كيف نستثمر رمضان

كيف نستثمر رمضان

الخطبة بعنوان كيف نستثمر رمضان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 29 شعبان 1446هـ الموافق 28 فبراير 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

استثمار رمضان بأداء الفرائض والإكثار من تلاوة القرآن

يؤكد الخطيب على أهمية استقبال رمضان بنية صادقة واستغلاله في أداء الفرائض كأحب القربات مع الحذر من المفطرات المعنوية. ويخصص الحديث عن أول ثلاث عبادات نبوية في رمضان وهي الإكثار من قراءة القرآن ومدارسته مستدلاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل وسير السلف الصالح.

أبرز العبادات في رمضان: تلاوة القرآن وقيام الليل وإطعام الطعام

يستعرض المقطع فضائل تلاوة القرآن في رمضان واستثناء النهي عن ختمه في أقل من ثلاث لفضيلة الزمان. ويبين مشروعية صلاة التراويح جماعة وأجر من صلى مع الإمام حتى ينصرف مع الحث على الجود وإطعام الطعام اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.

فضل تفطير الصائمين والصدقة في رمضان وآدابها والتحذير من إضاعة الوقت

يبرز المقطع فضل تفطير الصائمين في رمضان وأجر الصيام العظيم الذي اختص الله به نفسه مع تأكيد أن الصدقة برهان على صدق الإيمان. ويحذر من إضاعة أوقات رمضان في المسلسلات والشاشات التافهة مبيناً أن من فاته مغفرة رمضان فقد خاب وخسر.

الدعاء ببلوغ رمضان والاستعداد للطاعات

يحث الخطيب على تقوى الله واستثمار موسم رمضان في الطاعات داعياً الله أن يبلغهم رمضان وأن يعينهم على الصيام والقيام وقراءة القرآن. ويختتم بالصلاة على النبي والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، سيحل علينا لعله يوم غد ضيف كريم وشهر مبارك عظيم وموسم للخيرات جسيم، ألا وهو شهر رمضان، شهر التوبة والغفران، شهر تزايد الحسنات وتكفير السيئات وإقالة العثرات، شهر الخيرات والبركات. فينبغي للمسلمين أن يستغلوا هذا الشهر بما يناسب عظمته وقدسيته وفضله وجلالته، فينوي العبد من هذا اليوم أنه إن وفقه الله لإدراك هذا الشهر ليرينا الله من نفسه خيرا كثيرا. فشهر يا عباد الله، وفقنا للقرب منه وخص بهذه الخصائص والمزايا العظيمة، كيف نستثمره؟ كيف نستغل أيامه ولياليه بالخيرات والطاعات والقربات؟ كيف نزيد من رصيد حسناتنا في هذا الشهر المبارك؟ اعلموا عباد الله أن أعظم ما ينبغي علينا أن نحرص عليه في هذا الشهر أداء الفرائض والواجبات، فهو أحب شيء يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». فاحرص يا عبد الله في هذا الشهر أن تقيم فرائض الله، أن تحافظ على الصلوات الخمس في جماعة، أن تحسن إلى والديك وأن تبرهما، وأن تحذر من عقوقهما، أن تصل أرحامك وأن تحسن إليهم، وأن تحذر من قطيعتهم، أن تحسن إلى جيرانك وأن تتودد إليهم بعطائك وجودك وإحسانك، وأن تحذر من أن تصل إليهم من شرورك وغوائلك. احرص يا عبد الله في هذا الشهر أن تتخلص من المظالم، وأن تتخلص من المال الحرام، فهذا أحب ما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى أولا.وكذلك أن تحرص على إتمام صومك، وأن تصوم رمضان إيمانا واحتسابا، وأن تبتعد عما يخدش الصوم، عما يخدش الصوم أو ينقصه من الغيبة أو النميمة أو السب أو الجهل أو الشتم أو نحو ذلك من المعاصي والمحرمات. ثم بعد ذلك تزود يا عبد الله من أبواب الخير والطاعات والقربات، فهو موسم عظيم ومرتع يرتع فيه المؤمن بالتنقل من طاعة إلى أخرى. وأختصر في هذا المقام على ثلاث عبادات كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص عليها ويكثر منها في هذا الشهر الفضيل، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخرة وذكر الله كثيرا﴾ [الأحزاب: 21]. فمن أول هذه العبادات التي ينبغي أن نستثمر فيها أوقات هذا الشهر وأن نكثر منها قراءة القرآن، فإن رمضان يا عباد الله شهر القرآن، إذ أنزل فيه: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾ [البقرة: 185]. ومما زاد القرآن شرفا وعظمه أنه أنزل في ليلة عظيمة، ليلة مباركة، إنها ليلة القدر: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: 3]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: 1]. ولذلك كان نبينا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم يكثر من قراءة القرآن ومدارسته في رمضان، فكان يأتيه جبريل فيدارس نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يعرض القرآن في رمضان على جبريل مرة في السنة، إلا السنة التي توفي فيها عليه الصلاة والسلام فعرض القرآن على جبريل مرتين. استدل العلماء بهذا الحديث الذي هو من حديث ابن عباس، وجاء من حديث عائشة في الصحيحين، على فضل مدارسة القرآن في رمضان، وعلى تعاهد حفظه، وعلى كثرة تلاوته. وكذلك كان لسلفنا الصالح عناية عظيمة بإقبال على القرآن في رمضان، فقد ذكر ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في لطائف المعارف آثارا كثيرة تدل على حرص سلفنا الصالح على الإكثار من قراءة القرآن ومذاكرته في رمضان. من ذلك من تلكم الآثار ما جاء عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه أنه كان يقرأ القرآن في رمضان فيختمه في ليلة، أو في يوم واحد، كل يوم له ختمة كاملة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وجاء عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه في رمضان كان يختم ستين ختمة، بمعدل في اليوم الواحد ختمتان، وهذا يسير على الماهر بالقرآن والمتقن لقراءته.وهكذا جاء نحو ذلك عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى،وجاء عن الأسود أن له في كل ليلتين ختمة في رمضان. وجاء عن الإمام الزهري رحمه الله تعالى أنه إذا دخل رمضان قال: «إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام». وإذا قال قائل: ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم كما في الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: «لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث»؟ فما الجمع؟ جمع الإمام أحمد وإسحاق وغيره من السلف أن المراد بالحديث على وجه الاستمرار، وأما في الأوقات والأماكن الفاضلة فيستثنى النهي من هذا الحديث لفضيلة الزمان أو المكان، كقراءة القرآن في رمضان، أو في ليلة القدر، أو في مكة لمن دخل إليها من غير أهلها. وعلى هذا عمل كثير من السلف كما سمعت في بعض الآثار. فاحرصوا يا عباد الله أن تعملوا أوقات هذا الشهر بالجلوس مع كتاب الله، فهو خير أنيس، وهو أفضل كتاب، وهو أجر وثواب. يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن مسعود عند الترمذي: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف»، فضرب عشرة في عدد أحرف القرآن فكان الناتج أكثر من ثلاثة ملايين حسنة، إذا قرأت القرآن وتضاعف لك في كل حرف عشر حسنات، ستجد من الحسنات أكثر من ثلاثة ملايين حسنة. وإن كان الأجور لا ينبغي أن تحسب لأن فضل الله واسع، فهو يضاعف لمن يشاء، ولكن مراد من حسب بيان فضل قراءة القرآن والأجر العظيم الذي يترتب عليه ذلك العمل الصالح. فأقبلوا يا عباد الله على قراءة كتاب الله سبحانه وتعالى. وكذلك عباد الله من العبادات التي كان يحرص عليها النبي صلى الله عليه وسلم ويحث عليها قيام رمضان، فهو القائل عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». ولقد صلىها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد أربع ليال، وفي كل ليلة يزيد الصحابة، لما علموا من جمع النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة في هذه الصلاة، فلما كثر الناس ترك ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن تفرض على أمته، فهي من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك أحياء الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه لما رأى الناس في المسجد يصلون أوزاعا أي متفرقين، فجمعهم على إمام واحد، جمعهم على أبي بن كعب، ثم قال: «نعمة البدعة هذه»، أي البدعة اللغوية ليست الشرعية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعلها، فلما زال سبب الفرضية وهو موت النبي عليه الصلاة والسلام أعادها عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقبح الله الروافض الذين ينكرون مشروعية هذه الصلاة ويلزمون الناس بعدم صلاتها، وما ذاك إلا لجهلهم ولأهوائهم ولانحراف طريقتهم ومنهجهم. وكذلك من خصائص هذه الصلاة في رمضان خاصة أن شرعت جماعة كي تسهل على المسلمين وينشطون على أدائها، ورغب النبي صلى الله عليه وسلم في صلاتها مع الإمام حتى ينصرف، فقد جاء عند الإمام أحمد من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن صلى مع الإمام حتى ينصرف»، أي من صلى صلاة التراويح مع الإمام جماعة حتى ينصرف، أي حتى ينتهي من صلاته، كتب له قيام ليلة. دقائق معدودة تصليها مع الإمام في هذه الصلاة تنال بها هذا الأجر العظيم، كأنك قمت الليل من بعد صلاة العشاء إلى قبيل طلوع الفجر. فاحرص أيها المسلم المبارك في هذا الشهر الفضيل أن تحافظ على هذه الصلاة وأن تقبل عليها وأن تؤديها بطمأنينة وخشوع وسكينة. فنسأل الله بمنه وكرمه أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول ما سمعتم وأستغفر الله. الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون عباد الله، ومن تلك العبادات التي كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يحرص عليها في رمضان ويكثر منها ما لا يكثر في غير رمضان الجود والبر والإحسان بإطعام الطعام. فقد جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة». وكذلك كان سلفنا الصالح يقبلون على هذه العبادة في رمضان إقبالا عظيما، وقد مر معنا أثر الزهري رحمه الله تعالى أنه قال: «إذا دخل رمضان كان يقول: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام، تلاوة القرآن وإطعام الطعام». يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «إعانة الفقراء بالطعام في رمضان هو من سنن الإسلام، هو من سنن الإسلام». فاحرص يا عبد الله أن تكون لك صدقات وأن يكون لك إنفاق في هذا الشهر الفضيل. ومن الجود والبر والإحسان في رمضان تفطير الصائمين، ففيه أجر عظيم، فقد جاء عند الترمذي وغيره من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن فطر صائما كان له مثل أجره لا ينقص من أجر الصائم شيئا، أي من فطر صائما نال أجر الصائم في قيامه بهذه العبادة وهي الصيام». أتدرون يا عباد الله وهل تدرون يا عباد الله أجر الصائمين؟ إن أجر الصائمين قد أضافه الله عز وجل إلى نفسه ولم يجعل له حدا ولا عددا، ليدل ذلك على عظيم أجر الصائم، إذ أن ربنا الكريم الشكور سبحانه وتعالى هو الذي يعطي هذا العبد جزاء صيامه. «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به»، هكذا جاء في الحديث القدسي في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. عباد الله، إن الجود والبر والإحسان مرغب فيه في كل وقت وحين، فقد قال ربنا سبحانه وتعالى في وصف الصابرين أهل الجنة: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا﴾ [الإنسان: 8]. وكذلك فإن الجود والبر والإحسان دليل وبرهان على صدق إيمان العبد، فقد قال نبي عليه الصلاة والسلام كما في مسلم من حديث أبي مالك الأشعري: «والصدقة برهان، والصدقة برهان». يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى عند شرحه لهذا الحديث في شرحه لصحيح مسلم: «والصدقة حجة على إيمان فاعلها، فإن المنافق يمتنع منها لأنه لا يعتقدها، فمن تصدق كان هذا دليلا على صدق إيمانه». فاحرصوا يا عباد الله على الجود والكرم والبر والإحسان في هذا الشهر المبارك. اعمل لنفسك أخي المسلم، اعمل لآخرتك، فإن من فضائل الصدقة أنها تضللك يوم القيامة من حر الشمس ومن شدة العرق يوم القيامة. جاء في حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه عند ابن حبان وابن خزيمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين العباد، كل امرئ في ظل صدقته»، يعني هذه الصدقة تكون لك ظلا يوم القيامة. ومما كذلك بمعنى هذا الحديث ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظل يوم لا ظل إلا ظله، ومن هؤلاء السبعة قال عليه الصلاة والسلام: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»، من شدة إخفاء هذه الصدقة. وهذا فيه يا عباد الله أن المتصدق يحرص على إخفاء صدقته فهو أدعى إلى الإخلاص. وقد قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعم ما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: 271]. فأخفي صدقتك إن استطعت، إن استطعت أن لا يرى عملك هذا إلا الله سبحانه وتعالى أو من وكلته بهذا العمل، فافعل، فتكون لك خبيئة حسنة يوم القيامة. واحذر من الأمور التي تفسد عليك إخلاصك كإظهار هذه الصدقة أو تصوير الفقير ونشر ذلك وإشهار ذلك، فإن هذا مما يخدش في إخلاصك. وكذلك يراعى في الصدقة عدم إهانة الفقير أو المن عليه أو كذلك إذلاله، فقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى﴾ [البقرة: 263]. لا تؤذي الفقير وإنما أشعره أن إعطاءك هذا رحمة منك وحبا وتعاطفا معه. وكذلك يقول الله عز وجل يبين أن الرياء والمن سبب لإحباط أجر الصدقة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: 264]. لا تمن على الناس بعطائك، احفظ على أجر صدقتك. فهكذا يا عباد الله هذه أعمال جليلة ينبغي علينا أن نكثر منها في رمضان، وأن نحذر من قطاع الطرق الذين يقيفون ويحيلون بيننا وبين الإكثار من هذه الأعمال. ولنحذر كذلك من سراق الأوقات الذين يأخذون علينا أوقاتنا من غير فائدة ومن غير نفع. نحذر يا عباد الله من المسلسلات ومن التلفزيونات ومن شاشات الجوالات ومن التنقل من الموقع إلى آخر أو من قناة إلى أخرى أو من برنامج إلى آخر، فإن هذا يفسد عليك حلاوة هذا الشهر ويفسد عليك استغلالك لهذا الشهر. كيف تستطيع أن تختم ختمة أو أن كذلك تقرأ كثيرا من القرآن وأنت منشغل بغير القرآن، منشغل بأمور تافهة من لعب أو لهو أو سهر أو نحو ذلك؟ فإن أعداء الإسلام لا يريدون أموالكم وإنما يريدون أن يحولوا بينكم وبين خير هذا الشهر وبركة هذا الشهر. ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم، والله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ألا فتعرضوا يا عباد الله لنفحات ربكم في هذا الشهر المبارك، واعلموا أنه لا ينال أجر وفضل هذا الشهر إلا من اتخذ الأسباب في مغفرة الذنوب وفي زيادة الحسنات. قال عليه الصلاة والسلام: «رغم أنف امرئ دخل عليه رمضان وخرج فلم يغفر له». كيف لم يغفر له؟ لم يصل التراويح ولم يصم إيمانا واحتسابا ولم يعمل الطاعات والقربات في هذا الشهر المبارك، بل ضيع أوقاته وحرم نفسه من تلك الأعمال الصالحة في رمضان. ألا فلنتق الله يا عباد الله ولنستثمر هذا الموسم فيما يقربنا إلى الله وفيما ينفعنا يوم لقاء الله سبحانه وتعالى. أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يبلغنا رمضان وأن يعين فيه على الصيام والقيام وقراءة القرآن وسائر الأعمال والطاعات والقربات، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.