسكتوا، فأنت اسكت مثلهم، لماذا تتكلم أنت؟ فهذه ضل حجة عليهم. وذكر لهم أشياء كثيرة، معانٍ عجيبة جدًا، معانٍ تجعل الواحد لا يتردد ولا يتشكك في هذه المسألة أبدًا. طيب، ثم قال رحمه الله العبارة الأخيرة: «القرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته». والمراد كما قلنا بجميع جهاته: مهما كان، بأي شيء حصل، كتب في المصاحف فهو كلام الله، قرأه القارئ فهو كلام الله، سمعه السامع فهو كلام الله، سمع كلام الله وقرأ كلام الله وكتب كلام الله، كل هذا كلام الله. لكن المكتوب والمقروء والمسموع كلام الله، لكن الكتاب الذي كتب فيه، أو الورق الذي كتب فيه مخلوق، والرجل الذي تكلم به صوته لا شك أنه مخلوق. وكما قال العلماء: الصوت صوت القارئ، والكلام كلام البارئ. لكن لما كان هذا اللفظ فيه إشكال، هو قولهم: «لفظي بالقرآن مخلوق»، أنكره الأئمة لأن فيه إشكال. «لفظي بالقرآن مخلوق»، ماذا تعني «لفظي بالقرآن مخلوق»؟ هل تعني القرآن نفسه، أو الصوت؟ فإن كان القرآن نفسه فهذا قول جهمية. ولهذا أول من ابتدع هذه المسألة يقال إنه الكرابيسي، وأيضًا أبو ثور الكلاعي رحمه الله. أما أبو ثور فكان من أصحاب الشافعي، أراد أن يتوسط في المسألة، فجاء بمثل هذا القول. فأما أبو ثور، فلما رأى العلماء يحذرون من هذا القول، وهو الإمام أحمد رحمه الله، رجع عن هذه المسألة. وأما الكرابيسي فلم يرجع، وتطاول على العلماء، لأن أهل البدع هكذا تجد الهوى يرضيهم. أول ما يناظرون تجد أنهم يحترمون الأئمة ويثنون عليهم، مثل هذا الكرابيسي كان يثني على الإمام أحمد، يقول: «أحمد رجل موفق، مثله يوفق إلى الحق». لكن لما خالفه تكلم على أحمد، قال: «هذا صبي، هذا كذا، هذا ما ندري ما نقول، قلنا مخلوق قال أنتم جهمية، قلنا غير مخلوق قال أنتم مبتدعة»، وغيرها من هذا الكلام الذي تكلم به. حتى لما نقل ذلك لابن معين أن الكرابيسي يتكلم في الإمام أحمد، قال: «لعن الله ما حوجه للضرب، ما حوجه لأن يجلد، من يتكلم في أحمد إلا رجل مريض، رجل مبتدع، صاحب هوى». فلهذا انغمس الكرابيسي في هذه البدعة، وأخذها منه كثير، أخذها بعض الناس من الكرابيسي. وكان بعض الأئمة لا يريد أن يتكلم في هذه المسألة لما حصل فيها من الجدال، ومنهم الإمام البخاري رحمه الله. الإمام البخاري ما كان يحب أن يتكلم في هذه المسألة، أي هل يقول مخلوق أو غير مخلوق، لفظي بالقرآن هل مخلوق أو غير مخلوق. وكان بعض أهل العلم كالبخاري يقول: «إن هذه المسألة مبتدعة». بل لما محمد بن إسماعيل نفسه كان يقول: «من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع». لماذا؟ لأن هذه مسألة مشكلة فيها حق وفيها باطل، فلذلك الأفضل أن الإنسان لا يتكلم فيها. ولهذا لما جاء الإمام البخاري رحمه الله إلى نيسابور، وكان شيخهم ومقدمهم في نيسابور محمد بن يحيى الذهلي، محمد بن يحيى بن خالد الذهلي القرشي، فلما جاء البخاري استقبله استقبالًا عظيمًا، واستقبلوه في خارج البلاد، أهل نيسابور معظمين للبخاري. ثم عقدت له المجالس، وكان يحضر المجالس مئات أو آلاف الناس يحضرون مجلس البخاري في نيسابور. ثم أن هناك من يحب الفتن، يحب القلاقل بين أهل السنة، بين أهل العلم، فقام أحدهم وقال لمحمد بن يحيى الذهلي: «إن البخاري يقول بخلق القرآن، أو باللفظ يقول: إن لفظي بالقرآن مخلوق، على قول الكرابيسي». فأرسل محمد بن يحيى الذهلي رجلًا من أصحابه يسأل البخاري عن هذه المسألة. فذهب إلى مجلس البخاري، لما انتهى من المجلس قال: «يا أبا عبد الله، أسألك». قال: «سل». قال: «هل تقول: لفظي بالقرآن مخلوق؟» قال: «هل تقول: لفظي بالقرآن مخلوق؟» فقال له البخاري: «أفعال العباد مخلوقة، أفعال العباد مخلوقة». وعاد عليه السؤال، قال: «أفعال العباد مخلوقة»، ولم يزد على ذلك. فذكروا لمحمد بن يحيى، إما أنه ذكروا له أنه قال باللفظ، أو أنهم ذكروا أنه لا يريد أن يتكلم وهو قد قال، أو أنه يعتقد ذلك وهو لا يريد أن يتكلم. والمتعمل في القصة كأنهم قالوا له: «إن البخاري يقول بهذا القول». سألنا فقال بهذا القول، وهو بريء، لم يقل أبدًا شيئًا من هذا. ولهذا كان يقول رحمه الله: «من قال عني من أهل نيسابور إني قلت: إن القرآن، لفظي بالقرآن مخلوق، فهو كاذب، فهو كاذب». لم يقل البخاري أبدًا: «لفظي بالقرآن مخلوق». لكن انتشر عند النيسابوريين هذا، وتلقفه أو وصل ذلك إلى محمد بن يحيى، ومحمد بن يحيى يعتبر شيخًا للبخاري، فتكلم بعد ذلك في البخاري بكلام شديد، حتى أخرج من نيسابور، أخرج البخاري من نيسابور. وكان أيضًا في المجلس، في مجلس محمد بن يحيى الذهلي، مسلم بن الحجاج النيسابوري صاحب كتاب الصحيح، وكذلك محمد بن مسلم بن وارة، وأبو حاتم وأبو زرعة، أولًا كلهم كانوا في مجلس محمد بن يحيى رحمه الله. فقال محمد بن يحيى: «أحرج على كل من يقول بأن لفظي بالقرآن مخلوق أن يقوم، أو ليقوم من مجلسي». أحرج على كل من يقول: «لفظي بالقرآن مخلوق» أن يقوم من مجلسي. فظن مسلم أنه عناه، مسلم بن الحجاج، لأن مسلم كان صاحب البخاري وتلميذه وقريبه، فظن أنه يقصده، فقام ونفض ثيابه وقام من المجلس. وقام أيضًا محمد بن مسلم بن وارة. وخرج مسلم رحمه الله من هذا المجلس على أنه يظن أن محمد بن يحيى يعرض عليه. والمهم أن هذه كانت فتنة عظيمة حصلت أيضًا، مثل فتنة القرآن، أو مثل فتنة أن القرآن مخلوق، إلا أن تلك الفتنة قام بها المأمون وغيره، وأما هذه الفتنة فحصلت بين أهل العلم: «لفظي بالقرآن مخلوق». ولهذا أبو بكر بن إسحاق الفقيه من تلاميذ محمد بن إسحاق بن خزيمة، أخذ هذه المقالة عن الكرابيسي، وظن أنها صحيحة، وظن أنها حق، فكان يتكلم بها. وكان ابن خزيمة لا يعرف أنهم يتكلمون في هذا. ثم أنه عرف أن بعض أصحابه من هؤلاء الكبار، ومنهم هذا أبو بكر بن إسحاق الفقيه وغيرهم، كانوا يقولون باللفظ. فجمعهم محمد بن إسحاق بن خزيمة، وقال: «إني سمعت أنكم تقولون كذا وكذا، فمن قال بهذه المقالة فأنا بريء منه». فتنصلوا عن هذه المقالة، قالوا: «نحن ما قلنا، ونحن كذا»، لأن الإنسانحيانًا لما يحاصر في قوله تجده يخرج، يخرج نفسه بأعذار. لما جاء داود، داود الأصفهاني، داود بن علي صاحب المذهب الظاهري، لما جاء إلى أحمد واستأذن عليه، فقال عبد الله بن أحمد: «يا أبي» أو صالح قال: «يا أبي، رجل من أصفهان يريد أن يدخل عليك». قال: «أو من هو؟» قال: «لم يسمِ نفسه»، وهو يعرف الظاهر، عبد الله يعرف أنه داود بن علي. فقال: «من هو؟ قل له: من اسمه، ما اسمه؟» فقال له: «داود بن علي». قال: «لا يدخل علي، فإن محمد بن يحيى الذهلي أخبرني أنه يقول باللفظ». فتعذر، وأدخله صالح، وتعذر عن الإمام أحمد أنه لم يقل هذا وكذا، وإنما قال كذا وكذا. فقال له محمد بن يحيى: «أوثق منه». والمهم أن هذه أيضًا كما قلنا حصلت فتنة بين العلماء، لكن ما كان لله يبقى، فبقي قول أهل السنة، قول الإمام أحمد ومن معه، على أن هذه المسألة مسألة مبتدعة، ولا يجوز للرجل أن يطلقها هكذا: «لفظي بالقرآن مخلوق»، لأن فيه حق وباطل. فلذلك استقر أهل السنة على هذا، وأما القول باللفظ فإنه صار قولًا مبتدعًا. فالمهم أن مثل هذه... فهذا المؤلف رحمه الله أراد هذا، قوله: «بجميع جهاته»، أراد أنه سواء كان كتب، أو قرأ، أو سمع، أو غير ذلك، فهو كتاب الله جل وعلا وكلامه سبحانه وتعالى، بحرف وصوت. طيب، قال: ندخل إن شاء الله. قال رحمه الله: «وقال: والقدر خيره وشره من الله عز وجل». هذه أيضًا عقيدة أهل السنة في القدر. والقدر أيها الأخوة الكرام هو مهم جدًا من أركان الإيمان الستة. وهذه المسائل كلها أيضًا هي متعلقة بالأركان، متعلقة بأركان الإيمان، ولكن القدر ركن بذاته، كما جاء في حديث جبريل، لما قال لهم: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره». خيره وشره. وقال النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا: «لا يؤمن أحدكم حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه». وقد قال الله عز وجل قبل ذلك: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: ١٢]. وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]، أي من قبل أن نوجدها ونخلقها وننشئها، ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. فالله عز وجل قدر هذه المصائب وكتبها قبل أن تخلق، ﴿إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. فلذلك ربنا جل وعلا جعل هذا القدر، كما قال الإمام الطحاوي: «هو سر الله في خلقه». فالقدر هو ما قدره الله سبحانه وتعالى في الأزل، والقضاء هو ما قضاه الله عز وجل في الكون. وقيل العكس: قيل إن القضاء هو ما قضاه الله عز وجل أزلًا وهو في اللوح المحفوظ، كتبه بعد، فجل وعلا علمه ثم كتبه، كتبه في اللوح المحفوظ، وأيضًا كذلك. فهذا هو القضاء، والقدر هو ما وقع من خلقه، وأيضًا ما كان تحت مشيئته سبحانه وتعالى. والأمر سهل، سواء كان هذا وهذا، وهو قضاء وقدر. وقلنا أن القدر هو ما قدره أزلًا، والقضاء ما قضاه كونًا، أو العكس: القضاء ما قضاه أزلًا، والقدر ما قدره كونًا. طيب، وأيضًا كذلك أن هذا القدر له أربع مراتب، له أربع مراتب ذكرها العلماء. المرتبة الأولى: العلم. المرتبة الأولى هي علم الله عز وجل بكل شيء، وهو بكل شيء عليم. وهذا العلم الذي يسميه العلماء العلم الأزلي والعلم الأبدي، الذي هو صفة الله، صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، وأنه علم كل شيء، جل وعلا، علم ما كان وما يكون وما سوف يكون، ولو كان فهو سبحانه وتعالى علمه عظيم. فهذه المرتبة الأولى: علمه جل وعلا. والمرتبة الثانية: كتابته، أو كتابة هذه المقادير، كتابة هذه المقادير، كما ذكرنا في الآية. وقال الله عز وجل أيضًا في قال: لما قال فرعون لموسى: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ﴾ [طه: ٥١]، قال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَىٰ﴾ [طه: ٥٢]. علمها عند ربي في كتاب، وهو علمها سبحانه وتعالى ووضعها في كتاب، وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ. وجاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صحيح مسلم: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله كتب مقادير الخلق، إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». وأخرج أيضًا أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبادة بن الصامت أنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: أول ما خلق الله القلم». أول ما خلقه، هذا التفسير الصحيح: «أول ما خلقه، أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب». قال: «وما أكتب؟» قال: «اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة». قال: «اكتب كل شيء حتى تقوم الساعة». وأن كل حدث من هذه الأحاديث، أو من الأحداث التي تحصل في الكون، فاكتبها، قال له: «مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة». فكتب الله عز وجل هذه المقادير في اللوح المحفوظ. وهذا شيء عظيم، وأن هذه الأحداث كلها منذ أن خلق الله عز وجل الأرض ومن عليها، بل منذ أن خلق السماوات، بل أن الحديث جاء أنه كتبها قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. أنا كتب مقادير الخلق منذ أن خلقهم الله إلى يوم القيامة. ولهذا قال ربنا جل وعلا في هذا الأمر وهذا الصدد، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]. هذه المقادير العظيمة منذ ذلك الوقت لا تكفيها هذه البحار. لو أن ما في الأرض من شجرة، والبحر يمده سبعة أبحر، هذه الشجرة أقلام، والبحر مداد، ما نفذت كلمات الله. وقال في آية الكهف: ﴿لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]. فربنا جل وعلا عظيم سبحانه وتعالى، ومقاديره عظيمة. وأيضًا ما كتب في اللوح المحفوظ شيء عظيم لا تطيقه أقلام الدنيا، ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، أن كل شجرة في هذا الأرض تصير قلمًا، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر. هذه عظمة الله جل وعلا، وكتابة هذه المخلوقات وما قدر لها. ثم بعد ذلك المرتبة الثالثة: هي مرتبة الخلق. أن خلق سبحانه وتعالى هذا الخير والشر، خلق الله عز وجل الخير والشر، كما جاءت به الآيات، جاءت به الآيات، وكذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تؤمن بالقدر خيره وشره». أي أن الله عز وجل خلقه، خلق الخير وخلق الشر. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. أن كل شيء، داخل فيه الخير والشر، كل شيء خلقناه بقدر. وأيضًا جاء في الحديث: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وحلوه ومره». ما جاء في رواية في صحيح مسلم: «وحلوه ومره». معنى خيره وشره، وما كان نعمة وما كان نقمة، كله من الله. وسيأتي إن شاء الله تعالى معنا الكلام على قول أهل البدع في هذه المسائل. ثم المرتبة الرابعة: وهي مرتبة المشيئة. مرتبة المشيئة، وهي لا يكون في هذا الكون شيء إلا بمشيئة الله وإرادته سبحانه وتعالى. لا شيء يقع في هذه المعمورة إلا بمشيئة الله، لا يقع شيء بغير مشيئة، كما قال الله عز وجل: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، أو قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. وأيضًا يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]. يريدون أن يتنصلوا عن مشيئة الله جل وعلا. وأيضًا ما ذكره الله عز وجل في مشيئته، وكل شيء، قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]، وهو بكل شيء عليم. قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، معنى: لا يحصل شيء في هذا الكون إلا بمشيئته سبحانه وتعالى. وأما تفسير المعتزلة لهذه الآية: ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ