الدرس في التعليق على شرح الجامع لعبادة الله وحده 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع نوعي الذبح في الإسلام: الذبح للأكل وهو مباح بشرط التسمية، والذبح تقربًا لله كالأضاحي والهدي والعقيقة وهو عبادة. ويؤكد أن صرف الذبح لغير الله على وجه التقرب يعد شركًا أكبر مستدلًا بالآية الكريمة.
يؤكد المقطع على أن الذبح من أعظم العبادات المالية مستدلاً بأقوال ابن تيمية وآيات قرآنية وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويحث على الإخلاص والتوسع في الأضاحي لإدخال السرور على الفقراء محذراً من الغفلة عنها.
يبين المقطع أن العبادة ومنها الذبح يجب أن تكون خالصة لله اتباعاً لأمره، مستدلاً بالآية والحديث الناهي عن الذبح في مواضع الأوثان، وأن الإصرار على الذبح عند القبور في أوقات محددة يدل على التقرب لأصحابها وهو شرك أكبر.
يحذر المتحدث من أن الذبح لغير الله يعد شركاً أكبر مؤكداً أن من يفعل ذلك قد وقع في الشرك الأكبر، ويختتم المقطع بالاكتفاء بما ذُكر في هذا الشأن.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، وبعد: قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه أو رسالته «الجامع لعبادة الله وحده»، وفي سياق ذكره لأنواع العبادات: قال رحمه الله: «وذبح القربان»؛ أي من العبادات الجليلة التي يطالب بها المسلم بالتقرب بها إلى الله عز وجل. ذبح القربان، أي: الذبح. قال الشارح الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى: قال: الذبح على قسمين. القسم الأول: الذبح لأكل اللحم. قال: هذا مباح، وليس هو عبادة، وإنما هو ذبح للأكل فهو مباح، إلا أنه لا بد أن يذكر عليه اسم الله عند الذبح. قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. فهذا القسم الأول من أنواع الذبح: أن الإنسان يذبح ليس بنية التقرب والعبادة؛ لأن هناك نسكًا جعلها الله عز وجل تقربًا له بتقديمها له سبحانه وتعالى. لكن هذا الذبح -القسم الأول من أنواع الذبح- ذبح لأكل اللحم؛ تشتري شاة وتذبحها من أجل أن تأكلها أنت وأولادك، فهذا ذبح أكل. أو ينزل بك ضيف فتذبح له لا بنية التقرب إلى الله، وإنما بنية إكرام هذا الضيف، فهذا ذبح لأكل اللحم، فهذا مباح وليس هو بعبادة. المراد بالعبادة: يعني التقرب إلى الله عز وجل بعين هذا الذبح. وإلا فإكرام الضيف من العبادة، وإكرام الضيف والذبح له من عموم لفظ العبادة، كما قال شيخ الإسلام، وكما تقدم: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه. فأنت لما تذبح للضيف فهو عبادة، لكن هذه العبادة ليست عبادة تقرب، وعبادة كذلك إهراق الدم لله عز وجل، وإنما لأجل هذا الضيف، فهذا من باب المباح، ويدخل في عموم العبادة، لكن ليس بالعبادة المراد بها الذبح لله سبحانه وتعالى. وهذا الذبح يشترط فيه التسمية، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. هذا النوع الأول. قال: النوع الثاني: الذبح على وجه التقرب لله جل وعلا، فهذا نوع من أنواع العبادة، كذبح الأضاحي. الأضاحي هي التي تذبح في اليوم العاشر وثلاثة أيام بعده من ذي الحجة، بشروط معلومة وتفاصيل موضحة في كتب الفقه. فهذه الأضاحي تذبح لله عز وجل، وأمر الله سبحانه وتعالى بها. وقال: وذبح الهدي، سواء كان تمتعًا أو غيره مما يكون في الحج، فهذا أيضًا ذبح لله سبحانه وتعالى، وهو ذبح عبادة. قال: وذبح العقيقة للمولود، والعقيقة هي الذبيحة التي تذبح بعد مرور سبعة أيام للمولود، من رُزق مولودًا سواء كان ذكرًا أو أنثى، فعليه العقيقة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كل مولود مرهون بعقيقته»، وتذبح في اليوم السابع كما في الأحاديث الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. إلا أنه يذبح عن الذكر اثنتان، وعن الأنثى واحدة، وهذا أيضًا يُطلب في كتب الفقه. لكن أراد المؤلف أن يذكر أمثلة للذبح الذي هو بمعنى التقرب، فإذن هذا هو الذبح الذي يذبح من أجل التقرب إلى الله سبحانه وتعالى. قال: هذه ذبائح عبادة، لا يجوز التقرب بها إلا لله عز وجل. فمن ذبح لغير الله على وجه التقرب، فإنه يكون مشركًا شركًا أكبر؛ يعني يتقرب به إلى غير الله، يتقرب به إلى غير الله، فهذا من الشرك الأكبر. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾. قال: النسك الذبح، وقرنه مع الصلاة. وقيل: إن النسك خاص بالهدي، وقيل غير ذلك، والصحيح أن النسك يراد به عموم الذبح، سواء كان في الهدي أو في العقيقة أو في الأضاحي أو في غيرها مما يراد به التقرب. وانظروا إلى هذه الآية، كيف أن الله عز وجل قرن الذبح له سبحانه وتعالى بالصلاة. أنتم تعرفون عظم الصلاة وفضل الصلاة وقدر الصلاة في هذا الدين العظيم؛ هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ومع هذا في هذه الآية قرن الذبح بها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: أعظم العبادات البدنية الصلاة، وأعظم العبادات المالية النسك أو الذبح. فلذلك قرن الذبح بالصلاة، فدل ذلك على عظم هذه العبادة، ألا وهي ذبح القربان لله سبحانه وتعالى. فلا يستهان به، لا تُغصَر -سواء كان في الأضحية أو في العقيقة أو كذلك في الهدي أو إلى غير ذلك مما تتصدق به من الذبائح التي تريدها صدقة لله عز وجل- فيجب عليك أن تخلص فيها، وأن تكثر منها؛ فإنها عبادة عظيمة غفل عنها كثير من الناس. بعض الناس ربما يذهب ويعمل أعمالًا دون بكثير من الذبح لله عز وجل، خصوصًا في الأوقات التي يحتاج فيها الفقراء والمساكين لهذه الذبيحة، مثل الأضاحي. الأضاحي، الأضاحي، الأضاحي: كثير من الناس في وقتها يذبح لنفسه، وربما عنده من المال، فلا يفكر ولا يحرص على أن يتصدق بمجموعة من الأضاحي للفقراء والمساكين. ذاك اليوم، هذه الأيام أيام العيد، يحتاج فيها الفقراء والمساكين إلى من يواسيهم، وإلى من يدخل عليهم السرور. فأنت إذا ذبحت مجموعة من الأضاحي لله سبحانه وتعالى ثم وزعتها على المحتاجين، كم لك من الأجر، كم لك من الأجر والثواب، لا سيما ونحن في هذا الزمان الذي قد غلا فيه الذبح والنسل واللحم، غلاء فاحشًا، ربما كثير من الناس لا يستطيعون الشراء، لا يستطيعون الشراء. فأنت تتقرب إلى الله عز وجل بهذه العبادة وبهذا النسك. فانظروا إلى عظم هذه العبادة التي غفل عنها كثير من الناس. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أهدى مئة ناقة، مئة، ذبح أكثرها عليه الصلاة والسلام بيده، ثم أكمل علي رضي الله تعالى عنه. فانظروا، فانظروا كيف أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حرص على هذه العبادة العظيمة. ولذلك كان كثيرًا عليه الصلاة والسلام يتقرب إلى الله عز وجل بالقربان، بالذبح، إما بالهدايا التي يهديها إلى الحرم، كانت وهو في الحل يرسل الإبل فتقلد وتشعر وترسل إلى الحرم، كان يفعل ذلك عليه الصلاة والسلام. وهكذا كما سمعت في المئة الناقة التي أهداها النبي عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك مما جاء عنه عليه الصلاة والسلام. فهذه عبادة جليلة لا نغفل عنها. كذلك العقيقة: كثير من الناس تساهلون في هذا، وتجد من لا يستشعر الأجر، وأن هذا ذبيحة لله سبحانه وتعالى، لله عز وجل، فينبغي عليه أن يحتسب الأجر، وأن يؤديها بنفس طيبة. وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. وهذه الآية أيضًا، الآية الثانية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فيها إقران بين الصلاة وبين الذبح. النحر هنا الأصل أن يكون للإبل، تنحر في اللبة بعد أن تعقل، ثم تسقط، ثم بعد ذلك يخرج لحمها، هذا هو الأصل. لكن المراد به في هذه الآية، كما ذكر ذلك أهل العلم، هو عموم الذبح، سواء أكان بالنحر للإبل، أو بالذبح للبقر والأغنام. فإذن: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فيه قرن بين الصلاة وبين النحر. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ لربك، فلا تنحر لغير الله سبحانه وتعالى. والله سبحانه وتعالى خاطب نبيه في هاتين الآيتين؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يذبحون لغير الله، كانوا يذبحون لغير الله، فكانوا يذبحون لأصنامهم، وللكواكب، وللنجوم، وإلى غير ذلك من المألوهات التي اتخذوها آلهة من دون الله. وفي قول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾، قال أهل العلم: هذا تأكيد. لأن ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذا فيه إثبات. ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ فيه نفي للإشراك. يعني: كما أنني أعبد الله عز وجل وحده، فلا أشرك معه أحدًا. وهذا مثل قولك: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. فأنت في الشطر الأول أثبتت الألوهية لله عز وجل وحده: لا إله إلا الله وحده، تأكيد للإثبات. لا شريك له، تأكيد للنفي، تأكيد للنفي. وهذا مثله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ * وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. فقوله: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ فيه الاتباع، أن المسلم ينبغي أن يكون متبعًا لما أراد الله عز وجل، وليس هو مفوضًا في دين الله يحلل ما شاء ويحرم ما شاء، بل ينبغي عليه أن يعمل بما أمر، وأن يستقيم كما أمره الله عز وجل، لا كما أراد، ولا كما أراد هواه. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾. ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، فالاستقامة والتوحيد يؤخذ من الكتاب والسنة مما أمر الله سبحانه وتعالى به. فنسأل هؤلاء الذين يذبحون لغير الله، ويعبدون غير الله: هل أمرتم بذلك؟ هل أمركم الله عز وجل بذلك؟ سلوا أنفسكم، ابحثوا في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، هل تجدون ما يبرر لكم هذا الفعل، وما يجوز لكم هذا الفعل؟ بل تجد العكس: إذا نظرت في الكتاب والسنة، فهما مليئان بالتحذير من الشرك، من الذبح لغير الله، من دعاء غير الله، من الاستغاثة لغير الله، إلى غير ذلك. قال الشيخ حفظه الله: قرن النحر مع الصلاة، فكما أنه لا تجوز الصلاة لغير الله، فكذلك الذبح والنحر على وجه التقرب لا يكون إلا لله. أنت الآن تصلي لله، تقف بين يدي الله، فكما أن هذه الصلاة لا تجوز إلا أن تكون لله، فكذلك الذبح لا يجوز أن يكون إلا لله. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ لربك، فالنحر يكون لله سبحانه وتعالى. قال: من ذبح يتقرب إلى ميت، أو إلى قبر، أو إلى ضريح، كما عليه عباد القبور اليوم، فإنه يكون مشركًا شركًا أكبر. إنسان يقود بهيمة ويأتي بها عند ضريح، أو عند قبر، ثم يذبحها، يدل على ماذا؟ هذا يدل على أنه تقرب بهذه الذبيحة إلى هذا الضريح، أو إلى هذا القبر. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في حديث ثابت من الضحاك، جاءه رجل، أو قال له: إن رجلًا يريد أن يذبح إبلًا ببوانة. بوانة: موضع، مكان. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» قالوا: لا. إذن: معنى هذا، إذا كان هناك وثن موجود في هذا المكان، لا يجوز أن يذبح عنده، لا يجوز. ثم قال لهم: «هل لهم عيد؟» هل كان فيه عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فإذن: المكان الذي فيه اجتماع أعياد سنوية في يوم محدد، في زمن محدد، هذا لا يجوز؛ لأنه من أعياد أهل الجاهلية. بل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تجعلوا قبري عيدًا». أين هؤلاء الذين عملوا الزيارة قبل أيام من مثل هذه النصوص؟ والنصوص واضحة، يحددون زيارة الشيخ فضل في يوم كذا وكذا. أليس هذا من العيد الذي نهى عنه الإسلام؟ العيد معناه: ما يعود، سواء كان في الأسبوع، أو في السنة. ولذلك يوم الجمعة سُمِّي عيدًا؛ لأنه في كل أسبوع يعود هذا اليوم، فيفرح المسلمون بصلاة الجمعة، وبالتقائهم، وبما فضل الله عز وجل به ذلك اليوم. وهكذا هؤلاء اتخذوا هذه الأضرحة وهذه القبور لها أعياد. فانظروا: النبي صلى الله عليه وسلم سأل: «هل كان فيه عيد من أعيادهم؟»... أوفي بن أدرك الحديث في أبي داود، هو حديث صحيح. فإذا ما عليه أولئك من الذبح: إنسان يقود بهيمة ويذهب بها عند قبر ويذبح، ويأبى إلا أن يذبحها عند هذا القبر، هذا يدل على ماذا؟ ثم وبعد هذا يقول: لا، أنا ذبحتها لله. طيب، ذبحتها لله يا أخي، اذبحها في بيتك، اذبحها في أي مكان ما فيه مثل هذه الوثنيات والشركيات. لماذا أصرّ أن تذبحها في هذا المكان؟ هذا يدل على ماذا؟ هذا يدل على عقيدة، وعلى أن في قلبه تقربًا لهذا الوثن، أو لهذا الضريح، أو لهذا القبر. ألا فليعقل أولئك، وليعلموا أنهم قد وقعوا في الشرك الأكبر؛ لأنهم تقربوا إلى الله عز وجل بهذا الذبح لغير الله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، وإلى هنا.