الدرس في شرح كتاب عقيدة الرازيين 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الدرس بتقديم عقيدة الرازيين موضحاً اتفاق أئمة الحديث على عقيدة السلف في إثبات الصفات والعلو، ثم يسرد ترجمة مفصلة للإمام أبي حاتم الرازي من سير الذهبي مبيناً نسبه ورحلاته ومصنفاته ومنزلته العلمية النظيرة للإمام البخاري.
يبرز المقطع مكانة أبي حاتم الرازي كأحد أئمة الحديث الحفاظ مستعرضاً شيوخه الذين جاوزوا ثلاثة آلاف وتلاميذه من كبار الأئمة، كما يصور شدة حرصه على طلب العلم في جميع الأوقات ووفاته وهو يسأل عن حديث مما يعكس تفاني السلف.
يسرد المقطع ثناء الأئمة على أبي حاتم وأبي زرعة بوصفهما من أورع العلماء وأحفظهم وإمامي خراسان، ويبرز مهارتهما في علل الحديث ونقد الرجال مع مثال بارز لقدرة أبي حاتم على تمييز الأحاديث المعلولة والموضوعة بمجرد معرفة المتون والأسانيد.
يشبه أبو حاتم الرازي معرفة المحدثين بالحديث الصحيح والموضوع بخبرة الصيارفة في تمييز العملة المزيفة بالممارسة، معتمدين على عدالة الرواة وسلامة المتن، وتدل قصة أبي الوليد الطيالسي على سعة حفظ العلماء واستيعابهم للأحاديث.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فإن شاء الله تعالى قررنا في هذا الوقت أن يكون الدرس في عقيدة الرازيين، والمقصود بالرازيين: أبو حاتم الرازي وأبو زرعة. وقد كتب هذه العقيدة عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن أبي حاتم رحمه الله، كتبها عن أبيه وعن أبي زرعة. وسنذكر هنا ترجمة حتى نتعرف على هذين الإمامين: الإمام أبي حاتم والإمام أبي زرعة، وأيضا نعرف منزلتهما في العلم، ونعلم بعد ذلك أن هناك أئمة عظماء وأئمة كبار يقولون بعقيدة السلف، لا كما تدعي الأشاعرة أن أكثر العلماء معهم، وإنما معهم طابور من المقلدين أو من المقلدين، وأئمة الكبار ليس أحد معهم. حتى الأشعري نفسه قد تراجع عن عقيدته، فهناك بعض المبتدعين كالباقلاني وغيره، أخذوا معهم على عقيدتهم في بعض الأشياء، لكن أكثر أئمة الحديث وأئمة السنة ليس مع هؤلاء، وهذا يدلك على بطلان قولهم. ومن هؤلاء الأئمة: أبو حاتم وأبو زرعة، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وكذلك أيضا من في طبقتهم: البخاري ومسلم، ومحمد بن يحيى، وكذلك أيضا من أئمة الإسلام بعد الأئمة كتلاميذ الشافعي رحمه الله: كالبويطي والمزني، وكذلك من تلاميذ مالك: الأشهب بن عبد العزيز، وكذلك ابن عاصم، ويحيى بن يحيى الليثي، وكذلك من تلاميذ أحمد: هؤلاء مثال فقط من تلاميذ أحمد، وهم كثر: المروزي والأثرم، وكذلك أبناءه: عبد الله وصالح، وغيرهم من أئمة الإسلام. فكانوا كلهم على عقيدة السلف في إثبات الأسماء والصفات، وفي إثبات علو الله عز وجل على خلقه، حتى جاء بعض أهل البدع كمحمد بن سعيد بن كلاب، فنفى أو عطل صفة العلو وغيرها من الصفات، خاصة الصفات الفعلية، فأنكر الاستواء، وأنكر الإتيان والمجيء وغير ذلك. فنحن هنا نقرأ إن شاء الله ترجمة، أولا نقرأ ترجمة أبي حاتم، وإن كان هناك وقت قرأنا ترجمة ابنه عبد الرحمن؛ لأنه هو الذي نقل هذه العقيدة. طيب، قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في السير: "أبو حاتم الرازي: محمد بن إدريس بن المنذر بن داود المهراني، الإمام الحافظ الناقد، شيخ المحدثين، الحنظلي الغطفاني من تميم، ابن حنظلة بن يربوع. وقيل: عُرف بالحنظلي لأنه كان يسكن في درب حنظلة بمدينة الري". الري هذه منطقتهم التي ينسب إليها الرازي. وكما قد ذكرنا قبل أن المناطق العجمية غالبا النسبة لا تكون على حسب الاسم، ليس كالعرب؛ فإن العرب غالبا تكون النسبة على الاسم: مكي، مدني، يمني أو يماني، أو كذلك بصري، كوفي، تكون على نسبة البلد أو على نسبة القبيلة: قرشي، هاشمي، وكذا. لكن العجم أحيانا يتغير بعض الحرف. فمثلا كما قلنا: الري مدينة الري وهي من مدن فارس، النسبة إليها رازي. النسبة إليها رازي. أيضا مدينة مرو النسبة إليها مروزي، مروزي، وهناك مرو الرود النسبة إليها مروزي. وأما بيهق ونيسابور وكذلك خراسان نفسها فالنسبة إليها: خرساني، بيهقي، نيسابوري، وهكذا. فهنا أبو حاتم الرازي لأنه من مدينة الري. قال: "كان من بحور العلم، طوف البلاد، وبرع في المتون والإسناد، وجمع وصنف، وجرح وعدل، وصحح وعلل". كان من بحور العلم أي علمه واسع. وقوله: "طوف البلاد" أي بالرحلة، ورحلة أبي حاتم مشهورة أو رحلاته مشهورة، كان يتردد بين البلاد: بين بغداد والشام وغيرها. حتى قال: "عددت خطواتي فخرجت من الري وأنا عدت حتى بلغت ألف خطوة، فيئست، أنا بلغت ألف خطوة، فلما بلغ ذلك العدد يئس من العدد". وهو الظاهر كان يريد أن يعرف المسافات فكان يعد خطواته. وقد لقي الإمام أبو حاتم رحمه الله مشقة كثيرة في سفرياته، حتى كاد أن يموت في بعض السفريات التي يخرجها لطلب العلم. فإنه خرجوا مرة وركبوا البحر، فانكسرت بهم سفينة، كسرت، جاءت الأمواج وكسرت الألواح، فغرقوا. ثم إن البحر ألقاهم إلى شاطئ قريب. قال: "فخرجنا في هذا الشاطئ نمشي ولم نجد أحدا"، يعني ما وجدوا بلادا، ومشوا حتى كادوا أن يموتوا من شدة العطش، ما عندهم ماء، ووجدوا أماكن أو مفاوز عظيمة، طريق كبيرة ليس فيها أحد، حتى أنهم كادوا يموتون من العطش. حتى أن الله عز وجل يسر لهم سفينة، رأوهم من بعيد فنزلوا إلى البر، ووجدوا أبا حاتم ومن معه قد كادوا يهلكون، بل هلك بعضهم، فجاءوا بالماء وسقوهم الماء، وأخذوهم معهم في السفينة. لأن الإنسان لما يسافر، وكذا كانت خاصة قديما، كان السفر شاقا جدا: إما مشي على أقدام، وإما على الأباعر، وإما أيضا كذلك على البحر، فيجدون مشقة عظيمة. قال رحمه الله: "برع في المتون والإسناد"، أنا عنده معرفة في المتون والأسانيد، "وجمع وصنف"، جمع كلامه العلم وجمع أيضا من مصنفات العلم القديمة، وصنف أيضا مصنفات، وصنفها له ابنه عبد الرحمن. ومن تلك المصنفات: العلل، وكذلك من تلك المصنفات: المراسيل، ابن أبي حاتم. وله أيضا كتب كتبها ابنه عنه. قال: "مولده سنة خمس وتسعين ومئة"، أنا ولد هذا العلم سنة مئة وخمس وتسعين للهجرة، ولد سنة مئة وخمس وتسعين للهجرة. قال: "وأول كتابه للحديث كان في سنة تسع ومئتين"، أنا أول ما كتب الحديث وسمع كان في سنة تسع ومئتين، يعني وهو ابن أربعة عشر سنة. قال: "وهو من نظراء البخاري"، نظراؤه أي في وقته وكذلك في علمه، ومن طبقته، ولكنه عمر بعده. أنا نفس البخاري سنه هو وأبو حاتم معا، إلا أن أبا حاتم عمر بعده عشرين سنة. أنا مات البخاري سنة مئتين وستة وخمسين، مئتين وستة وخمسين، وسنه قرابة اثنين وستين أو ثلاث وستين. وأما أبو حاتم فقد عمر بعده حتى كما سيأتي إلى بعد السبعين، أنا بعد قرب ثمانين، مئتين وثمانين. قال: "سمع عبيد الله بن موسى، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، والأصمعي، الأصمعي هذا صاحب اللغة، وقبيصة وهو ابن عقبة، وأبا نعيم الفضل بن دكين، وعفانا، وعثمان بن الهيثم المؤذن، وأبا معمر الغساني، وأبا اليماني، وسعيد بن أبي مريم، وزهير بن عباد، ويحيى بن بكير، وأبا الوليد، وآدم بن أبي إياس، وثابت بن محمد الزاهد، وأبا زيد الأنصاري النحوي، وعبد الله بن صالح العجلي، وعبد الله بن صالح الكاتب". عبد الله بن صالح العجلي هذا صاحب كتاب الثقات وهو في الجرح والتعديل. وعبد الله بن صالح الكاتب كاتب الليث. قال: "وأبا الجماهر محمد بن عثمان، وهوذة بن خليفة، ويحيى الحماني، وأبا توبة الحلبي، وخلقا كثيرا". وينزل إلى بندار وأبي حفص الفلاس، والربيع المرادي، ثم إلى ابن غارة ومحمد بن عوف. وهؤلاء: ابن غارة محمد بن مسلم بن غارة، ومحمد بن عوف من أقرانه. قالوا: "يتعذر استقصاء سائر مشايخه لأنه طوف البلاد، فمشايخه كثير جدا". فقد قال الخليل: "قال لي أبو حاتم: اللهم الحافظ قد جمعت من روى عنه أبو حاتم الرازي فبلغوا قريبا من ثلاثة آلاف"، أنا ثلاثة آلاف شيخ روى عنه، وهذا فقط بحسب علمه، وقد يكون أكثر من هؤلاء. قال: "حدث عنه ولده الحافظ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، ويونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان المرادي، شيخاه". يعني الربيع بن سليمان المرادي. قاله أبو زرعة الرازي رفيقه وقرابته، يقال أنه ابن خالته. وأبو زرعة الدمشقي، وإبراهيم الحربي، وأحمد الرمادي، وموسى بن إسحاق الأنصاري، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو عبد الله البخاري في ما قيل، أنا محمد بن إسماعيل، وأبو داود، وأبو عبد الرحمن النسائي في سننهما، وابن صاعد، وأبو عوانة الإسفرائيني، وذكر جماعة ممن روى عنه من الأمة. قالوا: "قد حدث في رحلاته بأمثال، وارتحل بابنه ولقي به أصحاب ابن عيينة ووكيع"، أنا ذهب بابنه عبد الرحمن معه ولقي أصحاب ابن عيينة، أصحاب ابن عيينة: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وأيضا كذلك ابن معين، وعلي بن المديني، وطبقت هؤلاء، وكذلك هم طلبوا وكيع. قال الحافظ أبو نعيم، عبد الملك بن محمد بن عدي، وهذا صاحب كتاب الكامل: "حدثنا الربيع المرادي، قال: حدثنا أبو حاتم الرازي، قال: حدثنا داود الجعفري، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، وهو الدراوردي، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خير نساء العالمين مريم، وآسية امرأة فرعون، وخديجة، وفاطمة»". ثم قال ابن عدي: "وحدثناه أبو حاتم، قال: صالح بن أحمد الهمداني الحافظ، وهو الذي قال له صالح جزرة، قال: حدثنا القاسم بن أبي صالح، سليمان بن يزيد، قال: حدثنا أبو حاتم، قال: حدثني أبو زرعة، عني، عن أبي الجماهر، قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: «رفع القلم عن ثلاثة»". وهذه الأحاديث يأتي بها الذهبي رحمه الله في أكثر التراجم، يريد إسناده أو الإسناد إلى ذلك الشيخ. قال أبو حاتم: "كان عندي شيق إرطاس فضاع"، أي هذا الحديث كان عنده محفوظ، ضاع عليه، فرواه عن أبي زرعة عنه، وأبو زرعة قد رواه عنه. قال: "رواه الحافظ أبو بكر الخطيب، قال: حدثنا علي بن طلحة، حتى قال: حدثنا صالح، قال: عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت موسى بن إسحاق القاضي يقول"، صاحب موسى بن إسحاق القاضي صاحب كتاب فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، "قال: يقول ما رأيت أحفظ من والدك"، يقول لعبد الرحمن: "ما رأيت أحفظ من والدك، وكان قد لقي أبا بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، وابن حميد، ويحيى الحماني"، أنا يقول له أنه ما رأى أحفظ، وهو قد رأى هؤلاء الحفاظ الكبار. قال الخطيب: "كان أبو حاتم أحد الأئمة الحفاظ الأثبات، أول سماعه سنة تسع ومئتين، وهو ابن أربعة عشر سنة". قال أبو الشيخ الحافظ: "حكى لنا عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: قال: سمعت أبا حاتم يقول: نحن من أهل أصبهان، من قرية جرو، وأهلنا كانوا يقدمون علينا في حياة أبي، ثم قطعوا عنا". يعني من أهل أصبهان من اللعاج، وينسبوا إلى بني حنظلة كما قلنا، إما ولا عن، وإما أنه كما ذكر أنه كان في قرية يقال لها حنظلة. قال الخليل رحمه الله: "كان أبو حاتم عالما باختلاف الصحابة وفقه التابعين ومن بعدهم". قال: "سمعت جدي وجماعة سمع لإبراهيم القطان يقول: ما رأيت مثل أبي حاتم". فقلنا له: "قد رأيت إبراهيم الحربي، إسماعيل القاضي". قال: "ما رأيت أجمع من أبي حاتم، ولا أفضل منه"، أنا في معرفة الحديث وأيضا في حفظه. قال علي بن إبراهيم الرازي: "حدثنا أحمد بن علي الرقام، قال: سمعت الحسن بن حسين الداودي، قال: سمعت أبا حاتم يقول: قال لي أبو زرعة: ما رأيت أحرص على طلب الحديث منك". أبو زرعة يقول لأبي حاتم: "ما رأيت أحرص على طلب الحديث منك". قال أبو حاتم: "فقلت له: إن عبد الرحمن ابني لحريص". فقال أبو زرعة: "من أشبه أباه فما ظلم". فعنه إذا طلع الرجل يشبه أباه، فهذا الذي يكون منه أنه يشبه أباه، يحاول أن يشابه أباه، وخاصة في هذه الأمور الخيرة العظيمة. قال الرقام: "فسألته عبد الرحمن عن اتفاق كثرة السماع له وسؤالاته لأبيه". يعني عبد الرحمن سمع من أبيه كثيرا وسأله كثيرا، يقول: كيف تسأله؟ فقال: "ربما كان يأكل وأقرأ عليه وهو يأكل، وعبد الرحمن يقرأ ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه". انظر إلى حرص السلف رحمهم الله على العلم، ما يضيعون وقتا أبدا، حتى في دخول الخلاء يقرأ عليه. كيف يقرأ عليه؟ يعني يكون خارج فيقرأ عليه وهو في الخارج. مثل ما كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا أراد أن يدخل الخلاء جعل بعض أصحابه يقرأ، يقول له: اقرأ وارفع صوتك حتى يسمع ما يقول. كان أيضا كثير من العلم يفعلون هذا، حتى في وقت خلائهم تجد أنهم لا يفوتون العلم، فيجعلون أحدا يقرأ عليهم في ذلك الوقت. قال: "ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه". ومن العجيب أن عبد الرحمن بن أبي حاتم كان يسأل أباه وأبوه في سياق الموت، أنا في الاحتضار، حتى قال له: قال: "يا عبد الرحمن"، كان أبي مريضا في سياق الموت، فقلت له: "عبد القاهر بن عبد الغافر، هل هو صحابي؟" فقال: "فقال بصوت خفي: نعم". فقلت: "لا، لم أسمع، يا أبي ارفع صوتك". فأشار إلي برأسه، ثم قضى، أنا ثم مات بعدها، أنا مات على العلم وعلى الأسئلة، يسألوا حتى في سياق الموت. أنا الواحد قد لا يلتفت إلى مثل هذه الأشياء في وقت الموت، لكن هؤلاء لأنهم عاشوا على العلم ووقتهم كله علم، صار ألد شيء عندهم العلم. ابن جرير الطبري رحمه الله كان في سياق الموت، فسمع، فسمع الرجل يذكر مسألة من مسائل الميراث ليست عنده، فقال: "هاتوا الكتائب، وهاتوا الكراس، وهاتوا القلم"، فكتب هذه المسألة وهو في سياق الموت، أنا في مرض موته رحمه الله. وكذلك سيأتي أيضا معنا إذا أخذنا ترجمة أبي زرعة، أيضا كانوا يتذاكرون العلم وهو مريض، وبل في سياق موته، أنا في وقت الاحتضار. قال أحمد بن سلمة النيسابوري: "ما رأيت بعد إسحاق"، أي ابن راهويه، "ومحمد بن يحيى أحفظ للحديث من أبي حاتم الرازي، ولا أعلم بمعانيه". أنا بعد هؤلاء: إسحاق بن راهويه وهو الإمام، ومحمد بن يحيى الذهلي، قال: "ما رأيت أحدا بعدهم أحفظ من أبي حاتم". قال ابن عدي: "سمعت القاسم بن صفوان يقول: سمعت أبا حاتم يقول: أورع من رأيت أربعة: آدم"، أي آدم بن أبي إياس العسقلاني، أو آدم، "وأحمد بن حنبل، وثابت بن محمد الزاهد، وأبو زرعة الرازي". أنا يقول هؤلاء أورع من رأيت من العلماء. قال القاسم بن صفوان: "فذكرته لعثمان بن خرزاذ، ابن خرزاذ، فقال: أنا أقول: أحفظ من رأيت أربعة: محمد بن المنهال الضرير، وإبراهيم بن عرعرة، وأبو زرعة، وأبو حاتم". قال ابن أبي حاتم: "ثنية يونس بن عبد الأعلى وهو المصري، يقول: أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان، ودعا لهما، وقال: بقاؤهما صلاح للمسلمين، لأن بقاء العالم صلاح لأهل الإسلام، وموته ثلمة في الإسلام". ثلمة: معنى قدح أو قطع، مثل ثلمة القدح، وثلمة الإناء عندما ينكسر الإناء أو يخرج منه شيء فيقال ثلمة. وقال محمد بن حسين بن مكرم: "سمعت حجاج بن الشاعر، وذكرت له أبا زرعة، وابن وارة، وأبا جعفر الدارمي، فقال: ما بالمشرق أنبل منهم". قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي، قال: ليه هشام بن عمار: أي شيء تحفظ من الأدواء؟" من الأدواء، يعني في الرجال، يقول هشام بن عمار لأبي حاتم: "من تحفظ من أهل الأدواء؟" عنده يعني لقب بشيء من، مثلا داع فيه أو خلقة فيه. فقال: "قلت: ذو الأصابع، وذو الجوشن، وذو الزوائد، وذو اليدين، وذو اللحية، والكلاب"، وعددت له ستة. فضحك وقال: "حفظنا نحن ثلاثة، وزدت أنت ثلاثة". أنه هشام بن عمار يقول لأبي حاتم: "أنا أحفظ ثلاثة، وأنت زدت أيضا ثلاثة". قال الحافظ عبد الرحمن بن الخضر: "كان أبو حاتم من أهل الأمانة والمعرفة". وقال هبة الله الآجري، هو صاحب كتاب علل أحمد، وصاحب أيضا كتاب شرح أصول السنة: "كان أبو حاتم إماما حافظا متقنا". وذكره الآجري في شيوخ البخاري. وقال النسائي: "ثقة". وقال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: جرى بيني وبين أبي زرعة يوما تمييز الحديث ومعرفته، فجعل يذكر حديثا وعللها، وكذلك كنت أذكر حديثا خطأ وعللها، وخطأ الشيوخ. وقال لي: يا أبا حاتم، قل من يفهم هذا، ما أعز هذا"، يعني يعرف خطأ الرواة. قال: "إذا رفعت هذا من واحد واثنين، فما أقل من تجد من يحسن هذا". قال: "وربما أشك في شيء أو يتخالجني في حديث، فإلى أن ألتقي معك لا أجد من يشفيني منه". قال: "وكذلك كان أمري"، أنا دائما يراجعون الحديث، وأيضا يذاكرونه، لأن الحديث إذا لم يذاكر يذهب. قال صالح بن أحمد الحافظ: "قال: حدثنا القاسم بن أبي صالح، قال: سمعت أبا حاتم يقول: قال لي أبو زرعة: ترفع يديك في القنوت؟ قلت: لا. قال: ترفع أنت؟ قلت: نعم. قلت: فما حجتك؟ قال: حديث ابن مسعود. قلت: رواه ليث بن أبي سليم. قال: فحديث أبي هريرة. قلت: رواه ابن لهيعة. قال: حديث ابن عباس. قلت: رواه عوف بن أبي جميلة. قال: فما حجتك في تركه؟ قلت: حديث أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء". السكت. وهذا استدلال عظيم، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم، فسره كثير من العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، أي لا يبالغ في رفع اليدين، لأن في الاستسقاء بالغ حتى رفعهما حتى رؤية بياض إبطيه، أنا بالغ في رفع يديه. وإلا الأحاديث التي جاءت أنه كان يرفع يديه عليه الصلاة والسلام أمام وجهه، أنا يجعلها أمام وجهه. وجاء في صلاة المسلم أنه إذا كان في رفع البلاء يقلب يديه، أنا يجعل ما كان هكذا، أنا يجعل باطن الكف يجعله إلى أسفل، وظاهر الكف يجعله إلى هذا، في البلاء إذا كان يريد رفع البلاء فيفعل هكذا النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم. وهدي سنة قل من يعمل بها، أن إذا ذكر البلاء ودعا: اللهم ارفع عننا البلاء وكذا، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقلب يده. أما رفع اليدين فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سلمان أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إذا دعا أحدكم فرفع يديه، فإن الله يستحي أن يردهما صفرا خائبتين»، أن يردهما صفرا خائبتين. قال: "وقال محمد بن أبي حاتم في أول كتاب الجرح والتعديل له: سمعت أبي يقول: جاءني رجل من جلة أصحاب الرأي، من أهل الفهم منهم، وإسمعوا إلى هذه القصة والحكاية التي تدل على معرفة أهل الحديث بدواخل الحديث، وما وما يكون فيهم العلل، وهذا لحرصهم على العلم، وكذلك لشدة مذاكرتهم ومعرفتهم". فقال أبو حاتم: "جاءني رجل من جلة أصحاب الرأي، أنا من عظمائهم ومن أعرف الناس بالرأي، وكان يقال أصحاب الرأي أي الحنفية، قال: من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر، فعرضه علي، فقلت: في بعض هذا حديث خطأ، قد دخل لصاحبي حديث في حديث، وهذا باطل، وهذا منكر، وسائر ذلك صحاح. فقال هذا الرجل: من أين علمت النداء كخطأ، وذاك باطل، وذاك كذب؟ من الذي قال لك أن هذا خطأ وهذا باطل؟ أخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت أو بأني كذبت في حديث كذا؟ أنا هل راوي هذا الكتاب الذي معه هو الذي أخبرك؟ قال: قلت: قال: قال: لا، ما أدري، ما أدري هذا الجزء من راويه، أنا ما أدري من راوي هذا الجزء، غير أني أعلم أن هذا الحديث خطأ، وأن هذا باطل. فقال: لو تدعي الغيب، أنا أنت تتكلم على شيء غائب ما تعرفه، كيف تدعي أن هذا كذب وهذا خطأ، من أين عرفت؟ قلت: ما هذا ادعاء غيب. قال: فما الدليل على ما قلت؟" أنا يقول: لو هذا ليس الدعاء غير، ولهذا يقول عبد الرحمن بن أبي حاتم رحمه الله، أقصد عبد الرحمن بن مهدي، يقول: "معرفتنا لعلم الحديث كهانة عند الجهال"، كهانة عند الجهال، الذي لا يعرف علم الحديث يقول: إيش هذا، يتكهن، من أين أعرف أن هذا خطأ، من أين أعرف أن هذا باطل؟ فقال له: "أنت تدعي الغيب". قلت: "ما هذا ادعاء الغيب". قال: "فما الدليل على ما قلت؟ أين الدليل على أن هذا خطأ وهذا كذب وهذا كذا؟" قال أبو حاتم: "قلت: سل عما قلت من يحسن مثل ما أحسن، أنا أسأل أحد غيري، فإن اتفقنا علمت أن لم نجازف ولم نقله إلا بفهم". ويقول أبو زرعة: "قولك؟" قال: "قلت: نعم". قال: "هذا عجب". وفي رواية أنه ذهب إلى أبي زرعة وقال له مثل قول أبي حاتم، فقال: "هذا عجب". قال: "فكتب في كاغد الفاضي في تلك الأحاديث، ثم رجع إليه وقد كتب الفاض ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث، فقال: ما قلت إنه كذب، ما قلت إنه كذب. قال أبو زرعة: هو باطل. قلت: الكذب الباطل واحد. قال: وما قلت إنه منكر؟ قال: هو منكر كما قلت. وما قلت إنه صحيح؟ قال: هو صحيح. ثم قال: ما عجب هذا؟ تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما، أن اتفقتم على إنكار هذه الأحاديث ومعرفتها، وأنتم لم تتواطؤوا على ذلك". قال: "فعند ذلك علمت أن لم نجازف، وأن قلنا بعلم ومعرفة قد أتيناها". قال: "والدليل يقول أبو حاتم لهذا الرجل: الدليل على صحة ما نقوله أن دينارا بهرجا يحمل إلى الناقد، فيقول: هذا بهرج. فإن قيل له: من أين قلت أن هذا بهرج؟ هل كنت حاضرا حين بهرج هذا الدينار؟ يعني زيف، يعني كانوا يزيفون الذهب، يأتون مثلا بنحاس ويصبغونه حتى يصير مثل الذهب، فلا يعرف إلا من، من كان لا يعرف هذا إلا من كان عنده خبرة بالمصارفة، عنده خبرة بالمصارفة، فيعرف أن هذا صحيح، وأن ذاك غير صحيح، وأن هذا بهرج، وهذا فلس، وهذا كذا، فيعرفه لشدة معرفته بالفلوس، ودائما أيضا يصارف. فقال: هذا بهرج. فإن قيل له: من أين قلت إن هذا بهرج؟ قال: هل كنت حاضرا حين بهرج هذا الدينار؟ قال: لا. وإن قيل: أخبرك الذي بهرج، الذي غش هذا، أخبرك؟ قال: لا. قيل: فمن أين قلت؟ قال: علما رزقته. وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك. وكذلك إذا حمل إلى جوهري فص ياقوت وفص زجاج، يعرف ذا من ذا، ويقول: كذلك كذلك نحن رزقنا علما لا يتهيأ له أن نخبرك كيف علمنا بأن هذا كذب. العلم هو الممارسة، لما مارسوا هذا العلم عرفوا، أنا يعرف أن هذا كذب مجرد ما يأتي به هذا، أو صاحب الحديد، قل: هذا كذب، أو هذا خطأ، وهذا لمتابعتهم وجمعهم لحديث الرواة. قال: أو هذا منكر، فنعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاما يصلح، وأن يكون كلام النبوة". وهذا أيضا معنى من كثرة معرفتهم للحديث وذوقهم للحديث، حتى أنهم يعرفون أن هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو ليس كلامه. قال: "ونعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته". قال: "وسمعت أبي يقول: إن شاء الله نأخذ هذا". قال: "سمعت أبي يقول: قلت على باب أبي الوليد الطيالسي: من أغرب علي حديثا غريبا مسندا لم أسمع به صحيحا، فله علي درهم يتصدق به. وكان ثم خلق، أبو زرعة، أنا هناك أناس، وأبو حاكم، يقول: من أغرب علي حديثا غريبا مسندا لم أسمع به صحيحا، فله علي درهم يتصدق به، أعطيه درهم حتى يتصدق بهذا الدرهم. قال: وثم خلق، أي أناس كثير، منهم أبو زرعة، فمن دونه. قال: وإنما كان مراد أن يلقى علي ما لم أسمع به، فيقولون: هو عند فلان، فأذهب وأسمعه، فلم يتهيأ لأحد أن يغرب علي حديثا". يغرب يعني يأتي بحديث لا يحفظه إلا هو، وأخذه عن سيف واحد، ولا يكون هذا مشهور الحديث، فكان العلماء يبحثون عن هذه الأحاديث حتى لا يفوتهم شيء. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، ونكمل في درس لاحق ترجمة، ترجمة أبي زرعة.